موقع الحق والضلال موقع الحق والضلال

شاهد الكلمات الذهبية التى نشرتها الكاتبة فاطمة ناعوت عبر صفحتها

منذ 1 شهر
November 25, 2020, 9:48 am
بلغ

شاهد الكلمات الذهبية التى نشرتها الكاتبة فاطمة ناعوت عبر صفحتها الرسمية


في البَدء؛ كان إنسانٌ. ثم جاء إنسانٌ وتلصَّصَ على الإنسان، فاخترع الإنسانُ الباب. جاء إنسانٌ وفتح البابَ وسرق شيئًا. فاخترعَ الإنسانُ القِفلَ والمفتاحَ. ثم اخترع الأسوارَ والسياجَ والأصفادَ والخزائن والأرقام السرية وكاميرات المراقبة وغيرها من أدواتٍ ابتكرها الإنسانُ ليحمي نفسَه من لصٍّ زرع زهرة الشرّ الأولى التي لوثت الأرض وجعلتنا نبتكرُ القانونَ والمحاكم والسجون والمشانق.
أصلُ الحياة أن تكون خالية من مِهٍِن لا محلّ لها في عالم (كان) يحكمه قانون البراءة. القاضي والسجّان والجلاد ووو وظائفُ ابتدعها الإنسانُ لكي يقتصَّ من إنسانٍ تلصَّص أو سرق أو قتل. مهنٌ ما كنّا سنعرفها لو حافظنا على فطرتنا النقية البريئة.
في البدء؛ كان عالُمنا بسيطًا بلا أوراق. إن احتاج إنسانٌ بعض المال، دقّ بابَ جاره وسأله، فأعطاه سؤلَه. لكن إنسانًا ما، أنكر أنه أخذ، فابتدع أجدادُنا أشياءَ بغيضةً مثل وصل الأمانة وغيرها من أوراق سخيفة تقول بصوت أجشّ: "احترسْ، ثمة لصٌّ يسرق!”
في البدء كان السفرُ بالطائرة سهلا مثل القطار. يصعدُ إنسانٌ إلى طائرة، وتلوّح له حبيبتُه من شرفة المطار. يراها وتراه. وتظلُّ عيناها معلقتين بعينيه ويدُها تلوّح مع إيقاع قلبها، حتى تختفي الطائرةُ بين السحاب. هذا كان حتى الأمس القريب. تشهدُ على ذلك أفلامُنا القديمة بالأبيض والأسود في زمن البراءة قبل اختراع الشرور. شاهدنا "نادية لطفي" و"فاتن حمامة" و"زبيدة ثروت" يُلوّحن لأحبائهن من شرفات مطار القاهرة في أفلام الستينيات الماضية. كأنه بالأمس فقط! يا خسارة! ذلك المشهدُ الرومانتيكي الرائع أصبح من الفولكلور المهجور. جيلُنا لم يره، ومستحيلٌ أن يراه جيلٌ بعدنا. لماذا؟ لأن إرهابيًّا مُنحطًّا قرّر في يوم أغبرَ أن يخطفَ طائرةً ويروِّع مسافرين. فكان لابد أن ترتفعَ أسوارٌ وتتعقّد حواجزُ، وتخترقَ أشعةٌ سينية أجسادَنا وحقائبنا وضمائرَنا، وتمرَّ يدان مُدربتان داخل جيوبنا وبين مفاصلنا بحثًا عن سائل حارق أو نصلٍ أو قنبلة موقوتة. كُتب على المسافر، وإلى الأبد، أن يُعامل كإرهابيّ مُحتمَل: يخلعُ نعليه وساعتَه ومعطفَه ويخضعُ للتفتيش، ويُحرمُ مما استمتع به جدُّه: أن تكون عينا حبيبته، آخرَ ما يرى في أرض الوطن.





في البَدء كان الصبايا يخرجن بفساتيَن قصيرةٍ وكعوبٍ عالية، تتراقصُ جدائلُهنّ مع النسيم، يمشين في شوارع الوطن واثقاتِ الخُطى كأميراتٍ خرجن من كُتب الحكايا. يذهبن إلى المدارس والجامعات والنوادي ويدخلن السينمات والمسارح وحفلات الطرب الجميل. يتناولن القهوة في جروبي والكرواسون في الأمريكين، ويشاهدن فاترينات المحال. ثم يعُدن إلى بيوتهن في سلام كما يليقُ بطبائع الأمور. لكن سافلاً ذئبًا تحرّش بفتاة، وخدش حياءها بكلمة أو بسلوك، فانسحبت البناتُ إلى بيوتهن في وجل، وسكن الرعبُ في كل بيتٍ يضمُّ بنتًا أو سيدة.
في البَدء كانت شوارعُنا نظيفةً، والشجرُ مغسولًا، والبناياتُ أنيقةً والبشر. وكان العازفون يعزفون الموسيقى في شوارع القاهرة. حتى جاء إنسانٌ وألقى ورقةً في الطريق. الورقةُ جرحت عيونَ الناس. اندهشوا وتساءلوا مَن الجاني؟! في اليوم التالي شاهدوا الورقةَ وشاهدوا الجاني. لكنهم اكتفوا بالاستنكار الصامت. وأصبحتِ الورقةُ ورقتين، ثم أكوامًا من القمامة، لم تعد تجرحُ عيونَ أحد. وانتقلتِ الدهشةُ من خانة الورقة، إلى الدهشة إذا رأينا شارعًا نظيفًا!
إنه اللصُّ الأول والقاتلُ الأول والنصّابُ الأول والإرهابيُّ الأول والمغتصبُ الأول والقذرُ الأول. إنه الشريرُ الأول. أولئك الذين أفسدوا براءتنا وعقّدوا حياتنا وسرقوا أعمارنا ولوثوا عيوننا وأسماعنا واختطفوا حريتَنا.
كلُّ سجنٍ، كان يمكن أن يكون حديقة. كلُّ سورٍ يُعطّلُ الشمس، كان ينبغي أن يكون أيكةَ زهور تغازلُ شعاعَ نور وترسمُ معه دانتيلا الظلال. كلُّ ثقبِ مفتاحٍ في كلِّ بابٍ، كان بوسعه أن يكون عُشًّا يسكنه عصفور، أو شرنقةَ حرير تخرج منها فراشة. كلُّ قِفْل كان يجبُ أن يكون مفتاح حياة. كلُّ سجّان، كان يمكن أن يكون شاعرًا أو رسّامًا أو موسيقارَ أو نحّاتًا أو عاشقًا يسهرُ الليلَ ليصنعَ هديةً لحبيبته. كلُّ ساعة تُسرق من أعمارنا في نقطة تفتيش، كان لابد أن نغرسَ فيها شجرةً أو نقرأ كتابًا أو نكتبَ قصيدة أو نداعبَ طفلا أو نداوي مريضًا. زهورُ الشرّ حرمتنا من عازف بيانو يغسلُ قلوبنا بالفرح، واستبدلت به عشماوي يقصُّ أعناقَ الأشقياء.
أيها اللصُّ الأول في التاريخ، أختصمُك أمام الله لأنك أفسدتَ حياتي وأدخلتَ في معجمي مفرداتٍ لا أحبّها ولن أقبلَها، ولو عشتُ ألفَ عام. "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحترمُ الوطن”.
***
#فاطمةـناعوت
#مصر

 

هذا الخبر منقول من : فيسبوك




كتب بواسطة GM

تنوية هام: الموقع غير مسئول عن صحة ومصداقية الخبر يتم نشره نقلاً عن مصادر صحفية أخرى، ومن ثم لا يتحمل أي مسئولية قانونية أو أدبية وإنما يتحملها المصدر الرئيسى للخبر. والموقع يقوم فقط بنقل ما يتم تداولة فى الأوساط الإعلامية المصرية والعالمية لتقديم خدمة إخبارية متكاملة.

احصل عليه من app store تحميل تطبيق الحق والضلال من علي app store احصل عليه من Google Play تحميل تطبيق الحق والضلال من google play