شاب غير مسيحى يكتب البابا تواضروس.. هدية السماء إلى المصريين

منذ 2 شهر
November 18, 2021, 3:35 pm
بلغ
شاب غير مسيحى يكتب البابا تواضروس   هدية السماء إلى المصريين

يحتفل المصريون اليوم، الخميس 18 نوفمبر 2021، بالعيد التاسع لجلوس البابا تواضروس على الكرسى الرسولى بالإسكندرية، ليصبح البابا الــ118 للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك منذ عام 2012.فى زمن ارتفعت فيه نبرة التطرف والغل الدينى، وراح التطرف يكسب شرعية انتخابية فى مصر وتونس والمغرب عبر الانتخابات البرلمانية، بينما راح يكسب مساحات جغرافية فى سوريا والعراق بالإرهاب المسلح، لم يكن مطلوبا إلا أن يرتفع صوت التطرف داخل البيت المسيحى، لينقلب الشرق مهد الحضارات إلى ساحة حرب دينية كما رغب الغرب مرارا.

فى هذا التوقيت الصعب يرحل بابا الإسكندرية البابا شنودة الثالث، ويترقب الشعب المصرى ما سوف تسفر عنه القرعة الهيكلية، ليظهر البابا تواضروس على الساحة.

خابت آمال كل من أراد أن يرى تطرفا مسيحيا مضادا للتطرف الإسلامى، آتى البابا تواضروس لا من أجل نشر المحبة بل آتى من قلب فلسفة المحبة إلى الكرسى الرسولى بالإسكندرية، ليسقط أى محاولة لصناعة مسيحية سياسية متطرفة مضادة لمؤامرة الإسلام السياسى المتطرف.

يقول البابا تواضرس فى حواره التلفزيونى الأخير مع CBC Extra News إن الكنيسة لا تعترف بما يسمى السياسة ولكنها تهتم بشؤون الوطن والمواطنة.

ولعل هذا المبدأ الهام فى فصل الدين عن الدولة، وحدود تحرك رجل الدين فى شؤون الوطن، هو الذى جعل البابا يتصل بشيخ الأزهر الإمام الأكبر يوم 19 يونيو 2013، وبحسب اللقاء التلفزيونى المشار إليه فإن البابا سؤل بقلق عن مستقبل مصر و مصر رايحة على فين؟ .

وتقرر أن يذهب قداسة البابا وفضيلة الإمام إلى الاتحادية لمقابلة مندوب الجماعة الإرهابية الذى صعد إلى منصب رئاسة الجمهورية فى غفلة من المصريين، وكان مؤلما لى أن أسمع قداسة البابا يقول إنه حينما قال ماذا بعد 30 يونيو 2013 فلم يتلق إجابة رجل دولة أو رجلا مسؤولا، ولكن مندوبا للجماعة لم يحترم وجود شيخ الأزهر أو السؤال القادم من بابا المسيحيين، وأجاب فى استظرافه المقزز: بعد 30 يونيو سوف يكون 1 يوليو و2 يوليو و3 يوليو !

رحل مندوب الجماعة وعرف العالم أجمع أنه جاسوس أجنبى، وبقى المصريون يدا بيد، ولكن البابا تواضروس كان ينتظره مهمة تاريخية على الكرسى الرسولى، هذا المصطلح الذى يطلق على الإدارة الباباوية التى أسسها أيا من رسل المسيح الاثنا عشر، ومن تلاميذ المسيح وصل إلى مصر مار مرقس مؤسس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وكرسى الإسكندرية الرسولى، والكرازة المرقسية، لتصبح مصر هى حاضنة ثالث كرسى رسولى فى التاريخ بعد القدس (فلسطين) وأنطاكية (سوريا).

هذا الكرسى الرسولى هو الذى قدم للعالم أجمع النظام البابوى، فأول بابا فى تاريخ المسيحية هو القديس المصرى إنيانوس البطريرك الثانى لكرسى الإسكندرية الرسولى، ونظام الرهبنة والأديرة المسيحية لم يخرج للعالم إلا من مصر وكنيستها الوطنية، إذ للكنيسة المصرية والثقافة القبطية والمسيحية المصرية فضل على كل كنائس ومسيحيين العالم عبر العصور.





ورغم هذه المسؤولية التاريخية، لم يفكر البابا تواضروس قط باعتباره رجل دين مصرى، ولكن فى كافة قراراته تجد عباءة الزعامة الوطنية حاضرة، إذ حينما حاول العدو عبر الإسلام السياسى إشعال حرب أهلية عبر حرق الكنائس المصرية واستهداف الأديرة التاريخية، يقول البابا فى الحوار المشار اليه: كانت سوريا حاضرة فى ذهنى قاصدا صناعة الاقتتال الأهلى والدينى الذى جرى فى سوريا وما نتج عنه من تحقيق هدف الغرب التاريخى من القضاء على كنائس الشرق التاريخية.

يقول البابا: كنت خائفا من تصرف أحمق من طرف لطرف آخر يجعلنا نذهب إلى سيناريو سوريا وقلت: لو حرقوا الكنائس سوف نصلى مع إخوتنا فى المساجد، ولو حرقوا المساجد سوف نصلى مع إخوتنا فى الشوارع و وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن وأخيرا لو خسرنا الوطن ماذا يتبقى بعد ذلك؟ .

وتعالوا نمتلك الجرأة للقول إنه لا يوجد رجل دين فى العالم سوف يقول إن الوطن أهم من دور العبادة إلا رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية، هذا البيان التاريخى للأمة المصرية فى صيف 2013 هو السر فى فهم لماذا استهدف الغرب طيلة تاريخه هذه الكنيسة المصرية، فالسر هو أنها المعقل الوحيد المنضبط لفكرة الدولة الوطنية والقومية بعد أن تلوثت أغلب العقول للأسف بفيروس التطرف الدينى والدولة الدينية وديباجات حسن البنا وسيد قطب وغيرهم من منظرى إرهاب الإسلام السياسى، بينما تظل الكنيسة المصرية هى صاحبة صوت العقل وضابط الإيقاع حيال القيم المدنية ودولة المواطنة، فى ظل ظهور تطرف آخر مضاد يحاول أن يدفع فكرة دولة المواطنة والقومية المصرية إلى دروب الالحاد وهجر الأديان والتطاول على الذات الإلهية.

بينما تتفهم الكنيسة المصرية جيلا بعد جيل، أن المصريين هم أقدم شعب متدين فى العالم، وأن واحدة من أهم أسرار بقاء وتماسك هذه الأمة عبر 10 آلاف سنة هو علاقتها العتيدة بالسماء، وأن تفكيك هذه العلاقة هى واحدة من بنود المؤامرة على المرجعة الروحانية للشعب المصرى، وأن الدولة المدنية وقيم المواطنة والشعور القومى لا يمكن أن يتضارب مع الانتماء الدينى وإلا نكون قد حققنا للإسلام السياسى هدفه ورؤيته بأن الدين والوطن لا يجتمعان، بينما كان تمسك المصريين المسيحيين عبر الكنيسة وعبر التاريخ بالدولة الوطنية خير شاهد على ان الوطنية والدين يجتمعان فى بوتقة الحركة الوطنية والقومية المصرية منذ فجر التاريخ.

اللورد كرومر، المندوب السامى للاحتلال البريطانى إلى مصر ما بين عامى 1882 و1906، وخلال تلك الفترة التى تصل إلى ربع قرن كان كرومر هو الحاكم الفعلى لمصر، ذكر فى كتابه مصر الحديثة الصادر عام 1907 أنه عندما دخل البريطانيون مصر توقعوا أن يجدوا من المسيحيين، باعتبارهم نظراءهم فى الدين، نوعا من التعاطف والتقارب، ولكن ذلك لم يتحقق وقال إنهم مصريين تماما مثل المسلمين، ثم كتب وصلة سباب للمصريين المسلمين والمسيحيين معا!

ولعل عدم مساندة المصريين المسيحيين للاحتلال البريطانى هو ما خلق ثأرا لدى الاستعمار الغربى حيال الكنيسة المصرية والمسيحيين المصريين، وحاولوا مرارا إما تسليط الإرهاب على الكنيسة المصرية، أو محاولة اختراقها، أو صنع كنائس موازية، أو بابا بديل، أو زرع كنائس بديلة، وكل هذا فشل فى اختراق الكتلة الصلدة للكنيسة المصرية.

حاول اللورد المشير إدموند اللنبى، الذى شغل منصب المندوب السامى البريطانى ما بين عامى 1919 و1925، التلاعب بهذا الملف عام 1922، حينما أطلق تصريح 28 فبراير الذى يعنى عمليا استقلال مصر عن بريطانيا وتبقى ملف الجلاء الذى حسم عام 1956، حيث رفضت الكنيسة أحد التحفظات التى وردت فى إعلان 28 فبراير 1922 وهو الخاص بحماية الأقليات الدينية فى مصر باعتباره حق لبريطانيا تحتفظ به للتدخل فى الشؤون المصرية عقب الاستقلال، ورفض الأعضاء المسيحيون فى لجنة وضع دستور 1923 تخصيص مقاعد لهم فى البرلمان، فانتخب ويصا واصف رئيسا لمجلس النواب فى عهد الملك فؤاد الأول مرتين بأصوات المسلمين، وكذا زعامة مكرم عبيد الوفدية سواء داخل حزب الوفد أو عبر حزب الكتلة الوفدية كانت تأتى بأصوات الناخبين المسلمين.

ولعل أفضل ما اختتم به تلك السطور، هى النصيحة التى أسداها البابا تواضروس إلينا حينما انتهينا من الحوار التلفزيونى المشار إليه: إن المحبة لا تسقط بالتقادم .

هذا الخبر منقول من : مبتدأ




كتب بواسطة emil
احصل عليه من Google Play تحميل تطبيق الحق والضلال من علي app store احصل عليه من Google Play تحميل تطبيق الحق والضلال من google play