هل «العهد القديم» يتضمن قصصًا رمزية الأنبا أنجيلوس.. يجيب
تجدد الجدل الذى يمتد عمره لأكثر من قرن من الزمان بين الباحثين فى تاريخ الأديان وأصولها، حول مدى حقيقة القصص الواردة فى العهد القديم، وهل حقيقية أم أنها قصص رمزية الهدف منها الاعتبار وتقريب كلمات الله إلى أذهان البشر؟
وألقت هذه النوعية من النقاشات بظلالها على الكنيستين المصرية والغربية على حد سواء، وسادت حالة من الاتهامات بينهما تنذر بانقسامات فكرية حادة، وبعيدا عن مجال المتخصصين اللاهوتيين، يقف الآلاف من المسيحيين فى حيرة وتشتت ذهنى من هذه الأسئلة التى لم تحسم الإجابة عنها بعد.
فيديو النائب البابوى لشئون أمريكا الشمالية يُشعل الأزمة
الجدل بدأ بمقطع مصور للأنبا أنجيلوس، الأسقف العام لكنائس شبرا الشمالية، النائب البابوى لشئون قارة أمريكا الشمالية، قال فيه إن الكتاب المقدس يتضمن قصصا رمزية، خاصة فى العهد القديم، والتى لا يمكن أن يتم تفسيرها بشكل حرفى. وبمجرد نشر هذا المقطع اشتعلت حلقات النقاش بين مئات الآلاف من المسيحيين حول العالم، وامتد الأمر إلى مناشدة المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية اتخاذ إجراءات حاسمة لإيقاف الأسقف المذكور ومنع تعاليمه باعتبارها هرطقة ، أى مخالفة للتعاليم المسيحية.
وردًا على هذا الجدل المثار حوله، دافع الأنبا أنجيلوس عن آرائه وقال لـ الدستور : لم أقل إطلاقا إن الإنجيل به أساطير، أما عن رمزية بعض القصص بالعهد القديم، فهناك أسفار رمزية بالكتاب المقدس، مثل سفر (نشيد الأنشاد) .
وأضاف النائب البابوى أن التفسير الرمزى هو من أساسيات الإيمان المسيحى، موضحًا أن هناك أسفارًا رمزية بالكامل فى الكتاب المقدس، فمثلا سفر (نشيد الأنشاد) هو سفر كامل بالكتاب المقدس، لا يمكن أن يؤخذ بالمفهوم الحرفى للكلام.
وأيضًا قصة أهولة وأهوليبة فى سفر حزقيال هى أيضًا قصة رمزية لا يمكن أن تؤخذ حرفيًا، وفق أنجيلوس، مضيفًا: التشكيك فى التفسير الرمزى يضع الإيمان المسيحى فى مواجهة أسئلة ليست لها إجابات ، متسائلًا: ماذا عن المُلك الألفى للمسيح، وماذا عن عودة إسرائيل وماذا عن سفر الرؤيا؟ .
وشدد على أن هناك فرقا بين الأسطورة كخرافة، ومعنى الأسلوب الرمزى فى الكتابة، وفسر: قصة الخلق والسقوط والجنة حقيقة واقعية تمامًا، لكن الوحى استخدم فى وصف بعضها الأسلوب الرمزى، فالحية مثلًا هى إبليس، والوحى نفسه شرح ذلك المعنى .
وأشار إلى أنه فى حال أخذنا بعدم وجود أى رمزية فى تفسير الكتاب المقدس، ندخل فى عدة إشكاليات، منها، أين دور الشيطان فى قصة السقوط؟، فمن المفترض أنه الشخصية الرئيسية فى سقوط الإنسان، إذ كانت الخليقة حرة من الفساد ومن سلطان إبليس قبل السقوط، وبعد سقوط آدم صار الشيطان رئيس هذا العالم.
وتابع الأسقف العام لكنائس شبرا الشمالية بقوله: كيف دخل الشيطان الحية واستخدمها كما يقول البعض وهى ليست تحت سلطانه لأن الإنسان لم يكن قد سقط بعد؟، وإذا كانت الحية تتكلم بشكل حرفى وتسير على أقدام لأنها صنعت حديثًا مع حواء والله، لعنها بالسحف على بطنها ولم يلعنها بالخرس، فلماذا لا تتكلم الحيات الآن؟ .
المؤسسات الدينية ترفض الفكرة: من يُلقبون بـ المستنيرين خطر
أثار كلام النائب البابوى المزيد من الجدل، بعدما رفضت الكنائس المسيحية الثلاث، الأرثوذكسية، والكاثوليكية، والإنجيلية، فكرته، وهاجمته على لسان الأنبا رافائيل، أسقف كنائس وسط القاهرة، سكرتير المجمع المقدس، الذى قال إن مروجى تلك التعاليم انتشروا بشكل كبير فى الفترة الراهنة، مشيرًا إلى أنهم يُلقبون أنفسهم بـ المستنيرين ، وأوضح سكرتير المجمع المقدس أن هؤلاء المستنيرين، كما يُطلقون على أنفسهم، يُقللون من شأن نصوص الإنجيل، مُدعين أن الوقائع الواردة بين طياته مُجرد أساطير وقصص رمزية، مضيفًا: لا تسمعوا لمن يقلل من قيمة الكتاب المقدس، ويدَّعى أنه أساطير وقصص رمزية . وبعد أن فرغ الأنبا رافائيل من هجومه، عاد وقال لـ الدستور إن الأنبا أنجيلوس تحدث معه فى مكالمة هاتفية وأكد له أن مقطع الفيديو المسجل، كان جزءًا من رد على سؤال، مضيفًا أنه لا يقصد إطلاقًا إلغاء حقيقة وجود الفردوس ولا تاريخية شخص آدم وأحداث سفر التكوين. فى نفس السياق، رفض الأنبا أنطونيوس عزيز، مطران الكاثوليك بالجيزة، فكرة ربط العهد القديم بالأساطير، وقال نؤمن بتاريخية قصص الكتاب مثل آدم وحواء وجنة عدن وإبراهيم ونوح والطوفان ويونان والحوت، والكتاب المقدس كله موحى به من الله، ومع ذلك لا نمانع من فكرة الرمزية مثل أن الله خلق حواء من ضلع آدم، هذا لا يمكن تفسيره فى إطار حرفى للمعنى بل هو تشبيه أو رمز للخليقة.
من جانبه، أكد القس رفعت فكرى، مسئول لجنة الإعلام بسنودس، أن رأى الكنيسة الإنجيلية بشكل عام هو أن قصة آدم وحواء وكل شخصيات العهد القديم حقيقية، وحدثت كما ذكرها العهد القديم بكل تفاصيلها، لكن العديد من الدراسات التى يقتنع بها الكثيرون مؤخرًا، سواء من الكنيسة الإنجيلية أو الأرثوذكسية، تأتى فى إطار رمزية القصص بما يتناسب مع المنطق ومع العلم الحديث.
وتابع بقوله أجزاء من قصص العهد القديم كانت موجودة بأسماء وتفاصيل متقاربة فى الملاحم الأسطورية السابقة للأديان، ولما جاء الوحى الكتابى قد يكون تأثر بها، وفى الكنيسة الإنجيلية نقول إن الله استعلن للبشر بأشكال مختلفة، فهناك وحى شفهى ووحى مكتوب وآخر مرئى فى شخص المسيح، وكلها تهدف لمخاطبة البشر لتقريبهم لله .
نقلا عن الدستور