دخلت الدير في السبعين وخدمت حتى عامها الأخير
رحيل الراهبة آنا ماريا بعد مسيرة رهبانية ملهمة.. سيرة امرأة اختارت طريق الخدمة والمحبة بالكنيسة
توفيت الراهبة آنا ماريا للقلب الأقدس في 9 يوليو 2026 عن عمر بلغ 106 سنوات، داخل دير راهبات الساجدات للقربان الأقدس في مدينة سيرينيو الإيطالية، لتنتهي مسيرة طويلة جمعت بين التعليم وخدمة المرضى والحياة التأملية. وكانت الراهبة الإيطالية، واسمها المدني آنا بيرفومو، قد احتفلت بعيد ميلادها الأخير في 14 مارس الماضي، وواصلت حتى أشهرها الأخيرة العبادة اليومية ورعاية الراهبات المسنات، إلى جانب تقديم رسائل روحية عبر مقاطع الفيديو، لتترك قصتها نموذجًا للثقة والصبر والتمسك بالدعوة مهما تأخر تحقيقها.
وفاة الراهبة آنا ماريا داخل دير سيرينيو
جاء رحيل الراهبة آنا ماريا داخل دير الرهبنة في سيرينيو بمنطقة بريانزا شمالي إيطاليا، حيث كانت تقيم منذ عام 2012، وظلت تتمتع بصفاء ذهني وقدرة على المشاركة في حياة الدير حتى فترة قريبة من وفاتها.
وكانت تُعد من أكبر الراهبات سنًا في العالم، كما وُصفت بأنها ربما أكبر راهبة سنًا في إيطاليا، إلا أن شهرتها لم ترتبط بعمرها فقط، بل بقصة دعوتها الرهبانية التي انتظرت عقودًا قبل أن تتحقق.
دعوة رهبانية انتظرت حتى سن السبعين
وُلدت آنا بيرفومو في بلدة روكا جريمالدا التابعة لمقاطعة ألساندريا، وشعرت منذ طفولتها برغبة قوية في تكريس حياتها لله، لكن المسؤوليات العائلية والالتزامات تجاه المحيطين بها حالت دون دخولها الدير في سن مبكرة.
وبعد حصولها على شهادة إعداد معلمات المرحلة الابتدائية عام 1937، بدأت العمل مربية للأطفال لدى إحدى العائلات في إقليم ليجوريا، ثم انتقلت إلى التدريس في المدارس الابتدائية، بينما ظل حلم الحياة التأملية حاضرًا لديها رغم مرور السنوات.
ثلاثون عامًا في خدمة كاهن مريض
اتخذت حياة آنا ماريا مسارًا جديدًا عندما طُلب منها رعاية كاهن مسن ومريض كان يعيش في ريفارولو قرب مدينة جنوى، فقبلت المهمة اعتقادًا منها بأن الله يدعوها في تلك المرحلة لخدمة شخص يحتاج إليها.
واستمرت في رعاية الكاهن لمدة ثلاثين عامًا كاملة، مؤجلة رغبتها في دخول الدير حتى وفاته، لتجد نفسها بعد انتهاء هذه المهمة وقد بلغت السبعين من عمرها، وهو ما أثار مخاوفها من رفض طلبها بسبب تقدم السن وحالتها الصحية.
بدء الحياة الرهبانية بعد التقاعد
لم يمنع العمر الراهبة آنا ماريا من تحقيق دعوتها، إذ استقبلها دير راهبات الساجدات للقربان الأقدس في ألبارو بمدينة جنوى، لتبدأ الحياة الرهبانية التي انتظرتها طويلًا بعد تقاعدها من العمل بالتدريس.
وأمضت نحو 36 عامًا في الحياة التأملية، قبل انتقالها لاحقًا إلى دير سيرينيو، حيث واصلت الصلاة والعبادة والخدمة، وأصبحت قصتها دليلًا على أن الدخول إلى الحياة الرهبانية لا يرتبط بعمر محدد بقدر ارتباطه بالاستعداد والإيمان.
رعاية الراهبات والمشاركة في العبادة اليومية
رغم تجاوزها المئة عام، استمرت الراهبة آنا ماريا في المشاركة اليومية بالعبادة الإفخارستية، بما في ذلك بعض فترات الليل، كما ساعدت في مستوصف الدير وشاركت في رعاية الراهبات المسنات والمريضات.
وكانت تربط استمرارها في الخدمة بمحبتها للمسيح، موضحة أن رعاية الآخرين بالنسبة إليها لم تكن واجبًا عابرًا، بل استجابة دائمة لدعوة محبة القريب ومساندة من يحتاج إلى المساعدة.
تأملات روحية عبر مقاطع الفيديو
اكتسبت الراهبة الإيطالية حضورًا واسعًا خارج أسوار الدير بعد مشاركتها في سلسلة من مقاطع الفيديو التي تناولت قصة حياتها وتأملاتها في الإنجيل، ووصلت من خلالها إلى آلاف المتابعين رغم التزامها بحياة العزلة الرهبانية.
وبدأت هذه التجربة بصورة أكبر بعد بلوغها عامها المئة، إذ ظهرت في تسجيلات أُنجزت داخل الدير، تحدثت خلالها عن الدعوة والإيمان وخدمة الآخرين، لتصبح وسائل التواصل جسرًا نقل رسائلها الروحية إلى أشخاص لم تتمكن من لقائهم مباشرة.
رسالتها الأخيرة عن الثقة والصبر
خلال الاحتفال بعيد ميلادها الـ106 في مارس 2026، عبّرت الراهبة آنا ماريا عن إيمانها بأن ما يريده الله للإنسان يتحقق في الوقت المناسب، حتى عندما يبدو الانتظار طويلًا أو تحيط بالطريق عقبات متكررة.
وشددت في رسالتها على ضرورة امتلاك قدر كبير من الثقة والإيمان والأمل والصبر، مستندة إلى تجربتها الشخصية التي انتظرت خلالها حتى سن السبعين قبل تحقيق رغبتها في دخول الحياة الرهبانية.
كما استعادت نصيحة كان جدها يرددها حول قدرة الوفاء والمحبة على إبقاء القلب شابًا، مؤكدة أن الانفتاح على الخير والجمال والحقيقة يمنح الإنسان شيخوخة هادئة مهما تقدم به العمر.
إرث الراهبة آنا ماريا بعد رحيلها
تركت الراهبة آنا ماريا بعد وفاتها قصة تمتد لأكثر من قرن، لكنها تحمل بصورة أساسية شهادة عن الصبر في انتظار الدعوة، والقدرة على بدء مرحلة جديدة من الحياة بعد سن السبعين.
وتلخص مسيرتها معنى الوفاء للطريق الذي آمنت به منذ طفولتها، بعدما جمعت بين خدمة أسرتها وتعليم الأطفال ورعاية المرضى والحياة الرهبانية، وظلت حتى سنواتها الأخيرة تقدم رسائل تؤكد أن المحبة والعمل من أجل الآخرين لا يتوقفان عند عمر معين.










