وزير المالية الأسبق يكشف كواليس تغيير المنظومة وارتفاع الحصيلة

يوسف بطرس غالي يروي تحذير مبارك قبل خفض الضرائب إلى 20%

بطرس غالي
بطرس غالي

روى الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك حمّله المسؤولية المباشرة قبل تطبيق مشروع إصلاح ضريبي خفّض السعر من 42% إلى 20%، محذرًا إياه من فشل التجربة، بحسب روايته في حوار إعلامي حديث. وأوضح غالي أنه وافق على تحمل المسؤولية لثقته في نجاح المشروع، مؤكدًا أن النتائج لم تعتمد على خفض النسبة وحده، بل شملت إعادة تنظيم مصلحة الضرائب وتغيير آليات تطبيق القانون وبناء الثقة مع الممولين. وتعكس رواية يوسف بطرس غالي ومبارك جانبًا من كواليس قرار اقتصادي قال إنه أدى إلى مضاعفة الحصيلة الضريبية ثلاث مرات.

كواليس حديث مبارك عن قانون الضرائب

قال يوسف بطرس غالي إنه عرض مشروع قانون الضرائب الجديد على الرئيس الأسبق، وكان أبرز ما يتضمنه الانتقال من ضريبة تصل نسبتها إلى 42% إلى سعر موحد يبلغ 20%.

وبحسب روايته، وافق مبارك على المضي في المشروع، لكنه وضع مسؤولية نجاحه كاملة على وزير المالية آنذاك، مستخدمًا تعبيرًا حادًا للتأكيد على أن استمرار التجربة مرتبط بقدرتها على تحقيق النتائج المستهدفة.

وأشار غالي إلى أنه لم يتردد في قبول المسؤولية، لأنه كان مقتنعًا بأن الإصلاح المقترح قابل للتطبيق، وأن المشكلة الأساسية لم تكن ارتفاع سعر الضريبة وحده، وإنما طريقة إدارة المنظومة وعلاقة المصلحة بالممولين.

لماذا خفضت الحكومة الضريبة إلى 20%؟

أوضح وزير المالية الأسبق أن خفض سعر الضريبة استهدف توسيع قاعدة الالتزام، وتشجيع الممولين على تقديم إقراراتهم، وتقليل المنازعات الناتجة عن ارتفاع النسب وتعقيد الإجراءات.

ويرى غالي أن فرض سعر مرتفع لا يضمن بالضرورة زيادة الحصيلة، خاصة عندما تكون منظومة التحصيل غير مؤهلة، أو عندما يتيح القانون تفسيرات متعددة تؤدي إلى خلافات طويلة أمام المحاكم.

ولذلك لم يقتصر المشروع، وفق حديثه، على تعديل النسبة، بل امتد إلى تغيير طريقة تطبيق القانون وتطوير أسلوب تعامل مصلحة الضرائب مع المواطنين والشركات.

إعادة هيكلة مصلحة الضرائب

أرجع يوسف بطرس غالي جزءًا أساسيًا من نجاح التجربة إلى إعادة تنظيم العمل داخل مصلحة الضرائب، موضحًا أن الهيكل القائم قبل الإصلاح لم يكن قادرًا على جمع الإيرادات بالكفاءة المطلوبة.

وأضاف أن بعض مواد القانون القديم كانت تسمح بأكثر من تفسير، وهو ما كان يفتح الباب أمام نزاعات تمتد لسنوات، ويضعف قدرة الدولة على تحصيل مستحقاتها في الوقت المناسب.

وشملت عملية الإصلاح، بحسب روايته، تغيير الفكر الإداري داخل المصلحة، وتوحيد أسلوب تطبيق القانون، وتقليل المساحات التي كانت تؤدي إلى اختلاف التقديرات بين الموظفين والممولين.

الثقة بين الضرائب والممولين

اعتبر وزير المالية الأسبق أن بناء الثقة كان أحد أصعب جوانب الإصلاح، لأن العلاقة بين مصلحة الضرائب والممولين كانت تقوم في جانب كبير منها على الشك المتبادل.

وطلب غالي من المصلحة، وفق حديثه، التعامل مع الممول باعتباره ملتزمًا إلى أن يثبت العكس، وفي المقابل طالب الممولين بمنح المنظومة الجديدة فرصة وإثبات صحة البيانات المقدمة.

وكان الهدف من هذه السياسة تقليل الخلافات، وتشجيع تقديم الإقرارات الطوعية، وتحويل العلاقة من مواجهة مستمرة إلى تعاون يقوم على قواعد واضحة ومعلنة.

ارتفاع الحصيلة رغم خفض النسبة

أكد يوسف بطرس غالي أن الحصيلة الضريبية ارتفعت إلى ثلاثة أضعاف بعد تنفيذ الإصلاح، رغم تقليل سعر الضريبة من 42% إلى 20%.

وأوضح أن هذه النتيجة دعمت رؤيته بأن زيادة الإيرادات لا ترتبط فقط برفع الأسعار، وإنما بكفاءة الإدارة، واتساع قاعدة الممولين، وسهولة الإجراءات، وقدرة الدولة على تطبيق القانون بصورة متوازنة.

كما ساعد السعر الموحد، بحسب حديثه، على تبسيط الحسابات وتقليل فرص النزاع، إلى جانب تشجيع قطاعات كانت بعيدة عن المنظومة على تسوية أوضاعها والالتزام بالسداد.

حملة الضرائب مصلحتك أولًا

تضمنت التجربة إطلاق حملة إعلامية لمصلحة الضرائب تحت شعار «الضرائب مصلحتك أولًا»، بهدف تغيير الصورة السائدة عن المصلحة وشرح أهمية الإيرادات الضريبية في تمويل الخدمات العامة.

وقال غالي إن الحملة حققت نجاحًا كبيرًا، وظل محتفظًا بموادها، لما مثلته من تحول في طريقة مخاطبة الممولين والتعريف بالإصلاحات الجديدة.

ولم تعتمد الحملة على مطالبة المواطنين بالسداد فقط، بل ربطت الضرائب بالخدمات التي تقدمها الدولة، في محاولة لإقناع الممول بأن التزامه المالي يرتبط بالمصلحة العامة.

يوسف بطرس غالي يتحدث عن الخروج من السلطة

وتطرق وزير المالية الأسبق خلال حديثه إلى تجربته بعد مغادرة المنصب، مؤكدًا أن أعداد المحيطين بأي مسؤول تتراجع بصورة طبيعية بمجرد خروجه من السلطة.

واستعاد نصيحة زوجته الراحلة، التي حذرته خلال وجوده في الوزارة من أن كثيرًا ممن يحيطون به بسبب المنصب لن يستمروا بعد انتهاء مسؤوليته.

وأشار إلى أنه كان يدرك هذه الحقيقة، معتبرًا أن المناصب تجذب أشخاصًا يبحثون عن النفوذ أو المصالح، بينما تكشف مرحلة ما بعد السلطة طبيعة العلاقات الحقيقية.

العودة إلى مصر بعد سنوات من الغياب

تحدث غالي أيضًا عن شعوره بعد العودة إلى مصر عقب سنوات طويلة قضاها خارج البلاد، مؤكدًا أن أكثر ما افتقده كان الناس والحياة اليومية في الشارع المصري.

وأشاد بالتغيرات التي شهدتها البنية التحتية والطرق والمدن الجديدة، موضحًا أن بعض المناطق التي غادرها في عام 2011 تغيرت بصورة كبيرة عند عودته.

كما روى أن وزير المالية أحمد كجوك كان في استقباله عند وصوله إلى مطار القاهرة، معتبرًا أن هذا الموقف مثّل مفاجأة سعيدة بعد فترة غياب امتدت لنحو 14 عامًا.

وتقدم رواية يوسف بطرس غالي عن خفض الضرائب شهادة شخصية على مرحلة اقتصادية سابقة، بينما تبقى نتائج التجربة وأثرها محل تقييم يعتمد على الأرقام الرسمية والسياسات المالية التي طبقت خلال تلك الفترة.

          
تم نسخ الرابط