قديسة الطفولة والإيمان

سيرة الشهيدة مهرائيل إحدى شهيدات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في القرن الرابع الميلادي

الشهيدة مهرائيل
الشهيدة مهرائيل

سيرة الشهيدة مهرائيل تُعد من السير المضيئة في تاريخ القديسين داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، إذ تقدم نموذجًا فريدًا لطفلة قديسة عاشت حياة التقوى منذ نعومة أظافرها، ونالت إكليل الشهادة في سن مبكرة، لتبقى سيرتها شاهدًا حيًا على قوة الإيمان والثبات في زمن الاضطهاد.

نشأة الشهيدة مهرائيل

عاشت الشهيدة مهرائيل في القرن الرابع الميلادي، وقد ورد اسمها في بعض المخطوطات باسم «مهراتي» أو «ممراتي»، وهو اسم يعني بالعربية «سلامة الله». نشأت في بلدة طموه بمحافظة الجيزة، داخل أسرة مسيحية تقية، إذ كان والدها القس يوأنس كاهنًا تقيًا مواظبًا على الصلوات والعبادة، بينما كانت والدتها إيلاريا امرأة فاضلة محبة لله.

ولم يكن للوالدين نسل، فكانا يرفعان صلواتهما بحرارة طالبين من الله أن يمنحهما ثمرة رحم. وفي هذا السياق تنبأ الأنبا بيصاري أسقف منف لهما بأن الله سيعطيهما نسلًا، وهو ما تحقق بالفعل، إذ استجاب الرب لصلاتهما ورزقهما بهذه القديسة المباركة.

رؤيا السيدة العذراء لوالدها

نشأت الشهيدة مهرائيل على حياة التقوى والعبادة الدائمة بقلب لا يعرف الفتور. وعندما بلغت الثانية عشرة من عمرها، ظهرت السيدة العذراء مريم لوالدها القس يوأنس في رؤيا، وقالت له إنها جاءت من أجل ابنته مهرائيل، لتدعوها إلى عرس ابنها في أورشليم السمائية، حيث لا جوع ولا عطش ولا تعب، بل فرح وسرور دائم.

تردد القس يوأنس أمام هذه الدعوة، معبرًا عن صعوبة تسليم ابنته لأرض بعيدة وغريبة، إلا أن السيدة العذراء طمأنته مؤكدة أنه بعد نياحة ابنته سيُرسل جسدها إليه ليقوم بدفنها في الموضع الذي يختاره.

وخلال هذه الرؤيا، دهنت السيدة العذراء الشهيدة مهرائيل بعطرٍ سماوي، فبدأت تجري على يديها آيات وعجائب، وكان كل من يعاني من مرض إذا صلت عليه بقليل من الزيت ودُهن به يبرأ في الحال، ما جعلها أداة بركة وشفاء منذ صغرها.

اضطهاد الشهيدة مهرائيل

تحقق وعد السيدة العذراء للشهيدة مهرائيل بنيل إكليل الشهادة، إذ تزامنت حياتها مع اضطهاد الإمبراطور الوثني دقلديانوس للمسيحيين، وهو الاضطهاد الذي استشهد خلاله أعداد كبيرة من المؤمنين.

وفي أحد الأيام خرجت مهرائيل إلى شاطئ النهر، فوجدت قاربًا يحمل جمعًا غفيرًا من المساقين إلى الاستشهاد، فانضمت إليهم دون أن تُخبر والديها. وعندما وصلت المركب إلى مدينة أنصنا، وقفت مهرائيل، وهي في الثانية عشرة من عمرها، في صف المتقدمين للاستشهاد.

حاول الوالي إطلاق سراحها لصغر سنها، لكنها أعلنت إيمانها المسيحي بجرأة، ورفضت عبادة الأوثان، ولعنت الآلهة الوثنية أمامه. فغضب الوالي غضبًا شديدًا، وأمر بتعذيبها، إلا أن الرب حفظها من كل أذى.

وأخيرًا أصدر الوالي أمرًا بوضعها في صندوق مليء بالثعابين والعقارب، ثم وضع الصندوق داخل مركب وألقوه في النهر. وظلت المركب تسير ثلاثة أيام كاملة، والقديسة داخل الصندوق تسبح الله وتصلي بلا خوف.

ظهور السيد المسيح لها

في اليوم الرابع، ظهر السيد المسيح للشهيدة مهرائيل وقال لها:

«سلام لكِ يا شهيدة، يا قديسة. السلام لمهرائيل النقية. هوذا قد أوصلتك إلى بيت أبيكِ القس يوأنس حسب ما وعدت به والدتي. والعطر الذي سكبته والدتي على رأسك أجعل رائحته في جسدك إلى انقضاء الأجيال. وكل من يبني كنيسة على اسمك أكتب اسمه في ملكوت السماوات. وكل من يسمي ابنته على اسمك أحفظه من كل سوء».

وكان كل من في المركب يشم رائحة عطر فائحة دون أن يرى أحدًا، بل كانوا يسمعون الصوت فقط، فاستولى عليهم خوف عظيم مما شهدوه.

نياحة الشهيدة مهرائيل

بعد ذلك بقليل، انتقلت روح الشهيدة مهرائيل إلى الرب. وهبت ريح شديدة أوقفت المركب عند شاطئ طموه، بلدها. غادر الجنود المركب وتركوا الصندوق على الشاطئ، وذهبوا لشراء الطعام من البلدة. وعند عودتهم شاهدوا نورًا عظيمًا جدًا يحيط بالمكان، فأحضروا أهل البلدة، وأخبروهم بكل ما جرى مع الشهيدة.

حضر القس يوأنس والدها مع جمع كبير من أهل المدينة، وتسلموا جسدها الطاهر، وكفنوه بكرامة، ثم نقلوه وبنوا كنيسة فوقه، وصارت تجري منه آيات وعجائب كثيرة.

تكريمها الكنسي

في عهد الإمبراطور قسطنطين، صدر أمر ببناء كنيسة باسم الشهيدة مهرائيل في طموه، وتم تكريسها في الثاني والعشرين من شهر مسرى، وأودع فيها جسدها المبارك. وبعد مرور نحو 600 عام من اندثار كنائسها، أعيد الاحتفال بذكراها مرة أخرى في عيد استشهادها يوم 14 طوبة الموافق 22 يناير.

ما وراء الخبر

تعكس سيرة الشهيدة مهرائيل إيمانًا نقيًا لا تحده السن، وتقدم شهادة حية على أن القوة الروحية لا تُقاس بالعمر، بل بصدق العلاقة مع الله والثبات في الإيمان حتى النفس الأخير.

معلومات حول سيرة الشهيدة مهرائيل

سيرة الشهيدة مهرائيل ترجع إلى القرن الرابع الميلادي.

نشأت في بلدة طموه بمحافظة الجيزة.

نالت إكليل الشهادة في سن الثانية عشرة.

ما زالت الكنيسة تحتفل بعيد استشهادها حتى اليوم.

خلاصة القول

سيرة الشهيدة مهرائيل تُجسد نموذجًا فريدًا للقداسة المبكرة.

وتؤكد أن الإيمان الحقيقي قادر على صنع المعجزات وسط الاضطهاد.

وتبقى سيرتها مصدر إلهام روحي داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

          
تم نسخ الرابط