دراسة جديدة شملت أكثر من 461 ألف شخص تقدم نتائج مختلفة
الأطعمة فائقة المعالجة ترتبط بزيادة خطر سرطان القولون 29% لدى الرجال
أظهرت دراسة علمية نُشرت في المجلة الطبية البريطانية BMJ أن الرجال الأكثر استهلاكًا للأطعمة فائقة المعالجة واجهوا خطرًا نسبيًا أعلى للإصابة بسرطان القولون والمستقيم بنسبة 29%، مقارنة بالأقل استهلاكًا. لكن دراسة أحدث نُشرت في 15 أكتوبر 2026 بدورية PLOS Medicine، وشملت أكثر من 461 ألف شخص، لم تجد ارتباطًا إحصائيًا واضحًا بين إجمالي استهلاك هذه الأغذية والإصابة بالمرض. وتسلط المقارنة بين النتائج الضوء على نقطة مهمة، وهي أن المخاطر قد تختلف باختلاف نوع الطعام ومكوناته، خاصة اللحوم المصنعة، بدلًا من التعامل مع جميع المنتجات المعبأة أو الجاهزة باعتبارها متساوية في تأثيرها الصحي.
دراسة 2026 تكشف نتائج مختلفة بشأن الأطعمة فائقة المعالجة
اعتمدت الدراسة الأحدث، المنشورة في 15 أكتوبر 2026، على بيانات 461 ألفًا و682 مشاركًا في الولايات المتحدة، تراوحت أعمارهم عند بداية الدراسة بين 50 و71 عامًا، ضمن مشروع بحثي تابع للمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة.
وخلال متابعة امتدت حتى عام 2018، سُجلت 10 آلاف و75 حالة إصابة بسرطان القولون والمستقيم، بينما شكلت الأطعمة فائقة المعالجة نحو 43% من إجمالي السعرات الحرارية اليومية لدى المشاركين في المتوسط الوسيط.
ولم يجد الباحثون ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين إجمالي استهلاك هذه الأطعمة وخطر الإصابة بالسرطان، بعد مراعاة مجموعة من العوامل الصحية والسلوكية التي قد تؤثر في النتائج.
لكن عند تحليل المكونات الغذائية بصورة منفصلة، ظهرت اختلافات مهمة؛ إذ ارتبط استهلاك اللحوم من مصادر فائقة المعالجة بارتفاع خطر الإصابة، بينما ارتبط تناول الحبوب الكاملة والألياف ومنتجات الألبان والكالسيوم من بعض المصادر الغذائية المصنعة بانخفاضه.
وخلص الباحثون إلى أن جمع المنتجات شديدة الاختلاف في فئة غذائية واحدة قد يحجب تأثيرات متباينة، وهو ما يساعد في تفسير اختلاف نتائج الدراسات السابقة.
ماذا تعني زيادة خطر سرطان القولون بنسبة 29%؟
تعود النسبة البالغة 29% إلى دراسة نُشرت في BMJ يوم 31 أغسطس 2022، وشملت 206 آلاف و248 رجلًا وامرأة من العاملين في القطاع الصحي الأمريكي.
وتابع الباحثون المشاركين لمدة تراوحت بين 24 و28 عامًا، مع تقييم أنظمتهم الغذائية كل أربع سنوات، وسجلوا خلال المتابعة 3216 حالة إصابة بسرطان القولون والمستقيم.
وأظهرت النتائج أن الرجال ضمن الفئة الأعلى استهلاكًا للأطعمة فائقة المعالجة تعرضوا لخطر نسبي أعلى بنسبة 29% مقارنة بالفئة الأقل استهلاكًا.
وكان الارتباط أكثر وضوحًا في سرطان الجزء البعيد من القولون، حيث بلغت الزيادة النسبية 72%، بينما لم يظهر ارتباط ذو دلالة إحصائية بين إجمالي استهلاك هذه الأغذية والإصابة بسرطان القولون والمستقيم لدى النساء.
ولا تعني نسبة 29% أن 29 شخصًا من كل 100 رجل يتناولون هذه المنتجات سيصابون بالسرطان، وإنما تعبر عن اختلاف نسبي بين مجموعتين تختلفان في مستوى الاستهلاك.
كما أن الدراسة كانت رصدية، ولذلك فإن نتائجها لا تثبت بمفردها أن الأطعمة فائقة المعالجة هي السبب المباشر للإصابة.
هل توجد أدلة علمية أخرى تربط هذه الأطعمة بالسرطان؟
أضافت مراجعة علمية نُشرت في دورية Nutrition Reviews خلال يناير 2026 نتائج أخرى إلى الملف، بعد تحليل بيانات دراسات أترابية شملت أكثر من مليوني مشارك.
ووجدت المراجعة ارتباطًا بين الاستهلاك المرتفع للأطعمة فائقة المعالجة وزيادة نسبية متواضعة في خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم بلغت نحو 13%.
وفي المقابل، لم تجد دراسة أكتوبر 2026 الأكبر من حيث عدد المشاركين ارتباطًا واضحًا عند التعامل مع إجمالي هذه الأغذية باعتباره فئة واحدة.
ولا يعني اختلاف النتائج أن إحدى الدراستين ألغت الأخرى؛ إذ تختلف الأبحاث في أعمار المشاركين، ومكونات الأنظمة الغذائية، وطرق قياس الاستهلاك، وفترات المتابعة، والعوامل التي تدخل في التحليل الإحصائي.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن الأدلة المتعلقة بالتأثير العام لجميع الأطعمة فائقة المعالجة لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، رغم وجود أدلة أقوى بشأن المخاطر المرتبطة بفئات غذائية محددة.
اللحوم المصنعة وسرطان القولون.. ما الذي ثبت علميًا؟
تمثل اللحوم المصنعة إحدى الفئات التي تحظى بأدلة علمية أكثر وضوحًا بشأن علاقتها بسرطان القولون والمستقيم.
وتصنف الوكالة الدولية لبحوث السرطان، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، اللحوم المصنعة ضمن العوامل المسرطنة للإنسان، استنادًا إلى أدلة كافية تربط استهلاكها بسرطان القولون والمستقيم.
وتشمل هذه الفئة منتجات مثل اللانشون والسجق والنقانق واللحوم التي خضعت لعمليات تصنيع أو حفظ، مثل التمليح والتدخين والمعالجة بمواد مخصصة للحفظ.
ووفق تقديرات منظمة الصحة العالمية، يرتبط تناول 50 جرامًا من اللحوم المصنعة يوميًا بزيادة نسبية في خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم تبلغ نحو 18%.
ويختلف هذا التقدير عن نسبة 29% الواردة في دراسة BMJ؛ لأن الأولى تتعلق بكمية محددة من اللحوم المصنعة، بينما تتعلق الثانية بالمقارنة بين مستويات استهلاك مجموعة واسعة من الأغذية فائقة المعالجة لدى الرجال.
هل جميع الأطعمة المعلبة والوجبات الجاهزة تسبب السرطان؟
لا توجد أدلة علمية تسمح بتصنيف جميع الأطعمة المعلبة باعتبارها مسببة للسرطان، فالتعليب وسيلة لحفظ الطعام، ولا يعني بالضرورة أن المنتج فائق المعالجة.
وتختلف الخضراوات المجمدة والبقوليات المعلبة والأسماك المحفوظة في الماء، على سبيل المثال، من حيث تركيبها الغذائي عن المشروبات المحلاة واللحوم المصنعة والوجبات الخفيفة الغنية بالملح والدهون.
كما أن بعض المنتجات التي تدخل ضمن تصنيف الأطعمة فائقة المعالجة قد توفر عناصر غذائية مفيدة، مثل الألياف والكالسيوم، وهو ما يفسر أهمية النظر إلى مكونات المنتج بدلًا من الاعتماد على درجة المعالجة وحدها.
ولا يعني ذلك أن جميع المنتجات المصنعة صحية، وإنما أن تقييم المخاطر يتطلب مراعاة نوع الغذاء وكميته وتكرار تناوله وجودة النظام الغذائي الكامل.
كيف يمكن تقليل خطر الإصابة بسرطان القولون؟
تؤكد توصيات الصندوق العالمي لأبحاث السرطان أهمية اتباع نظام غذائي غني بالحبوب الكاملة والخضراوات والفواكه والبقوليات، مع تقليل اللحوم المصنعة والحد من اللحوم الحمراء.
ويوصي الصندوق بالحصول على نحو 30 جرامًا من الألياف الغذائية يوميًا من مصادر الطعام المختلفة، نظرًا إلى الأدلة التي تربط تناول الألياف والحبوب الكاملة بانخفاض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
وتشمل الإجراءات الوقائية أيضًا الحفاظ على وزن صحي، وممارسة النشاط البدني بانتظام، والامتناع عن التدخين، والحد من استهلاك الكحول.
ولا تقتصر الوقاية على التغذية وحدها، إذ تؤكد المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أهمية الفحوص الدورية للكشف المبكر عن سرطان القولون والمستقيم.
وتوصي الإرشادات الأمريكية ببدء الفحص الدوري لمعظم الأشخاص متوسطي الخطورة عند عمر 45 عامًا، بينما قد يحتاج أصحاب التاريخ العائلي أو بعض الأمراض الوراثية والالتهابية إلى الفحص في سن أصغر وفق التقييم الطبي.
أما ظهور دم في البراز، أو تغير مستمر في طبيعة الإخراج، أو آلام بطن لا تزول، أو فقدان وزن غير مبرر، فيستدعي مراجعة الطبيب لتحديد السبب، دون افتراض أن الأعراض ناتجة عن السرطان أو عن تناول طعام معين.
وتوضح أحدث الأدلة أن تقليل اللحوم المصنعة وتحسين جودة النظام الغذائي والاهتمام بالفحص المبكر تمثل إجراءات تستند إلى توصيات صحية راسخة، بينما لا يزال تحديد التأثير المستقل لجميع الأطعمة فائقة المعالجة على خطر سرطان القولون موضوعًا للبحث العلمي.









