بيان مشترك يحدد أطراف خلاف السد ويكشف اتفاقًا جديدًا للتعاون المائي

مصر والسودان ترفضان إقحام دول النيل بأزمة السد وحوكمة البحر الأحمر

مصر والسودان ترفضان
مصر والسودان ترفضان إقحام دول حوض النيل

أكدت مصر والسودان رفضهما محاولات إثيوبيا إدخال بقية دول حوض النيل في الخلاف المتعلق بالسد الإثيوبي، مشددتين على أن القضية تخص الدول الثلاث المطلة على حوض النيل الشرقي، وهي مصر والسودان وإثيوبيا. وجاء الموقف في البيان المشترك الصادر الإثنين 2 نوفمبر 2026، عقب الجولة الثالثة لاجتماعات آلية التشاور بين وزراء الخارجية والري في البلدين، والتي تناولت كذلك مستقبل التعاون الإقليمي وحوكمة البحر الأحمر. ولم تقتصر نتائج الاجتماعات على المواقف السياسية، إذ شهدت توقيع مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات مائية وتنموية في السودان، بما يضيف مسارًا عمليًا للتعاون بين البلدين إلى جانب التنسيق بشأن الأمن المائي.

مصر والسودان تحددان موقفهما من السد الإثيوبي

عقدت الجولة الثالثة لاجتماعات آلية 2+2 التشاورية في القاهرة، بمشاركة الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، والدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، ومن الجانب السوداني محيي الدين سالم، وزير الخارجية والتعاون الدولي، والبروفيسور عصمت قرشي، وزير الزراعة والري.

وجدد الجانبان رفضهما الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، معتبرين أن إدارة السد الإثيوبي دون آلية قانونية ملزمة تمثل تهديدًا مستمرًا للمصالح المائية لدولتي المصب، وفق التقييم الوارد في البيان المشترك.

وطالبت القاهرة والخرطوم إثيوبيا بالالتزام بقواعد القانون الدولي المتعلقة بالأنهار المشتركة، وفي مقدمتها عدم التسبب في ضرر، والإخطار المسبق والتشاور والتوافق بشأن الإجراءات التي قد تؤثر في الدول الأخرى.

وشدد البيان على ضرورة عدم توسيع الخلاف بشأن السد ليشمل بقية دول حوض النيل، مع التأكيد في الوقت نفسه على أهمية استمرار العلاقات والتعاون مع جميع دول الحوض، بما فيها إثيوبيا.

ولا يمثل هذا الموقف إعلانًا جديدًا عن انتهاء الخلاف أو التوصل إلى اتفاق بشأن تشغيل السد؛ فقد سبق أن أكدت الدولتان رفضهما إشراك بقية دول الحوض في القضية خلال الجولة الثانية لاجتماعات الآلية في 3 سبتمبر 2025.

وتتمثل المرحلة الجديدة في تجديد هذا الموقف خلال الجولة الثالثة، بالتوازي مع بحث ترتيبات التعاون المؤسسي بحوض النيل وتوقيع مذكرة تفاهم ثنائية جديدة في مجال الموارد المائية.

مبادرة حوض النيل.. فصل الخلاف الثلاثي عن التعاون الإقليمي

ميز الإعلان المصري السوداني بين الخلاف المرتبط بالسد الإثيوبي، الذي تعتبره الدولتان قضية ثلاثية، وبين التعاون المؤسسي الأوسع الذي يجمع دول حوض النيل من خلال مبادرة حوض النيل.

وأكد الطرفان أهمية استعادة التوافق والشمولية داخل المبادرة، باعتبارها إطارًا للتعاون المائي بين دول الحوض، مع رفض عرقلة المصالح المشتركة أو اتخاذ خطوات منفردة تؤثر في فرص الوصول إلى تفاهمات جماعية.

وأبدت مصر والسودان ترحيبهما بالتقرير المقدم إلى المجلس الوزاري لمبادرة حوض النيل في ديسمبر 2025، والذي دعا إلى مواصلة المشاورات مع الدول غير المنضمة إلى الاتفاق الإطاري التعاوني، المعروف باتفاقية عنتيبي.

ويشمل المسار التشاوري بحث تطوير الاتفاق الإطاري لمعالجة تحفظات الدول غير الأطراف فيه، بمشاركة لجنة مصغرة تقودها أوغندا وتضم رواندا وجنوب السودان.

ويعني ذلك أن الدعوة المصرية السودانية إلى عدم إشراك بقية دول الحوض في نزاع السد لا تعني رفض التعاون معها في إدارة الموارد المائية أو المشروعات التنموية، وإنما تعكس التمييز بين ملف السد والترتيبات الجماعية الخاصة بمبادرة حوض النيل.

ولم يتضمن الإعلان إقرار تعديل نهائي للاتفاق الإطاري أو موافقة إثيوبيا على التعديلات المطروحة، بل أكد استمرار السعي إلى استعادة التوافق بشأن مستقبل التعاون المؤسسي.

حوكمة البحر الأحمر.. ما الذي ترفضه مصر والسودان؟

انتقل البيان المشترك إلى ملف البحر الأحمر، حيث أكد أن مسؤولية حوكمته تخص الدول المطلة عليه، وفقًا لقواعد القانون الدولي، بالتزامن مع التشديد على احترام حرية الملاحة البحرية.

ورفض الجانبان حصول أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر على نفاذ بحري يأتي على حساب سيادة الدول الساحلية أو وحدتها أو سلامة أراضيها وموانيها.

كما رفضا استغلال التطورات الإقليمية لعسكرة البحر الأحمر أو اتخاذ إجراءات أحادية تمس سيادة دول المنطقة.

ويبرز هنا تمييز مهم في مضمون الموقف المشترك، إذ يتناول مبدأ حرية الملاحة من جهة، والسيادة على الأراضي والموانئ والترتيبات المتعلقة بالوجود البحري من جهة أخرى. ولا يمثل التأكيد على مسؤولية الدول المشاطئة إعلانًا بحظر الملاحة التجارية أمام الدول غير الساحلية.

ولا يعد الموقف بشأن حوكمة البحر الأحمر جديدًا بالكامل، فقد تضمن إعلان العلمين المشترك الصادر في 4 أكتوبر 2026 عن قمة مصر والسودان وإريتريا والصومال التأكيد على مسؤولية الدول المطلة على البحر الأحمر عن حوكمته.

أما إعلان 2 نوفمبر فيجدد هذا المبدأ ضمن تفاهم مصري سوداني ثنائي، ويضيف إليه رفض النفاذ البحري الذي يأتي على حساب سيادة الدول المشاطئة، وكذلك رفض عسكرة الممر الملاحي.

توقيع مذكرة تفاهم لتنفيذ مشروعات مائية في السودان

شهدت الجولة الثالثة من اجتماعات آلية 2+2 تطورًا عمليًا تمثل في توقيع مذكرة تفاهم بين حكومتي مصر والسودان لتنفيذ مشروعات تنموية في قطاع الموارد المائية داخل السودان.

ووقع المذكرة وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، ووزير الزراعة والري السوداني عصمت قرشي، بحضور وزيري خارجية البلدين، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية.

وتشمل مجالات التعاون إعادة تأهيل منشآت مائية تضررت نتيجة الحرب في السودان، وتنفيذ مشروعات لحماية المناطق المعرضة للفيضانات، وحصاد مياه الأمطار، وإنشاء محطات لمياه الشرب تعمل بالطاقة الشمسية.

كما تتضمن المذكرة التدريب وبناء القدرات الفنية، بما يدعم جهود المؤسسات السودانية في استعادة خدمات المياه وتعزيز إمكاناتها التشغيلية خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تنقل جانبًا من التعاون المائي بين البلدين من مرحلة بحث المشروعات إلى توقيع وثيقة تفاهم بشأن تنفيذها، دون أن يعني ذلك اكتمال الأعمال على الأرض.

ولم تتضمن المعلومات المعلنة جدولًا زمنيًا تفصيليًا لإنجاز كل مشروع أو تحديد المواقع المستفيدة من جميع المشروعات، ما يجعل الإعلان عن خطوات التنفيذ الفعلية وتوقيتها المرحلة التالية المنتظرة.

الأمن المائي المصري السوداني والتنسيق خلال المرحلة المقبلة

أكد الجانبان استمرار العمل المشترك للحفاظ على حقوقهما واستخداماتهما المائية استنادًا إلى الاتفاقيات القائمة بينهما، وفي مقدمتها اتفاقية عام 1959، مع التشديد على الترابط الوثيق بين الأمن المائي المصري والسوداني.

كما تمسك الطرفان بدور الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل في تنسيق المواقف الفنية ودراسة القضايا المتعلقة بمياه النهر، بما يدعم تبني رؤى مشتركة في المحافل الإقليمية والدولية.

ويمتد التعاون إلى مساعدة السودان في صيانة منشآته المائية، حيث أشار البيان إلى المبادرة المصرية لتقييم الأضرار التي لحقت بخزان جبل أولياء، ومواصلة أعمال الصيانة بمشاركة خبراء فنيين مصريين بالتعاون مع الجهات السودانية.

وتكشف نتائج اجتماعات 2 نوفمبر عن ثلاثة مسارات مختلفة: استمرار الخلاف الدبلوماسي بشأن إدارة السد الإثيوبي، ومواصلة المشاورات لاستعادة التوافق بين دول حوض النيل، والانتقال إلى ترتيبات تعاون ثنائي موقعة تتعلق بمشروعات المياه وإعادة الإعمار في السودان.

وتبقى متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم، إلى جانب نتائج المشاورات بشأن الاتفاق الإطاري لحوض النيل، من التطورات التي ستحدد ما إذا كانت التفاهمات المعلنة ستنتقل إلى خطوات عملية إضافية خلال المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط