قصة طالب واجه العزلة بالبرمجة

مارك مراد يحول فقدان البصر إلى تطبيق ScribeMe للمكفوفين ويلتحق بالجامعة الأمريكية

مارك مراد يحول فقدان
مارك مراد يحول فقدان البصر إلى تطبيق ScribeMe

مارك مراد لم يتعامل مع فقدان البصر باعتباره نهاية لطريقه الدراسي، بل حوّل أزمة فهم الرسوم البيانية والمخططات في الثانوية العامة إلى مشروع تكنولوجي لخدمة المكفوفين. خلال ظهوره مع والده المهندس مراد صدقي في برنامج «معكم منى الشاذلي» على شاشة ON، روى مارك كيف بدأ تعلم البرمجة ذاتيًا بعدما اكتشف أن قارئات الشاشة لا تشرح محتوى الصور العلمية، بل تكتفي أحيانًا بقول كلمة «صورة». ومع الوقت تحولت الأداة التي صنعها لمساعدته في المذاكرة إلى تطبيق ScribeMe، قبل أن يصل إلى مستخدمين خارج مصر ويلتحق بالجامعة الأمريكية بعد رفضه في 5 جامعات.

بداية المشكلة داخل الفصل

بدأت فكرة تطبيق ScribeMe من أزمة دراسية واجهها مارك مراد في السنة الثالثة من المرحلة الثانوية، عندما قرر الاعتماد على نفسه في المذاكرة قدر الإمكان، حتى يخفف العبء عن والده الذي كان يعود من عمله مرهقًا.

لكن مواد مثل الفيزياء والكيمياء كشفت له فجوة كبيرة في الأدوات المتاحة للطلاب المكفوفين، لأن أجزاء من المناهج تعتمد على الرسوم البيانية والمخططات الهندسية، وهي عناصر يصعب فهمها بالطرق التقليدية دون وصف واضح ودقيق.

قارئات الشاشة لم تكن كافية

قال مارك إن برامج قراءة الشاشة التي كان يستخدمها لم تمنحه ما يحتاجه لفهم الرسومات والمخططات؛ إذ كانت تتعامل مع بعض المحتوى البصري باعتباره مجرد صورة، دون وصف تفاصيلها أو شرح العلاقات الموجودة داخلها.

هذه المشكلة وضعته أمام خيارين: إما الاستمرار في الاعتماد على الآخرين لفهم هذا النوع من المحتوى، أو البحث عن حل يسمح له بالمذاكرة بشكل أكثر استقلالية. ومن هنا بدأ يتجه إلى تعلم البرمجة بنفسه.

من العزلة إلى تعلم البرمجة

روى مارك أنه بعد فقدان البصر خسر عددًا كبيرًا من أصدقائه، وتوقف عن ممارسة هوايات كان يحبها، مثل لعب البلايستيشن، فأصبح لديه وقت طويل يقضيه داخل المنزل.

وبدلًا من ترك الفراغ يضاعف إحباطه، بدأ استغلال هذا الوقت في تعلم البرمجة إلى جانب المذاكرة. وكان يعتمد على التعلم السمعي من خلال مقاطع يوتيوب وعمليات البحث عبر جوجل، حتى ساعات متأخرة قد تمتد إلى الثالثة أو الرابعة فجرًا.

كيف بدأ تطبيق ScribeMe؟

بدأت فكرة ScribeMe كمشروع شخصي على جهاز الكمبيوتر، هدفه مساعدة مارك في فهم المحتوى الدراسي الذي لا تستطيع قارئات الشاشة التقليدية وصفه بشكل كافٍ.

ومع الوقت، لم تعد الفكرة مقتصرة على استخدامه الشخصي؛ إذ بدأ طلاب مكفوفون من خارج مصر في طلب الاستفادة من الأداة، ما دفع فريق العمل لاحقًا إلى تطوير نسخة للهواتف المحمولة، وإضافة خاصية تساعد المستخدم على وصف العالم المحيط به.

مارك مراد

دور الأسرة في تجاوز الصدمة

تحدث المهندس مراد صدقي، والد مارك، عن المرحلة الصعبة التي عاشتها الأسرة بعد فقدان نجله البصر، موضحًا أن العائلة قررت عدم الاستسلام للإحباط، وأن أفرادها اتفقوا على مواصلة أحلامهم رغم الظروف.

وأشار إلى أن زوجته واصلت دراسة تصميم الأزياء، بينما رفض مارك تأجيل عامه الدراسي حتى لا يبتعد عن زملائه أو يغير بيئته التعليمية، وهو قرار عكس تمسكه المبكر بالاستمرار وعدم الانسحاب من المسار الدراسي.

قدرات برمجية فاجأت والده

كشف والد مارك أنه أدرك قدرات نجله في البرمجة عندما وجده يتعامل وحده مع أكواد طويلة يتراوح حجمها بين 500 و600 سطر، إلى جانب قدرته على اكتشاف الأخطاء البرمجية وإصلاحها دون مساعدة مباشرة.

هذه اللحظة غيّرت نظرة الأسرة إلى ما يمكن أن يحققه مارك، ليس فقط كطالب يحاول تجاوز فقدان البصر، بل كشخص يمتلك قدرة حقيقية على التعلم الذاتي وتحويل المشكلة إلى حل قابل للتطوير.

حلقة غيرت نظرته للحياة

تحدث مارك أيضًا عن تأثير حلقة سابقة للدكتور مينا ميشيل في برنامج «معكم منى الشاذلي»، مؤكدًا أنها جاءت في وقت كان يمر فيه بحالة نفسية صعبة بعد فقدان البصر.

وقال إن رؤيته لشخص كفيف ناجح يستخدم العصا البيضاء ويواصل حياته بصورة طبيعية منحته أملًا كبيرًا، خاصة أنه لم يكن يعرف حينها طريقة استخدام العصا البيضاء أو طبيعة الاعتماد عليها في الحركة اليومية.

إصراره على القسم العلمي

واجه مارك نصائح من مراكز التأهيل باختيار القسم الأدبي في الثانوية العامة، بسبب ضيق الوقت وصعوبة التحديات بعد فقدان البصر، لكنه تمسك بدراسة المواد العلمية.

وبحسب رواية والده، تظاهر مارك في البداية بالموافقة على الاتجاه للقسم الأدبي حتى لا يضغط على أسرته، لكنه فاجأهم في اليوم التالي بتسجيله في القسم العلمي، مؤكدًا رغبته في مواصلة الطريق الذي اختاره لنفسه.

رفض جامعي قبل القبول في الجامعة الأمريكية

لم تكن مرحلة ما بعد الثانوية سهلة، إذ أوضح المهندس مراد صدقي أن مارك واجه رفضًا من 5 جامعات متتالية، لأسباب مرتبطة بالكشف الطبي أو عدم توافر التجهيزات اللازمة لاستقبال طالب كفيف.

وتعمد الأب إخفاء هذه الأخبار عن نجله حتى لا تتأثر حالته النفسية، قبل أن يأتي القبول في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل بداية الدراسة بيومين فقط، في خبر أنهى فترة طويلة من القلق والانتظار.

مواقف صعبة في المدرسة والمواصلات

استعاد والد مارك مواقف قاسية واجهتها الأسرة داخل المدرسة وخارجها، بينها عدم معرفة بعض المدرسين بالطريقة المناسبة للتعامل مع طالب كفيف، إضافة إلى موقف محرج من ولي أمر اعتبر أن وجود مارك في الفصل قد يعطل ابنه.

كما روى واقعة رفض إحدى حافلات النقل المدرسي نقل مارك وشقيقته كارين معًا، بسبب مخاوف من تحمل المسؤولية في حال تعطل الحافلة على الطريق الدائري، وهو ما تعامل معه الأب بهدوء حتى لا يزيد الضغوط النفسية على نجله.

التكنولوجيا كطريق للاستقلال

قصة مارك مراد تكشف أن تطبيق ScribeMe لم يولد من فكرة تجارية مجردة، بل من احتياج واقعي لطالب كفيف أراد فهم المواد العلمية دون انتظار شرح دائم من الآخرين.

القيمة الأهم في التجربة أنها تنقل التكنولوجيا من كونها أداة مساعدة محدودة إلى وسيلة تمنح المكفوفين قدرًا أكبر من الاستقلال في الدراسة والحياة اليومية، خاصة عندما يكون الحل نابعًا من شخص عاش المشكلة بنفسه وفهم تفاصيلها الدقيقة.

          
تم نسخ الرابط