القانون يفرق بين التوثيق والاعتداء على الحياة الخاصة
تصوير الأشخاص دون إذن ونشر المقاطع على السوشيال ميديا.. تحذيرات من انتهاك الخصوصية وعقوبات قانونية
أعاد انتشار تصوير الوقائع اليومية بالهواتف المحمولة ونشرها على منصات التواصل الاجتماعي ملف تصوير الأشخاص دون إذن إلى دائرة النقاش، بالتزامن مع تحذيرات حقوقية وبرلمانية من تحويل الهاتف إلى وسيلة للتشهير أو الابتزاز والسعي وراء المشاهدات. ولا يضع القانون جميع حالات التصوير في حكم واحد؛ إذ ترتبط المسؤولية بمكان التصوير وطبيعة الواقعة ومدى مساس المحتوى بالحياة الخاصة وطريقة نشره واستخدامه. وينص قانون العقوبات على حماية الأشخاص من التصوير في الأماكن الخاصة بغير رضاهم، بينما يجرم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات نشر معلومات أو أخبار أو صور عبر الإنترنت تنتهك خصوصية شخص دون رضاه، حتى إذا كانت المعلومات المنشورة صحيحة.
تصوير الأشخاص دون إذن لا يخضع لحكم واحد
تكتسب المسألة أهمية مع تحول تصوير المشاجرات والحوادث والوقائع العامة إلى ممارسة متكررة، إذ ساهمت بعض التسجيلات في توثيق جرائم أو مخالفات ولفت انتباه الجهات المختصة، لكن ذلك لا يمنح حقًا مطلقًا في تصوير الأفراد أو نشر صورهم ومقاطعهم دون النظر إلى طبيعة الواقعة وحقوق أصحابها.
وتظهر الحدود القانونية بصورة أوضح عند الانتقال إلى الحياة الخاصة. فالمادة 309 مكرر من قانون العقوبات تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة من يعتدي على حرمة الحياة الخاصة، في غير الأحوال المصرح بها قانونًا أو بغير رضا المجني عليه، من خلال تسجيل أو نقل محادثات جرت في مكان خاص أو عبر الهاتف، أو التقاط أو نقل صورة شخص في مكان خاص.
كما تقرر المادة مصادرة الأجهزة المستخدمة في الجريمة ومحو التسجيلات الناتجة عنها أو إعدامها في الحالات التي ينطبق عليها النص القانوني.
ويعني ذلك أن مجرد وجود كاميرا في الهاتف لا يجعل التصوير مباحًا في كل الظروف، كما أن تصوير واقعة في مكان عام يختلف قانونيًا عن التقاط صورة لشخص داخل مكان خاص، ولا يمكن تعميم عقوبة واحدة على جميع صور التصوير دون بحث ظروف كل واقعة.
نشر الصور على السوشيال ميديا قد ينشئ مسؤولية مستقلة
لا تتوقف المسألة عند لحظة التقاط الصورة أو تسجيل الفيديو، لأن نقل المحتوى إلى مواقع التواصل الاجتماعي قد يفتح نطاقًا قانونيًا آخر يتعلق بالخصوصية الرقمية.
وتنص المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 على معاقبة من ينتهك حرمة الحياة الخاصة أو ينشر، عبر الشبكة المعلوماتية أو إحدى وسائل تقنية المعلومات، معلومات أو أخبارًا أو صورًا وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه.
وتتراوح العقوبة الواردة في المادة بين الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين.
ويحمل النص نقطة مهمة تتعلق بالمحتوى المنشور، إذ تشمل الحماية المعلومات أو الأخبار أو الصور المنتهكة للخصوصية سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة، وبالتالي فإن صحة الصورة أو الواقعة المنشورة لا تعني بمفردها انتفاء المسؤولية إذا تحقق الاعتداء على الحياة الخاصة وفق ظروف الحالة.
كما يعاقب قانون العقوبات على إذاعة أو تسهيل إذاعة أو استعمال تسجيل أو مستند تم الحصول عليه بإحدى الطرق التي يحظرها القانون أو كان ذلك بغير رضا صاحب الشأن، مع تشديد العقوبة إذا استُخدم ما تم الحصول عليه في التهديد لحمل شخص على القيام بعمل أو الامتناع عنه.
تحذيرات من تحويل التوثيق إلى تشهير وابتزاز
تزامن الجدل القانوني مع تحذيرات من الاستخدام العشوائي لكاميرات الهواتف، إذ اعتبر عصام شيحة، رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، أن هناك خلطًا بين توثيق الجرائم وبين الاعتداء على خصوصية المواطنين.
وأشار إلى أن منصات التواصل ساعدت في حالات سابقة على كشف وقائع وسرعة الوصول إلى مرتكبيها، إلا أن السعي وراء الانتشار و«التريند» قد يحول التصوير إلى وسيلة للرقابة على الآخرين أو الانتقام والابتزاز.
وشدد على أن المتضرر من انتهاك خصوصيته يملك اللجوء إلى الجهات القانونية المختصة، بدلًا من الدخول في مواجهات أو مشاجرات مباشرة بسبب التصوير.
ومن جانبه، أكد النائب فريدي البياضي أن حرمة الحياة الخاصة تحظى بحماية دستورية وقانونية، وأن نشر تفاصيل الحياة الخاصة للأشخاص على منصات التواصل دون موافقتهم قد يفتح الباب أمام المساءلة القانونية، مع إمكانية تحرير محضر من جانب المتضرر.
مطالب بضوابط أكثر وضوحًا للتصوير والنشر
ودعا النائب باسل عادل، عضو مجلس الشيوخ ورئيس حزب الوعي، إلى وضع ضوابط تشريعية واضحة للتعامل مع التصوير والنشر، محذرًا من أن انتشار الهواتف المزودة بالكاميرات لا يمنح أصحابها حقًا مطلقًا في تصوير الآخرين أو التدخل في تفاصيل حياتهم.
وطالب بتشديد التعامل القانوني مع الحالات التي يرتبط فيها التصوير بنشر المحتوى والتشهير بالأشخاص أو الإضرار بسمعتهم وحياتهم الخاصة.
وتأتي هذه الدعوة بعد أيام من موقف آخر لباسل عادل انتقد فيه منع التصوير داخل أحد فروع التأمينات الاجتماعية، وطالب بمعالجة شكاوى المواطنين ومنع التجاوزات بدلًا من الاكتفاء بمنع التصوير، وهو ما يعكس اختلاف الموقف بحسب طبيعة المكان والغرض من التصوير والحقوق محل الحماية.
ويبقى الفاصل الأساسي في التعامل القانوني مع هذه الوقائع مرتبطًا بظروف كل حالة، فلا يمكن مساواة توثيق واقعة عامة تلقائيًا بانتهاك الحياة الخاصة، كما لا يحول وصف المحتوى بأنه «توثيق» دون قيام المسؤولية إذا توافرت عناصر جريمة يعاقب عليها القانون.









