سيرة روحية عميقة لأحد قديسي البرية

الكنيسة تحتفل اليوم بتذكار نياحة القديس آفا نوفير السائح في 16 بؤونة

الكنيسة تحتفل اليوم
الكنيسة تحتفل اليوم بتذكار نياحة القديس آفا نوفير السائح

تحتفل الكنيسة اليوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، الموافق 16 بؤونة بحسب التقويم القبطي، بتذكار نياحة القديس آفا نوفير السائح، أحد قديسي البرية الذين ارتبطت سيرتهم بحياة الوحدة والصلاة والنسك، بعدما عاش سنوات طويلة في أعماق الصحراء بعيدًا عن العالم.

وتحمل سيرة القديس آفا نوفير السائح مكانة خاصة في التراث الكنسي، إذ وصلت إلى المؤمنين من خلال شهادة القديس بفنوتيوس المتوحد، الذي خرج إلى البرية مدفوعًا بشوق روحي لمعرفة حياة السواح، فرأى عددًا من رجال الله ودوّن سيرهم لتبقى شاهدًا على حياة التجرد الكامل ومحبة المسيح.

من هو القديس آفا نوفير السائح؟

يُعرف القديس آفا نوفير السائح بأنه من كبار آباء البرية الذين تركوا الحياة الجماعية داخل الدير، وانطلقوا إلى عمق الصحراء طلبًا لحياة أكثر عزلة واتحادًا بالله.

وبحسب سيرته الكنسية، بدأ القديس حياته الرهبانية في أحد أديرة صعيد مصر، حيث عاش بين جماعة من الرهبان في حياة شركة روحية قائمة على الصلاة والصوم والخدمة والمحبة، قبل أن يشتاق إلى طريق السياحة والانفراد الكامل في البرية.

بداية شوقه إلى حياة البرية

نشأ داخل القديس آفا نوفير السائح اشتياق شديد لحياة السواح بعدما سمع من شيوخ الدير عن آباء عاشوا في البراري الداخلية، مقدمين حياتهم كلها للصلاة والنسك بعيدًا عن عزاء الناس ومعونة العالم.

وعندما سأل أحد الشيوخ عن منزلة هؤلاء السواح، أدرك أن طريقهم يقوم على احتمال الوحدة والتجرد، إذ لا يجد السائح من يواسيه عند الضيق أو يفتقده عند المرض أو يكسوه عند الاحتياج، بل يعتمد على عناية الله وحدها.

خروج القديس آفا نوفير إلى الصحراء

بعد أن امتلأ قلبه بالشوق إلى هذه الحياة، غادر القديس آفا نوفير السائح الدير ليلًا حاملًا قليلًا من الخبز، طالبًا من المسيح أن يرشده إلى الموضع الذي يقيم فيه.

وتذكر السيرة أن ملاكًا ظهر له في الطريق وطمأنه، مؤكدًا له أن الرب اختار له موضعًا في البرية، ثم قاده إلى أحد القديسين الذي علّمه طريق السياحة وحياة الانفراد، قبل أن ينتقل إلى المكان الذي عاش فيه سنوات طويلة.

حياة القديس في البرية

أقام القديس آفا نوفير السائح في موضع منعزل داخل البرية، حيث وجد نخلة وعين ماء، فكانت النخلة تطرح ثمرًا يكفيه، وكانت العين تمنحه ما يحتاج إليه من ماء، ليعيش حياة بسيطة خالية من أي مظاهر مادية.

وظل في هذا الموضع نحو ستين عامًا، بحسب ما تذكره سيرته، لم يرَ خلالها وجه إنسان حتى جاء إليه القديس بفنوتيوس المتوحد، الذي أرسله الله ليشهد اللحظات الأخيرة من حياته ويدفن جسده بعد نياحته.

لقاء القديس بفنوتيوس به

وصل القديس بفنوتيوس إلى البرية بعد رحلة طويلة وشاقة، عانى خلالها من الجوع والعطش والتعب، لكن العناية الإلهية شددته حتى بلغ موضع القديس آفا نوفير السائح.

وعندما رأى بفنوتيوس القديس من بعيد خاف من هيئته، إذ كان جسده مستورًا بشعره الطويل ولحيته، غير أن آفا نوفير طمأنه بعلامة الصليب والصلاة، ثم دعاه باسمه، فهدأ قلبه وجلس معه يستمع إلى سيرته الروحية.

حديث القديس عن الدير والنسك

روى القديس آفا نوفير السائح للقديس بفنوتيوس كيف بدأ طريقه في الدير، وكيف كان الرهبان يعيشون بروح واحدة، يجتمعون للصلاة والقداس ويتلقون إرشادات الشيوخ في حياة النسك ومقاومة الحروب الروحية.

وأوضح له أن سماعه عن حياة السواح أشعل في قلبه رغبة عميقة في ترك كل شيء، والذهاب إلى البرية الداخلية، لا هروبًا من الرهبنة، بل طلبًا لطريق أكثر تجردًا وهدوءًا مع الله.

نياحة القديس آفا نوفير السائح

في اليوم التالي للقاء، أعلن ملاك الرب للقديس آفا نوفير قرب انتقاله، فاستعد القديس بفرح روحي، معتبرًا يوم نياحته يوم عرس سماوي وانتقال إلى كنيسة الأبكار مع الملائكة والقديسين.

وطلب القديس من بفنوتيوس ألا يبقى في موضعه بعد نياحته، موضحًا له أن رسالته ليست حياة العزلة الكاملة هناك، بل العودة ليخبر العالم بسير القديسين السواح، حتى تنتفع الأجيال من شهادتهم وجهادهم.

دفن الجسد وعودة بفنوتيوس

بعد أن ودع القديس آفا نوفير السائح القديس بفنوتيوس، أسلم روحه بسلام، فقام بفنوتيوس بدفن جسده في المغارة التي عاش فيها، ثم حدث ما رآه علامة إلهية على انتهاء رسالة المكان، إذ جفت العين وسقطت النخلة.

وكان ذلك، بحسب التقليد الكنسي، إشارة إلى أن بفنوتيوس يجب أن يعود ليكتب ما رآه، ويعلن خبر السواح القديسين الذين عاين حياتهم، حتى يبقى تذكارهم حيًا في الكنيسة.

رسالة سيرة القديس آفا نوفير السائح

تقدم سيرة القديس آفا نوفير السائح نموذجًا روحيًا عن التجرد الكامل، وحياة الصلاة الدائمة، والثقة في عناية الله، إذ لم تكن البرية بالنسبة له مكانًا للهروب، بل طريقًا للاتحاد العميق بالمسيح.

وتذكّر الكنيسة المؤمنين في هذا اليوم بأن القداسة لا تقاس بالمظاهر الخارجية، بل بمحبة الله والجهاد الروحي والثبات في الإيمان، وأن حياة القديسين تكشف قدرة النعمة على تحويل الوحدة والفقر والنسك إلى طريق سلام وفرح داخلي.

تذكار 16 بؤونة في الكنيسة

يأتي تذكار نياحة القديس آفا نوفير السائح في 16 بؤونة من كل عام، حيث تستعيد الكنيسة سيرته ضمن سير آباء البرية الذين تركوا أثرًا عميقًا في الحياة الرهبانية والروحانية القبطية.

وتظل سيرته حاضرة في الوجدان الكنسي باعتبارها دعوة للتأمل في معنى الزهد، وقيمة الصلاة، وقوة الحياة المخفية مع الله، بعيدًا عن ضجيج العالم وانشغالاته.

          
تم نسخ الرابط