العظة تربط سلام القلب بالثقة الكاملة في التدبير الإلهي

البابا تواضروس: الاتكال على الله يحول الصعوبات إلى فرص للنمو والبركة

قانون الاتكال على
قانون الاتكال على الله محور عظة البابا تواضروس الأسبوعية

قدّم البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، خلال عظته الأسبوعية مساء الأربعاء من الكاتدرائية المرقسية بالإسكندرية، شرحًا عمليًا لمعنى قانون الاتكال على الله، مؤكدًا أن سلام القلب يبدأ بتسليم الحياة لله والثقة في تدبيره، لا بالاعتماد الكامل على الفهم البشري. وأوضح قداسته أن حضور الله في تفاصيل النجاح والضيق يمنح الإنسان القدرة على عبور الصعوبات وتحويلها إلى فرص للنمو والبركة، مستشهدًا بقول القديس يوحنا ذهبي الفم: «القلب الذي استراح في الله لا تهزه عواصف»، بما يحمل رسالة طمأنينة لكل من يواجه ظروفًا غير مستقرة.

قانون الاتكال على الله في الحياة اليومية

جاءت العظة ضمن سلسلة «قوانين روحية للحياة»، التي يتناول خلالها البابا تواضروس مجموعة من المبادئ الروحية المرتبطة بسلوك الإنسان وعلاقته بالله والآخرين.

وركز قداسته على أن الاتكال لا يعني انتظار الحلول دون عمل، وإنما أن يؤدي الإنسان مسؤوليته كاملة، مع ترك النتيجة لتدبير الله والثقة في أن الطريق قد يحمل خيرًا لا يظهر منذ البداية.

ويختلف هذا المعنى عن الاتكال السلبي الذي يتوقف فيه الإنسان عن المحاولة، لأن الإيمان الحقيقي يدفع إلى العمل والاجتهاد، دون أن يتحول القلق من النتائج إلى عبء يسيطر على القلب.

تسليم القلب قبل البحث عن الحلول

أوضح البابا تواضروس أن بداية الاتكال الحقيقي تكون من داخل القلب، عندما يتوقف الإنسان عن محاولة التحكم في كل شيء، ويقبل أن معرفته محدودة وأن تدبير الله أوسع من رؤيته الشخصية.

وقد يواجه الإنسان موقفًا لا يفهم أسبابه، أو يتأخر تحقيق أمر كان ينتظره، أو تتغير خططه بصورة مفاجئة، وهنا يظهر مدى ثقته في أن الله يقوده حتى عندما لا تكون تفاصيل الطريق واضحة.

ولا يعني تسليم القلب تجاهل المشكلات، بل التعامل معها بهدوء وصلاة وحكمة، بدلًا من الاستسلام للخوف أو اتخاذ قرارات متسرعة تحت ضغط القلق.

عدم الاعتماد على الفهم الشخصي وحده

تناولت العظة خطورة أن يجعل الإنسان فهمه الخاص المرجع الوحيد لكل ما يمر به، لأن الرؤية البشرية قد تتأثر بالمشاعر أو الظروف أو المعلومات الناقصة.

وقد يرى الشخص أن حدثًا معينًا يمثل خسارة نهائية، بينما يكشف الوقت أنه كان سببًا في بداية مختلفة أو حماية من ضرر لم يكن ظاهرًا.

ومن هذا المنطلق، دعا البابا تواضروس إلى جعل الله حاضرًا في القرارات والتفاصيل اليومية، سواء في أوقات النجاح أو أثناء المرور بالأزمات والتجارب.

الله حاضر في النجاح والضيق

لا يرتبط الاتكال على الله بأوقات الشدة فقط، بل يحتاج إليه الإنسان أيضًا عندما تسير أموره بصورة جيدة.

ففي أوقات النجاح، يحمي الاتكال القلب من الكبرياء والشعور بأن الإنجاز تحقق بالقوة الشخصية وحدها، بينما يمنح الإنسان في وقت الضيق قدرة على الصبر وعدم فقدان الرجاء.

ويحتاج الشخص في الحالتين إلى إدراك أن النجاح مسؤولية تتطلب الشكر والحكمة، وأن الضيق مرحلة يمكن تجاوزها دون أن يفقد الإنسان سلامه أو ثقته في تدبير الله.

تحويل الصعوبات إلى فرص للنمو

ركز البابا تواضروس على أن الصعوبات لا تكون دائمًا نهاية الطريق، بل قد تتحول إلى فرصة يتعلم خلالها الإنسان الصبر والقوة والتمييز.

وقد تكشف التجربة جوانب تحتاج إلى إصلاح، أو تساعد الشخص على إعادة ترتيب أولوياته، أو تدفعه إلى الاقتراب من الله بصورة أعمق.

ولا يعني ذلك إنكار الألم أو التقليل من حجم المشكلة، وإنما النظر إليها باعتبارها جزءًا من رحلة يمكن أن تخرج منها بركة ونضج روحي إذا عاشها الإنسان بالإيمان والثقة.

القلب الذي يستريح في الله

استشهد البابا تواضروس بقول القديس يوحنا ذهبي الفم: «القلب الذي استراح في الله لا تهزه عواصف»، لتوضيح أثر الاتكال في حياة الإنسان.

فالراحة المقصودة لا تعني اختفاء المشكلات أو توقف الضغوط، بل ثبات القلب رغم وجودها، وعدم السماح للخوف بأن يتحكم في القرارات أو يسرق السلام الداخلي.

وقد تمر العواصف نفسها على أشخاص كثيرين، لكن طريقة استقبالها تختلف بحسب ما يحمله كل شخص في داخله من إيمان ورجاء وثقة.

التدبير الإلهي وتقويم الطريق

أوضح قداسته أن الله يقود الإنسان ويقوّم سبله عندما يضع حياته أمامه بصدق، وهو ما يمنح الشخص فرصة لمراجعة اتجاهاته وتصحيح اختياراته.

وقد يأتي تقويم الطريق من خلال نصيحة، أو موقف، أو باب يُغلق، أو فرصة جديدة تظهر في توقيت لم يكن متوقعًا.

وتحتاج هذه القيادة إلى قلب منتبه لا يفسر كل تغيير باعتباره خسارة، بل يبحث عن الرسالة والمسؤولية والخطوة الصحيحة التي يجب اتخاذها.

الاتكال لا يلغي المسؤولية

يحمل قانون الاتكال على الله توازنًا واضحًا بين الثقة والعمل، فلا يترك الإنسان واجباته بحجة انتظار التدخل الإلهي، ولا يعتمد على مجهوده وحده كأنه يتحكم في جميع النتائج.

ويقوم الشخص بدوره في الدراسة أو العمل أو العلاج أو الأسرة، ويستعين بالخبرة والمشورة، ثم يسلم ما لا يستطيع التحكم فيه لله.

وبهذا يصبح الاتكال قوة تدفع إلى التحرك الهادئ، وليس مبررًا للتوقف أو الهروب من المسؤوليات.

تكريم أوائل الشهادة الإعدادية

اختتم الاجتماع بتكريم عدد من أوائل الشهادة الإعدادية في الإسكندرية، تقديرًا لتفوقهم الدراسي والجهد الذي بذلوه خلال العام.

ويحمل التكريم رسالة تشجيع للطلاب على الاستمرار في الاجتهاد، مع الاهتمام ببناء الشخصية والقيم إلى جانب النجاح الأكاديمي.

كما يعكس اهتمام الكنيسة بدعم المتفوقين وتحفيزهم على مواصلة مسيرتهم التعليمية، والاستفادة من قدراتهم في خدمة المجتمع.

طالب يقدم تطبيق Agios Bible

شهد اللقاء أيضًا تقديم أحد طلاب المرحلة الإعدادية تطبيق «Agios Bible»، الذي يستهدف تشجيع الشباب على الارتباط بالكتاب المقدس والاستفادة من الوسائل الرقمية الحديثة.

ويعكس تقديم المشروع مساحة الاهتمام بمواهب الطلاب وقدرتهم على توظيف التكنولوجيا في محتوى روحي يخاطب الأجيال الجديدة بلغتهم وأدواتهم اليومية.

كما يربط التطبيق بين الابتكار والهدف الروحي، ويشجع الشباب على الانتقال من الاستخدام التقليدي للتكنولوجيا إلى صناعة محتوى يحمل قيمة وفائدة.

رسالة العظة لكل إنسان

تتجاوز رسالة قانون الاتكال على الله الظروف الروحية المباشرة، لتمتد إلى كل موقف يشعر فيه الإنسان بالحيرة أو الخوف من المستقبل.

فالثقة لا تمنع التفكير والتخطيط، لكنها تمنع القلق من التحول إلى حالة دائمة، وتساعد الشخص على قبول أن بعض الإجابات تحتاج إلى وقت.

وتبقى خلاصة العظة أن الإنسان يستطيع أن يعمل ويجتهد ويواجه، بينما يحتفظ قلبه بالسلام، عندما يثق بأن الله حاضر في الطريق وقادر على تحويل الصعوبات إلى فرص للنمو والبركة.

          
تم نسخ الرابط