زيارة روحية تستعيد سيرة الشهداء وروابط الكنيسة عبر الأجيال
البابا تواضروس يستقبل عائلات شهداء الإيمان بليبيا في لقاء أبوي بالكاتدرائية المرقسية
التقى قداسة البابا تواضروس الثاني، اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026، عائلات شهداء ليبيا داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، خلال زيارة شارك فيها نيافة الأنبا بفنوتيوس مطران سمالوط وعدد من الآباء الكهنة. وشهد اللقاء حوارًا أبويًا حول ذكريات الشهداء ومعاني الإيمان والرجاء، إلى جانب تأمل روحي في كلمات المزمور السابع والعشرين. وتضمن برنامج الزيارة جولة داخل الكاتدرائية وزيارة مزاري القديس مارمرقس الرسول والبابا القديس أثناسيوس الرسولي، قبل اختتام اليوم بالصور التذكارية ومائدة المحبة وزيارة الكنيسة البطرسية.
لقاء البابا تواضروس مع عائلات شهداء ليبيا
جاء لقاء البابا تواضروس الثاني مع عائلات شهداء الإيمان الواحد والعشرين في إطار زيارة روحية إلى المقر البابوي والكاتدرائية المرقسية، حملت طابعًا عائليًا يعكس استمرار ارتباط الكنيسة بأسر الشهداء.
واستمع قداسة البابا إلى أفراد العائلات خلال اللقاء، وشاركهم أحاديثهم وذكرياتهم عن أبنائهم، في أجواء اتسمت بالمحبة والبساطة وقرب الأب من أبنائه.
وعكست الزيارة اهتمام الكنيسة باستمرار التواصل مع عائلات الشهداء، وعدم اقتصار إحياء ذكراهم على المناسبات السنوية، باعتبار سيرتهم جزءًا من الذاكرة الروحية والوطنية للكنيسة المصرية.
تأمل روحي في المزمور السابع والعشرين
تناول البابا تواضروس الثاني خلال حديثه كلمات المزمور السابع والعشرين: «الرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ»، موضحًا أن وجود الإنسان في حضرة الله يمنحه الأمان والسلام، مهما اختلفت الظروف المحيطة به.
وأشار إلى أن الشوق الحقيقي الذي يحمله قلب المؤمن يتمثل في السكن في بيت الرب والتمتع بجماله، حيث يجد الإنسان شبعه الروحي وطمأنينته الحقيقية في المسيح.
وحملت كلمات قداسة البابا رسالة تعزية ورجاء إلى عائلات الشهداء، أكدت أن حياة الإنسان لا تتوقف عند الألم أو الفقد، وأن الإيمان يمنح الأسرة قوة للاستمرار والاحتفاظ بالرجاء.
رابط تاريخي وروحي بين مصر وليبيا
توقف البابا تواضروس أمام الرابط التاريخي الذي يجمع مصر وليبيا في حياة الكنيسة، مشيرًا إلى أن القديس مارمرقس الرسول جاء من ليبيا إلى مصر ليبشر بالمسيحية ويؤسس الكنيسة القبطية.
وبعد قرون طويلة، اتجه أبناء من مصر إلى ليبيا للعمل، وهناك قدموا حياتهم شهادة لإيمانهم، في مشهد أعاد التأكيد على امتداد العلاقة الروحية بين البلدين عبر أجيال متعاقبة.
ويمنح هذا الربط زيارة عائلات شهداء ليبيا إلى مزار القديس مارمرقس دلالة خاصة، إذ يجمع المكان بين بداية الكرازة المسيحية في مصر وسيرة العمال الذين استشهدوا على الأراضي الليبية عام 2015.
جولة داخل الكاتدرائية المرقسية
بدأ برنامج الزيارة بجولة داخل الكاتدرائية المرقسية بالعباسية، استمعت خلالها العائلات إلى شرح عن تاريخ الكاتدرائية ومكانتها الروحية والكنسية.
وتضمنت الجولة فترة من الترانيم، أتاحت للعائلات مشاركة أجواء الصلاة والتأمل داخل أحد أبرز المعالم الدينية التابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
كما زارت العائلات مزار القديس مارمرقس الرسول، كاروز الديار المصرية، وتعرفت على القيمة التاريخية والروحية للمزار في حياة الأقباط.
وشملت الزيارة أيضًا مزار البابا القديس أثناسيوس الرسولي، أحد أبرز آباء الكنيسة، حيث استمع الحاضرون إلى شرح عن سيرته ودوره في الدفاع عن الإيمان المسيحي.
عودة رفات شهداء الإيمان إلى مصر
استعادت عائلات الشهداء خلال اللقاء عددًا من المحطات المرتبطة بعودة رفات القديسين والشهداء إلى أرض مصر، وما مثلته تلك الأحداث من فرح ورجاء لأبناء الكنيسة.
وأشارت العائلات إلى أن عهد البابا كيرلس السادس شهد عودة جزء من رفات القديس مارمرقس الرسول إلى مصر، بينما عادت رفات البابا القديس أثناسيوس الرسولي خلال عهد البابا شنودة الثالث.
وفي عهد البابا تواضروس الثاني، عادت رفات شهداء الإيمان من ليبيا إلى مصر خلال مايو 2018، بعد التعرف عليها واستكمال الإجراءات اللازمة لنقلها.
واعتبرت العائلات أن عودة الرفات تمثل عطية روحية للأجيال، وتجسد استمرار عناية الله بالكنيسة وحفظ سيرة أبنائها عبر السنوات.
قصة شهداء الإيمان الواحد والعشرين
تعود واقعة استشهاد العمال المسيحيين إلى فبراير 2015، عندما نشر تنظيم داعش الإرهابي تسجيلًا يوثق قتل 21 شخصًا على أحد شواطئ مدينة سرت الليبية.
وضمت المجموعة 20 عاملًا مصريًا مسيحيًا من أبناء محافظة المنيا، إلى جانب العامل الغاني ماثيو أياريغا، الذي ارتبط اسمه لاحقًا بسيرة الشهداء الواحد والعشرين.
وأقيم مزار خاص للشهداء داخل كنيسة حملت اسمهم في قرية العور بمركز سمالوط في محافظة المنيا، ليصبح المكان مقصدًا لأسرهم والزائرين الراغبين في إحياء ذكراهم.
وتحولت قصة الشهداء إلى رمز للثبات على الإيمان، كما ظلت عائلاتهم محل اهتمام رعوي وكنسي منذ وقوع الحادث وحتى عودة الرفات إلى الوطن.
الكنيسة بيت يجمع أبناءها
جسدت زيارة العائلات معنى الكنيسة بوصفها بيتًا واحدًا يحتضن أبناءه ويحفظ ذاكرتهم، وليس مجرد مكان يرتبط بالمناسبات أو الصلوات فقط.
وامتزج خلال اليوم التاريخ بالحاضر، من خلال زيارة مزاري القديس مارمرقس والبابا أثناسيوس، ثم لقاء البابا تواضروس واستعادة سيرة شهداء العصر الحديث.
وأظهر اللقاء أن العلاقة بين الكنيسة وعائلات الشهداء لا تقتصر على إحياء ذكرى الحادث، بل تعتمد على التواصل المستمر والمساندة الروحية والاحتضان العائلي.
ختام الزيارة بالصور ومائدة المحبة
اختُتم لقاء البابا تواضروس الثاني مع عائلات الشهداء بالتقاط عدد من الصور التذكارية، لتوثيق الزيارة واللحظات التي جمعت أفراد الأسر بقداسة البابا.
وشارك الحاضرون بعد ذلك في مائدة المحبة، قبل انتقال العائلات إلى زيارة الكنيسة البطرسية المجاورة للكاتدرائية المرقسية.
وغادرت الأسر في ختام يوم حمل رسائل متعددة عن الإيمان والرجاء والوفاء لسيرة الشهداء، وجدد التأكيد على أن المحبة التي تجمع الكنيسة بأبنائها تمتد عبر الأجيال وتحفظها الذاكرة الروحية.









