الحكم يفرق بين عدم الاستعمال والتخلي النهائي عن العين

حكم النقض: غلق محل بالإيجار القديم 20 عامًا لا يبرر الطرد مع سداد الأجرة

قانون الإيجار القديم
قانون الإيجار القديم

أرست محكمة النقض مبدأً قضائيًا في نزاع متعلق بقانون الإيجار القديم، بعدما ألغت حكمًا بإنهاء عقد محل ظل مغلقًا لأكثر من 20 عامًا، وقررت أن عدم استعمال العين وحده لا يثبت تخلي المستأجر عنها نهائيًا ما دام مستمرًا في تنفيذ التزاماته، وعلى رأسها سداد الأجرة. وصدر الحكم بجلسة 3 يونيو 2026 في الطعن رقم 35272 لسنة 94 قضائية، وانتهى إلى رفض استئناف المالك وتأييد الحكم الابتدائي الرافض للإخلاء، مع ضرورة الانتباه إلى أن النزاع خضع للقواعد القانونية السارية على الواقعة قبل إضافة أسباب إخلاء جديدة بالقانون رقم 164 لسنة 2025.

ماذا قررت محكمة النقض؟

قضت محكمة النقض بنقض الحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية، الذي كان قد انتهى إلى إنهاء عقد إيجار المحل وتسليمه إلى المالك بسبب بقائه مغلقًا وعدم ممارسة أي نشاط داخله لمدة طويلة.

ولم تكتف المحكمة بإلغاء حكم الاستئناف وإعادة القضية إلى محكمة أخرى، بل رأت أن موضوع النزاع صالح للفصل فيه، فقضت برفض استئناف المالك وتأييد حكم محكمة أول درجة الذي سبق أن رفض طلب إنهاء عقد الإيجار.

وألزمت المحكمة المالك بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة، بعدما انتهت إلى أن الأدلة المقدمة لا تكفي لإثبات تخلي المستأجرة بصورة نهائية عن العين المؤجرة.

تفاصيل النزاع على المحل المغلق

بدأت القضية عندما أقام المالك دعوى أمام محكمة شرق الإسكندرية الابتدائية، طالب فيها بفسخ عقد إيجار محرر في 9 يناير 1987 وإلزام المستأجرة بتسليم المحل.

واستند المالك في طلبه إلى أن المحل ظل مغلقًا لمدة تزيد على 20 عامًا دون ممارسة النشاط المخصص له، معتبرًا أن استمرار الغلق يمثل تركًا نهائيًا للعين وانتهاءً لحق المستأجرة في الاحتفاظ بها.

وندبت محكمة أول درجة خبيرًا لفحص العين وبيان حالتها ومدى استخدامها، ثم انتهت بعد إيداع تقرير الخبير إلى رفض دعوى الإخلاء.

ولم يقبل المالك الحكم، فتقدم بالاستئناف رقم 3694 لسنة 80 قضائية أمام محكمة استئناف الإسكندرية، التي قضت في 11 سبتمبر 2024 بإلغاء حكم أول درجة وإنهاء عقد الإيجار وتسليم المحل.

طعن المستأجرة أمام محكمة النقض

طعنت المستأجرة على حكم الاستئناف أمام محكمة النقض في نوفمبر 2024، وتمسكت بأن إغلاق المحل وعدم الانتفاع به لا يمثلان وحدهما سببًا قانونيًا للإخلاء.

وقالت في أسباب طعنها إنها لم تتنازل عن العين، ولم تؤجرها من الباطن، ولم تسلمها إلى شخص آخر، كما استمرت في أداء التزاماتها تجاه المالك، وفي مقدمتها الوفاء بالقيمة الإيجارية.

وأودعت النيابة مذكرة انتهت فيها إلى طلب نقض حكم الاستئناف، قبل أن تعرض القضية على المحكمة في غرفة المشورة خلال مايو 2026، وتحدد جلسة 3 يونيو لنظرها وإصدار الحكم.

سبب إلغاء حكم الطرد

رأت محكمة النقض أن حكم الاستئناف أخطأ في تطبيق القانون عندما اعتبر استمرار غلق المحل لأكثر من 20 عامًا دليلًا كافيًا على تخلي المستأجرة عنه.

وأكدت أن التخلي الذي يسمح بإنهاء عقد الإيجار يجب أن يكشف بصورة واضحة وقاطعة عن استغناء المستأجر نهائيًا عن حقه في الانتفاع بالعين.

ولا يتحقق ذلك بمجرد عدم تشغيل المحل أو الإقامة في الشقة لفترة، بل يحتاج إلى تصرف أو موقف لا يترك مجالًا للشك، مثل التنازل عن العين للغير أو تأجيرها من الباطن دون موافقة أو تركها لشخص آخر بقصد الاستغناء النهائي عنها.

واعتبرت المحكمة أن ما أثبته تقرير الخبير بشأن غلق المحل وعدم ممارسة نشاط داخله لا ينهض وحده دليلًا على تحقق هذا التخلي النهائي.

الفرق بين غلق العين والتخلي النهائي

يفرق الحكم بين حالتين قانونيتين لا تحملان النتيجة نفسها.

الحالة الأولى هي عدم الانتفاع الفعلي بالعين، مثل إغلاق المحل أو عدم الإقامة داخل الشقة فترة طويلة، مع بقاء المستأجر محتفظًا بعقده ومفاتيحه واستمراره في أداء التزاماته.

أما الحالة الثانية فهي التخلي النهائي، وتتحقق عندما يصدر من المستأجر تصرف واضح يكشف عن تنازله عن حقه في الانتفاع، سواء لمصلحة شخص آخر أو من خلال موقف ثابت يدل على أنه لم يعد متمسكًا بالعين.

وبحسب الحكم، فإن الحالة الأولى لم تكن تمثل بمفردها سببًا للإخلاء وفق المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981، بينما قد تؤدي الحالة الثانية إلى إنهاء العلاقة الإيجارية إذا أثبتها المالك أمام المحكمة.

دور سداد الأجرة في القضية

كان استمرار سداد الأجرة أحد العناصر الرئيسية التي استندت إليها المستأجرة للدفاع عن بقاء عقد الإيجار.

وأشار الحكم إلى أن المالك لم ينازع بصورة واضحة في تنفيذ المستأجرة التزاماتها المالية، كما قدمت إنذار عرض أجرة عن الفترة من يناير 2022 حتى ديسمبر 2023.

ولفتت المحكمة إلى القاعدة الواردة في المادة 587 من القانون المدني، والتي تعتبر الوفاء بقسط من الأجرة قرينة على الوفاء بالأقساط السابقة عليه حتى يثبت العكس.

وبالتالي، لم يكن عدم تقديم إيصالات عن كل الفترات السابقة كافيًا لافتراض عدم السداد، خاصة مع عدم تمسك المالك بوجود متأخرات محددة ومستحقة لم يحصل عليها.

متى يحق للمالك طلب الإخلاء؟

وفق القواعد التي تناولها الحكم، يستطيع المالك طلب إنهاء عقد الإيجار إذا ثبت تنازل المستأجر عن العين، أو تأجيرها من الباطن دون إذن كتابي، أو تركها إلى الغير بقصد الاستغناء عنها نهائيًا.

ويتحمل المالك عبء تقديم أدلة تكشف عن تحقق سبب الإخلاء، ولا يكفي الاعتماد على مظهر خارجي مثل إغلاق الأبواب أو انقطاع النشاط وحده.

وقد تشمل الأدلة وجود شخص آخر يستعمل الوحدة بصفة مستقلة، أو مستندات تثبت تأجيرها من الباطن، أو تصرفًا صريحًا من المستأجر يفيد التنازل عن حقه.

وتخضع كل قضية لتقدير المحكمة بحسب ظروفها ومستنداتها، لذلك لا يؤدي تشابه الوقائع ظاهريًا إلى صدور الحكم نفسه تلقائيًا في جميع النزاعات.

هل ينطبق الحكم على الشقق والمحلات؟

صدر الحكم محل القضية بشأن محل مؤجر بعقد قديم، لكنه تناول مبدأ قانونيًا يتعلق بالفرق بين عدم الاستعمال وبين التخلي النهائي وفق المادة 18 من قانون رقم 136 لسنة 1981.

ولا يصح اعتبار الحكم تصريحًا عامًا بترك أي شقة أو محل مغلقًا دون آثار قانونية، لأن نتيجة كل نزاع تتوقف على تاريخ الواقعة والقانون الذي تخضع له ومدى وجود مبرر للغلق والأدلة التي يقدمها الطرفان.

كما أن الحكم لا يمنع الإخلاء إذا ثبت وجود سبب قانوني آخر، مثل عدم سداد الأجرة بعد استيفاء الإجراءات المطلوبة، أو التنازل، أو التأجير من الباطن، أو استعمال العين بطريقة ضارة بسلامة المبنى.

تنبيه بشأن قانون الإيجار القديم الجديد

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بسبب صدور القانون رقم 164 لسنة 2025، الذي أصبح نافذًا اعتبارًا من 5 أغسطس 2025، وأضاف حالات جديدة تسمح بطلب الإخلاء.

وتنص المادة السابعة من القانون على التزام المستأجر أو من امتد إليه العقد بإخلاء المكان إذا ثبت تركه مغلقًا لمدة تزيد على سنة دون مبرر، أو إذا ثبت امتلاكه وحدة أخرى قابلة للاستخدام في الغرض نفسه.

لذلك فإن حكم النقض الصادر في الطعن رقم 35272 لسنة 94 قضائية عالج نزاعًا ووقائع خضعت للمادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981، ولا يجوز عرضه باعتباره إلغاءً للمادة السابعة من القانون رقم 164 لسنة 2025 أو تعطيلًا لأحكامها.

هل تعارض حكم النقض مع القانون الجديد؟

لا يوجد تعارض مباشر بين الحكم والقانون الجديد، لأن المحكمة طبقت القانون الواجب التطبيق على الواقعة التي بدأت قبل صدور التشريع الجديد.

وكان المالك قد أقام الدعوى عام 2021، وصدر حكم الاستئناف في سبتمبر 2024، بينما بدأ العمل بالقانون رقم 164 لسنة 2025 في أغسطس من العام التالي.

وبالتالي، ركزت محكمة النقض على مدى توافر أسباب الإخلاء التي كانت مطروحة في الدعوى عند إقامتها، ولم تبحث تطبيق سبب مستحدث لم يكن قائمًا وقت بدء النزاع.

وتبقى مسألة تطبيق القانون الجديد على أي حالة لاحقة مرتبطة بتاريخ الغلق ووجود المبرر والمستندات المقدمة، وما تنتهي إليه المحكمة المختصة وفق ظروف الدعوى.

ماذا يعني الحكم للمستأجرين؟

يؤكد الحكم أن مجرد الادعاء بعدم استعمال العين لا يكفي وحده لإثبات تخلي المستأجر عنها في المنازعات التي تخضع للقواعد التي طبقتها محكمة النقض.

لكن على المستأجر الاحتفاظ بما يثبت سداد الأجرة، وعدم تسليم العين إلى الغير أو السماح باستعمالها بصورة قد تفسر على أنها تنازل أو تأجير من الباطن.

كما يحتاج من يترك الوحدة مغلقة في ظل القانون رقم 164 لسنة 2025 إلى الاحتفاظ بما يثبت وجود مبرر حقيقي، إذا كان الغلق مستمرًا لأكثر من سنة.

وقد تشمل المبررات ظروف العمل أو العلاج أو السفر المؤقت، إلا أن قبولها وتقدير كفاية مستنداتها يظل من اختصاص القضاء، ولا توجد نتيجة واحدة تنطبق تلقائيًا على جميع الحالات.

ماذا يعني الحكم للملاك؟

يوضح الحكم أن طلب الإخلاء يحتاج إلى بناء قانوني وأدلة محددة، وليس مجرد إثبات أن الشقة أو المحل لا يستخدمان بصورة منتظمة.

وعلى المالك تحديد سبب الإخلاء الذي يستند إليه، وتقديم ما يثبت تحققه، سواء كان متعلقًا بالتنازل أو التأجير من الباطن أو الترك النهائي أو إحدى الحالات التي أضافها القانون الجديد.

كما ينبغي التمييز بين دعوى بدأت قبل القانون رقم 164 لسنة 2025 ودعوى تستند إلى وقائع حدثت بعد دخوله حيز التنفيذ، لأن القواعد الواجب تطبيقها قد تختلف.

أهمية حكم محكمة النقض

تكمن أهمية الحكم في تأكيد ضرورة عدم الخلط بين إغلاق العين وبين التخلي القانوني عنها، وفي إلزام المحاكم بالبحث عن دليل واضح على الاستغناء النهائي قبل إنهاء العقد وفق المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981.

كما يبرز الحكم أهمية فحص سداد الأجرة وموقف المالك من الالتزامات المالية، وعدم افتراض وجود متأخرات دون مطالبة واضحة أو دليل.

وفي الوقت نفسه، يفرض صدور القانون رقم 164 لسنة 2025 قراءة الحكم داخل نطاقه الزمني والقانوني الصحيح، حتى لا يتحول إلى رسالة مضللة توحي بأن غلق الوحدات القديمة لم يعد سببًا محتملًا للإخلاء في جميع الأحوال.

          
تم نسخ الرابط