تسع منظمات وثمانية أحزاب تشارك وسط مطالب بالحريات وتحسين المعيشة

احتجاجات تونس ضد قيس سعيد.. هتافات بإسقاط النظام واتحاد الشغل يعلن استمرار التحركات

احتجاجات تونس ضد
احتجاجات تونس ضد قيس سعيد

شهدت العاصمة التونسية، السبت 17 أكتوبر 2026، احتجاجات واسعة شارك فيها آلاف المواطنين ضد الرئيس قيس سعيد، ردد خلالها متظاهرون شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، وطالبوا بالإفراج عن المعارضين الموقوفين واستعادة الحريات وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة. وقادت التحرك تسع منظمات نقابية وحقوقية ومهنية، بمشاركة أحزاب معارضة من اتجاهات سياسية مختلفة، فيما أعلن صلاح الدين السالمي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أن التنسيق بين المنظمات لن ينتهي بانتهاء المسيرة، وأن هناك توجهًا لتوسيعه ومواصلة التحركات السلمية. وانطلقت المظاهرة من ساحة محمد علي باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، وسط انتشار أمني مكثف، في أحد أكبر التحركات الاحتجاجية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.

اتحاد الشغل يعلن استمرار التحركات بعد احتجاجات تونس

شكلت تصريحات صلاح الدين السالمي خلال مسيرة السبت تطورًا مهمًا، بعدما أكد أن الإطار التنسيقي الذي جمع المنظمات الوطنية والمهنية والحقوقية ليس تحالفًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء الاحتجاج، وإنما سيجري العمل على توسيعه وتطويره والانفتاح على قوى مدنية ووطنية إضافية.

وأوضح السالمي، في كلمته المنشورة عبر المنصة الإعلامية التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، أن التحرك لا يستهدف استعادة صراعات سياسية سابقة أو إعادة إنتاج تجارب الحكم الماضية، وإنما يركز على المطالبة بالحريات والعدالة الاجتماعية والمساءلة واحترام إرادة المواطنين.

واعتبر أن الأزمة التونسية، من وجهة نظر الاتحاد، ترتبط بتركيز السلطات وضعف الحوار السياسي والاجتماعي، مشددًا على أن معالجة المشكلات الاقتصادية والخدمية لا تنفصل عن إصلاح المؤسسات وتعزيز المشاركة العامة.

وجاء هذا الموقف امتدادًا لبيان أصدرته المنظمات المشاركة في 29 سبتمبر الماضي، تضمن الاتفاق على إعداد برنامج مشترك للتحركات ومتابعة المستجدات واتخاذ مواقف جماعية تجاه القضايا الوطنية.

ويعني ذلك أن التحالف المدني يسعى إلى استمرار العمل المشترك بعد 17 أكتوبر، دون أن يكون قد أعلن، حتى مساء السبت، موعدًا محددًا لمسيرة ثانية أو قرارًا بتنظيم إضراب عام.

9 منظمات و8 أحزاب تشارك في الاحتجاجات ضد قيس سعيد

شارك في تنظيم المظاهرة الاتحاد العام التونسي للشغل، والهيئة الوطنية للمحامين، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وشملت قائمة المنظمات أيضًا الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، والاتحاد العام لطلبة تونس، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، واتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل.

وسبقت المسيرةَ دعوةٌ مشتركة من ثمانية أحزاب معارضة أعلنت مشاركتها في 8 أكتوبر، بينها التيار الديمقراطي، والحزب الجمهوري، وحزب العمال، والحزب الاشتراكي، والتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات، وآفاق تونس، والقطب، والمسار الديمقراطي الاجتماعي.

ويمثل اجتماع هذه الأطراف في تحرك واحد تطورًا مقارنة بحالة التباعد السياسي التي أثرت خلال السنوات الماضية على قدرة المعارضة على تنظيم احتجاجات مشتركة.

ورغم مشاركة الأحزاب، فإن الإطار الذي دعا إلى المسيرة قدم نفسه باعتباره تنسيقًا مدنيًا ونقابيًا وحقوقيًا، وليس حزبًا سياسيًا موحدًا أو تحالفًا انتخابيًا جديدًا.

هتافات بإسقاط النظام ومطالب بالإفراج عن المعارضين

انطلقت المسيرة من ساحة محمد علي الحامي، حيث المقر المركزي للاتحاد العام التونسي للشغل، قبل أن تتحرك باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، أحد أبرز المواقع المرتبطة بالاحتجاجات التي شهدتها تونس خلال ثورة 2011.

وردد مشاركون شعارات تطالب برحيل النظام واحترام الحريات، من بينها «الشعب يريد إسقاط النظام»، إلى جانب هتافات تنتقد الأوضاع المعيشية وتطالب باستقلال القضاء ووقف ما تعتبره منظمات حقوقية ملاحقات تستهدف المعارضين والنشطاء.

كما رفع المحتجون لافتات تتعلق بالبطالة وتدهور الخدمات العامة والحقوق النقابية، وطالبوا بالإفراج عن شخصيات سياسية وصحفيين وموقوفين على خلفية قضايا مرتبطة بالنشاط العام.

وشهد وسط العاصمة انتشار مئات من أفراد الشرطة وإغلاق بعض الطرق والشوارع المحيطة بمسار التظاهر، دون صدور حصيلة رسمية مستقلة لأعداد المشاركين أو تأكيد وقوع اشتباكات واسعة خلال المسيرة.

ونقلت التغطيات الميدانية عن أحد المشاركين، ياسين الغرسلاوي، القادم من مدينة صفاقس، انتقاده تكرار انقطاع المياه والكهرباء وتراكم الأزمات الخدمية، مؤكدًا أن مشاركته في المظاهرة مرتبطة بالدفاع عن الحريات.

وبذلك جمعت الاحتجاجات بين مطالب سياسية تتعلق بطبيعة الحكم والحقوق العامة، وأخرى اجتماعية ترتبط بفرص العمل ومستوى المعيشة والخدمات الأساسية.

الأزمة الاقتصادية في تونس.. التضخم والبطالة بالأرقام الرسمية

تزامنت الاحتجاجات مع استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وفق أحدث البيانات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء التونسي، والتي أظهرت وصول معدل التضخم السنوي إلى 5.6% خلال سبتمبر 2026، مقابل 5.4% في أغسطس السابق.

وسجلت أسعار الأغذية والمشروبات ارتفاعًا سنويًا بنسبة 8.4% خلال سبتمبر، مدفوعة بزيادة أسعار عدد من المنتجات الأساسية، بينها اللحوم والخضراوات والفواكه والدواجن.

أما معدل البطالة العام، فبلغ 14.9% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بنحو 15% في الربع الأول، وهو ما يعكس تراجعًا طفيفًا في المؤشر العام.

وفي المقابل، ارتفعت البطالة بين خريجي التعليم العالي من 24.2% خلال الربع الأول إلى 26.6% في الربع الثاني، بزيادة قدرها 2.4 نقطة مئوية، فيما بلغت البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا نحو 35.4%.

وتوضح هذه المؤشرات أن الضغوط الاقتصادية لا تسير في اتجاه واحد؛ فرغم انخفاض البطالة العامة بصورة محدودة، استمرت صعوبات الحصول على فرص عمل بين خريجي الجامعات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية لبعض الفئات.

ويظل تشغيل العاطلين عن العمل أحد الملفات الحاضرة في المشهد الاحتجاجي، خاصة بعد صدور القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بالانتداب الاستثنائي لخريجي التعليم العالي الذين طالت بطالتهم.

وينص القانون، الصادر في ديسمبر 2025، على إجراءات انتداب استثنائية تنفذ على دفعات وفق معايير محددة، لكن صدوره لا يعني الانتهاء من تشغيل جميع الفئات المشمولة به.

ملف الصحفيين والحريات يعود إلى واجهة الاحتجاجات

تزامنت المظاهرة مع استمرار مطالب النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين بالإفراج عن عدد من الصحفيين الموقوفين، بينهم زياد الهاني ومراد الزغيدي وبرهان بسيس ومحمد اليوسفي.

وتعتبر النقابة أن بعض الإجراءات القضائية المتخذة بحق صحفيين ونشطاء تمثل قيودًا على حرية التعبير والعمل الإعلامي، وتطالب بضمان المحاكمة العادلة واحترام الضمانات القانونية المرتبطة بالمهنة.

وكان الرئيس قيس سعيد قد اتخذ في 30 سبتمبر 2026 خطوة تتعلق بتعديل العقوبات الواردة في مرسوم مكافحة الجرائم الإلكترونية، الذي أثار انتقادات حقوقية واسعة منذ صدوره عام 2022.

وشمل التعديل تخفيف العقوبات في بعض الحالات، باستبدال عقوبات سالبة للحرية بغرامات مالية للمخالفة الأولى، مع استمرار عقوبات أخرى في حالات التكرار.

ورغم هذا التغيير، استمرت مطالب المنظمات الحقوقية والنقابية بمراجعة التشريعات والإجراءات التي تعتبرها مقيدة للحريات، والإفراج عن الأشخاص الموقوفين في قضايا مرتبطة بالتعبير والعمل الصحفي والسياسي.

ولا يعني تعديل العقوبات تلقائيًا إنهاء جميع القضايا القائمة أو صدور قرارات بالإفراج عن المتهمين أو المحكوم عليهم، إذ يخضع وضع كل شخص للإجراءات القضائية المرتبطة بملفه.

موقف قيس سعيد من اتهامات المعارضة والتطورات المقبلة

يرفض الرئيس التونسي قيس سعيد اتهامات المعارضة والمنظمات الحقوقية له بالاستبداد أو تقويض الحريات، ويؤكد أن الإجراءات التي اتخذها منذ عام 2021 تستهدف مكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة.

كما سبق أن اتهم أطرافًا معارضة وقوى ضغط بالعمل على افتعال أزمات اقتصادية واجتماعية لإثارة الاضطرابات، وهي اتهامات سياسية يرفضها خصومه ولا تمثل حقائق مثبتة بمجرد صدورها عنه.

وتعود جذور الأزمة السياسية الحالية إلى يوليو 2021، عندما اتخذ سعيد إجراءات استثنائية شملت تجميد أعمال البرلمان وإقالة رئيس الحكومة، قبل حل البرلمان في العام التالي وإجراء تغييرات واسعة في مؤسسات الحكم.

ووصفت أطراف معارضة تلك الإجراءات بأنها انقلاب على المسار الديمقراطي، بينما دافع عنها الرئيس باعتبارها خطوات ضرورية لتصحيح مسار الدولة ومواجهة أزماتها.

ولم يصدر حتى مساء السبت 17 أكتوبر بيان رسمي موثق من الرئاسة التونسية يتناول مباشرة مطالب مظاهرة اليوم أو يحدد موقفًا جديدًا من التحركات التي أعلنت المنظمات عزمها مواصلتها.

وتتجه الأنظار بعد المسيرة إلى الخطوات التي قد يعلنها الإطار التنسيقي للمنظمات التسع، ومدى استمرار مشاركة الأحزاب والهيئات المهنية في التحركات المشتركة، إلى جانب أي رد رسمي من السلطات بشأن المطالب الاقتصادية والحقوقية.

ويبقى المؤكد أن مظاهرة السبت انتهت بإعلان نقابي عن مواصلة التنسيق وتوسيعه، وليس بقرار معلن لتغيير نظام الحكم أو ببرنامج محدد المواعيد لموجة احتجاجات جديدة

تم نسخ الرابط