من حياة مضطربة إلى أحد أبرز آباء الكنيسة ومعلّميها

الكنيسة تحتفل اليوم بذكرى نياحة القديس أنبا أغسطينوس شفيع التائبين وابن الدموع

القديس أنبا أغسطينوس
القديس أنبا أغسطينوس يتصدر تذكارات 22 مسرى الموافق 28 أغسطس

تحتفل الكنيسة القبطية اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026، الموافق 22 مسرى 1742 للشهداء، بتذكار نياحة القديس أنبا أغسطينوس أسقف هيبو، الذي ارتبط اسمه في التراث المسيحي بلقبَي «شفيع التائبين» و«ابن الدموع». وتمثل سيرته واحدة من أشهر قصص التحول الروحي في تاريخ الكنيسة، بعدما انتقل من سنوات من البحث الفكري والحياة البعيدة عن الإيمان إلى التوبة والخدمة الكنسية، وصولًا إلى سيامته أسقفًا وتركه تراثًا لاهوتيًا وفلسفيًا واسع التأثير، كان من أشهره كتاب «الاعترافات».

تذكار نياحة القديس أغسطينوس في 22 مسرى

يوافق تذكار نياحة القديس أغسطينوس يوم 22 من شهر مسرى في التقويم القبطي، والذي يأتي هذا العام في 28 أغسطس 2026.

وتذكر تقاليد السنكسار القبطي في هذا اليوم نياحة القديس أغسطينوس، إلى جانب تذكارات كنسية أخرى مرتبطة باليوم نفسه.

وتنيح القديس أغسطينوس في 28 أغسطس سنة 430 ميلادية بعد حياة امتدت لنحو 75 عامًا، قضى جانبًا مهمًا منها في التعليم والخدمة والكتابة والدفاع عن الإيمان.

مولد القديس أغسطينوس ونشأته

ولد القديس أغسطينوس في 13 نوفمبر سنة 354 ميلادية بمدينة تاجست في إقليم نوميديا بشمال أفريقيا، وهي منطقة تقع حاليًا ضمن الجزائر.

نشأ في أسرة كان فيها والده باتريكيوس وثنيًا في بداية حياته، بينما كانت والدته القديسة مونيكا مسيحية عُرفت بإيمانها وصلواتها المستمرة من أجل ابنها.

وكانت مونيكا صاحبة تأثير بالغ في حياة أغسطينوس، وظلت تصلي من أجله خلال سنوات ابتعاده عن الإيمان، حتى ارتبطت سيرته لاحقًا بلقب «ابن الدموع»، في إشارة إلى دموع وصلوات أمه التي لازمته لسنوات.

دراسته والبحث عن النجاح

أظهر أغسطينوس منذ شبابه قدرات واضحة في اللغة والخطابة، واتجه إلى الدراسة التي تؤهله للعمل في مجال البلاغة والقانون.

وانتقل إلى قرطاج لدراسة الخطابة، قبل أن يصبح لاحقًا مدرسًا للبلاغة، مستفيدًا من تفوقه في اللغة اللاتينية وقدرته على الجدل والإقناع.

لكن نجاحه الدراسي لم يتزامن في البداية مع استقرار روحي، إذ مر بمراحل فكرية وحياتية متباينة، وظل يبحث عن إجابات تتعلق بالحقيقة والإيمان وطبيعة الإنسان.

مرحلة المانوية والبحث الفكري

خلال رحلة البحث التي مر بها أغسطينوس انجذب فترة من حياته إلى المانوية، وهي منظومة دينية وفكرية كانت منتشرة في ذلك العصر.

ولم يستمر اقتناعه بها، إذ بدأت الشكوك تتزايد لديه حول قدرتها على الإجابة عن الأسئلة الفكرية والروحية التي كانت تشغله.

وانتقل أغسطينوس لاحقًا إلى روما ثم إلى ميلانو، لتبدأ مرحلة جديدة كان لها الدور الأبرز في تغيير مسار حياته.

القديسة مونيكا ودورها في توبته

تحتل القديسة مونيكا مكانة محورية في قصة توبة أغسطينوس، إذ استمرت في الصلاة من أجله ولم تفقد رجاءها في عودته إلى الإيمان.

وتحولت قصة الأم وابنها إلى نموذج مسيحي شهير عن المثابرة في الصلاة والرجاء، وهو أحد الأسباب التي جعلت لقب «ابن الدموع» ملازمًا لأغسطينوس في الذاكرة الكنسية.

وتشير سيرته إلى أن رحلة التوبة لم تكن تحولًا مفاجئًا منفصلًا عن حياته السابقة، بل جاءت بعد سنوات طويلة من البحث الفكري والصراع الداخلي والتأثر بعدد من الشخصيات والكتابات.

القديس أمبروسيوس والتحول في ميلانو

كان لوجود أغسطينوس في ميلانو أثر حاسم في حياته، حيث تأثر بعظات القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو وطريقة شرحه للكتاب المقدس.

ومع استمرار بحثه الروحي، اتخذ أغسطينوس قراره بالعودة إلى الإيمان المسيحي وترك حياته السابقة.

وتعمد على يد القديس أمبروسيوس في ميلانو سنة 387 ميلادية، لتبدأ بعد ذلك مرحلة مختلفة تمامًا من حياته ارتبطت بالخدمة والتأمل والكتابة.

من التوبة إلى الأسقفية

عاد أغسطينوس إلى شمال أفريقيا بعد توبته، واتجه إلى حياة الصلاة والدراسة والخدمة.

وسيم كاهنًا في هيبو، ثم أصبح لاحقًا أسقفًا عليها، ليُعرف تاريخيًا باسم القديس أغسطينوس أسقف هيبو.

وخلال خدمته الأسقفية انشغل بالتعليم والوعظ والرد على عدد من التيارات الفكرية والعقائدية التي كانت حاضرة بقوة في عصره.

وأصبحت كتاباته جزءًا مهمًا من التراث المسيحي، وظل تأثيرها ممتدًا عبر قرون طويلة في مجالات اللاهوت والفلسفة والحياة الروحية.

لماذا لُقب بشفيع التائبين؟

ارتبط لقب «شفيع التائبين» بالقديس أغسطينوس بصورة خاصة بسبب التحول الكبير الذي شهدته حياته.

فسيرته لم تبدأ بحياة نسكية أو كنسية مستقرة، وإنما تضمنت سنوات من الابتعاد والبحث والتردد، قبل أن يصل إلى التوبة ويتحول إلى أحد أشهر الشخصيات المسيحية في التاريخ.

ولهذا تقدم سيرته في التقليد المسيحي باعتبارها نموذجًا على إمكانية تغير الإنسان مهما طال ابتعاده، وعلى أن التوبة يمكن أن تفتح بداية مختلفة للحياة.

كتاب الاعترافات

يُعد «الاعترافات» من أشهر مؤلفات القديس أغسطينوس، وقد عرض خلاله جانبًا مهمًا من رحلته الشخصية والفكرية والروحية.

وتكمن خصوصية الكتاب في أنه لا يقدم مجرد تسلسل لأحداث حياته، وإنما يناقش أيضًا أسئلته الداخلية وذكرياته ورحلته في البحث عن الله.

ولهذا بقي «الاعترافات» واحدًا من أبرز المؤلفات المرتبطة باسم أغسطينوس وأكثرها حضورًا عند الحديث عن سيرته وتوبته.

أبرز مؤلفات القديس أغسطينوس

ترك القديس أغسطينوس إنتاجًا فكريًا ولاهوتيًا ضخمًا شمل موضوعات العقيدة والكتاب المقدس والفلسفة والأخلاق والحياة الروحية.

ومن أشهر الأعمال المنسوبة إليه، إلى جانب «الاعترافات»، كتاب «مدينة الله»، و«عن الثالوث»، وكتاباته في تفسير عدد من أسفار الكتاب المقدس ورسائله.

كما ناقش في مؤلفاته قضايا فكرية وعقائدية كانت موضع جدل خلال عصره، وكتب في مواجهة المانوية والدوناتية والبيلاجية وغيرها من الاتجاهات التي تعامل معها خلال خدمته.

نياحة القديس أغسطينوس عام 430

تنيح القديس أغسطينوس في 28 أغسطس سنة 430 ميلادية بمدينة هيبو في شمال أفريقيا.

وكانت المنطقة تمر في ذلك الوقت بظروف سياسية وعسكرية مضطربة، بينما ظل أغسطينوس في المدينة خلال أيامه الأخيرة.

وانتهت حياته بعد رحلة امتدت من تاجست إلى قرطاج وروما وميلانو ثم العودة إلى شمال أفريقيا، وتحولت قصته من حياة تبحث عن الحقيقة إلى سيرة ارتبطت بالتوبة والتعليم والخدمة.

القديس أغسطينوس في الذاكرة الكنسية

تظل سيرة القديس أنبا أغسطينوس من السير التي تحمل بعدًا خاصًا لدى المسيحيين بسبب المسافة الكبيرة بين بدايات حياته ومراحلها الأخيرة.

فبين دموع والدته مونيكا، ورحلته الفكرية، ثم توبته ومعموديته وخدمته كأسقف، تشكلت قصة جعلت اسمه مرتبطًا بصورة خاصة بالتائبين والباحثين عن بداية جديدة.

وتأتي ذكرى نياحته في 22 مسرى من كل عام لتعيد إلى الواجهة سيرته وتراثه وكتاباته، إلى جانب المعنى الروحي الذي ارتبط باسمه بوصفه «ابن الدموع» و«شفيع التائبين».

          
تم نسخ الرابط