تقنية كوروناجراف تحجب ضوء النجوم وتمهد لرصد كواكب بعيدة
إطلاق تلسكوب رومان بمشاركة المصري أحمد سليمان لرصد الكون والبحث عن حياة خارج الأرض
دخل اسم العالم المصري الدكتور أحمد سليمان ضمن واحدة من أبرز مهام علوم الفضاء الحديثة، بعد إطلاق ناسا تلسكوب نانسي جريس رومان على متن صاروخ فالكون هيفي من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا. وتكمن أهمية المشاركة المصرية في عمل سليمان ضمن مشروعات وتقنيات مرتبطة بجهاز الكوروناجراف الخاص بالتلسكوب، وهو أداة متقدمة لحجب ضوء النجوم ورصد الكواكب الخافتة حولها. المهمة لا تعلن اكتشاف حياة خارج الأرض، لكنها تمثل خطوة تقنية مهمة تمهد لمراصد مستقبلية قادرة على دراسة عوالم شبيهة بالأرض والبحث عن مؤشرات الحياة.
إطلاق تلسكوب رومان من فلوريدا
أطلقت ناسا تلسكوب نانسي جريس رومان يوم الأحد 30 أغسطس 2026، في مهمة تستهدف دراسة أسرار كبرى في الكون، بينها المادة المظلمة والطاقة المظلمة والكواكب خارج المجموعة الشمسية. وانطلق التلسكوب في رحلة تستغرق نحو 3 أشهر إلى نقطة لاجرانج الثانية L2، على بعد يقارب مليون ميل من الأرض.
وتقول ناسا إن رومان يجمع بين مجال رؤية واسع وقدرة عالية على الرصد بالأشعة تحت الحمراء، ما يمنحه قدرة على مسح مساحات ضخمة من السماء بسرعة كبيرة، وإنتاج بيانات علمية تساعد الباحثين على فهم تاريخ الكون وتوزيع المجرات والكواكب والظواهر البعيدة.
أين تظهر بصمة أحمد سليمان؟
الدكتور أحمد سليمان، بحسب ملفه البحثي في مختبر الدفع النفاث JPL التابع لناسا وكالتيك، عالم وتقني أجهزة، وشارك أو قاد مساهمات في عدة مهام ومشروعات، بينها جهاز Roman Coronagraph Instrument، إلى جانب مشروعات أخرى مرتبطة بالرصد الفلكي والتقنيات المتقدمة.
وتشير بيانات JPL إلى أن سليمان حصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في مصر من هندسة شبرا بجامعة بنها وكلية الهندسة بجامعة عين شمس، قبل انتقاله إلى كالتيك، حيث حصل على الماجستير والدكتوراه في الهندسة والعلوم التطبيقية.
ما هو جهاز الكوروناجراف؟
جهاز الكوروناجراف على تلسكوب رومان ليس مجرد كاميرا عادية، بل نظام من الأقنعة والمرايا والمرشحات والكواشف، صُمم لحجب وهج النجوم الشديد حتى يتمكن العلماء من رؤية أجسام أكثر خفوتًا تدور حولها، مثل الكواكب والأقراص المحيطة بالنجوم.
وتوضح ناسا أن جهاز Roman Coronagraph صُمم لرصد كواكب أخفت من نجومها بنحو 100 مليون مرة، وهو أداء أفضل بنحو 100 إلى 1000 مرة من بعض تقنيات الكوروناجراف الفضائية السابقة، كما سيكون أول كوروناجراف نشط يُرسل إلى الفضاء، بما يعني أن بعض مكوناته تستطيع تعديل أدائها أثناء التشغيل لمقاومة تسرب ضوء النجم.
رومان يمهد للبحث عن الحياة ولا يعلنها
الأهمية الكبرى للمهمة أنها تقرّب العلماء من مرحلة رصد الكواكب البعيدة بصورة أوضح، لكنها لا تعني أن تلسكوب رومان سيبحث مباشرة عن كائنات حية أو يعلن وجود حياة خارج الأرض.
وتؤكد ناسا أن تقنية الكوروناجراف في رومان تمثل خطوة نحو مفهوم مرصد عوالم قابلة للسكن Habitable Worlds Observatory، وهو مشروع مستقبلي يستهدف تصوير ودراسة كواكب شبيهة بالأرض تدور حول نجوم شبيهة بالشمس.

لماذا يصعب رصد كواكب شبيهة بالأرض؟
رصد كوكب يدور حول نجم بعيد من أصعب تحديات الفلك الحديث، لأن ضوء النجم يكون أقوى بكثير من الضوء المنعكس عن الكوكب. لذلك يحتاج العلماء إلى تقنيات قادرة على حجب ضوء النجم بدقة شديدة، حتى يظهر الكوكب الخافت القريب منه في الصورة.
ومن هنا تأتي أهمية جهاز الكوروناجراف، لأنه يختبر في الفضاء تكنولوجيا تساعد مستقبلًا على الوصول إلى مستوى أعلى من العزل البصري، بما يمهد لدراسة أجواء الكواكب والبحث عن مؤشرات مثل الماء أو الأكسجين أو الميثان في مهام لاحقة.
من القطب الجنوبي إلى تلسكوب رومان
قبل مشاركته في مشروعات مرتبطة بتلسكوب رومان، عمل أحمد سليمان في أبحاث رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي عبر تجارب BICEP/Keck، وهي تجارب تسعى إلى دراسة إشارات دقيقة من بدايات الكون، والبحث عن آثار موجات الجاذبية البدائية المرتبطة بالتضخم الكوني.
ووفق ملفه البحثي، شارك سليمان وفريقه في نشر مستقبل منخفض التردد في القطب الجنوبي خلال موسم 2020، لجمع بيانات عالية الحساسية من الخلفية الكونية، وهي خبرة تضعه في منطقة بحثية تجمع بين تصميم الأجهزة الدقيقة والإجابة عن أسئلة كبرى حول نشأة الكون.
جوائز وتقدير من ناسا وJPL
حصل أحمد سليمان على جوائز من JPL وناسا ضمن فرق العمل المرتبطة بجهاز الكوروناجراف، بينها جائزة عن المساهمة في الاختبارات الوظيفية الناجحة للجهاز، وأخرى عن المساهمة في اختباره في ظروف الفراغ والحرارة وتسليمه إلى مركز جودارد لدمجه مع تلسكوب رومان.
وتكشف هذه الجوائز أن مشاركة سليمان لم تكن رمزية، بل جاءت ضمن عمل هندسي وعلمي داخل فريق كبير يطور أحد أهم الأجهزة التجريبية في المهمة.
ماذا ينتظر رومان بعد الإطلاق؟
بعد الإطلاق، يبدأ تلسكوب رومان مرحلة الوصول إلى مداره النهائي ثم التشغيل والاختبارات والمعايرة، على أن تُفعّل أجهزته تدريجيًا قبل بدء عمليات الرصد العلمية. وتتوقع ناسا نشر أول صور التلسكوب في بداية عام 2027 بعد انتهاء فترة الاختبارات.
وخلال المهمة، سيرسل رومان كميات ضخمة من البيانات يوميًا، بما يفتح مجالًا واسعًا أمام الباحثين لاكتشاف مجرات بعيدة، ودراسة الطاقة المظلمة، ورصد كواكب خارج المجموعة الشمسية، واختبار تقنيات قد تقود مستقبلًا إلى البحث الأعمق عن الحياة في الكون.

قيمة المشاركة المصرية
مشاركة أحمد سليمان في مسار تلسكوب رومان تضع اسم باحث مصري ضمن مشروعات علمية شديدة التخصص، لا تقوم على الظهور الإعلامي بقدر ما تعتمد على سنوات من العمل داخل مختبرات الأجهزة الدقيقة، واختبارات الأداء، وتطوير أنظمة بصرية قادرة على التقاط إشارات بالغة الضعف من أعماق الكون.
وتكمن قيمة هذه المشاركة في أنها تجمع بين مسارين علميين: فهم بدايات الكون عبر تجارب الخلفية الكونية، وتمهيد الطريق لرصد كواكب بعيدة يمكن أن تساعد البشرية مستقبلًا في الاقتراب من سؤال: هل نحن وحدنا في الكون؟









