المحكمة تفصل أولًا في جدية الخلاف ومقدار الأجرة المستحقة
هل يجوز إخلاء المستأجر عند النزاع على قيمة الإيجار؟ النقض تحدد القاعدة القانونية
إخلاء المستأجر عند النزاع على قيمة الإيجار لا يرتبط بمجرد مطالبة المالك بمبلغ يقول إنه مستحق، إذ أرست محكمة النقض قاعدة تقضي بضرورة فحص المنازعة الجدية حول مقدار الأجرة أو أصل استحقاقها قبل الفصل في طلب الإخلاء بسبب التأخر في السداد. ويعني ذلك أن المحكمة تتحقق أولًا من القيمة القانونية المستحقة ومدى جدية اعتراض المستأجر، ثم تبني حكمها في الإخلاء على النتيجة التي تنتهي إليها. ولا تمثل المنازعة وحدها حماية تلقائية من الإخلاء، لأن تقدير جديتها يظل من سلطة محكمة الموضوع وفق أوراق وظروف كل دعوى.
النقض تحدد شرط الفصل في طلب الإخلاء
جاء المبدأ القضائي في الطعن رقم 2491 لسنة 62 قضائية، الصادر بجلسة 30 ديسمبر 1992، حيث قررت محكمة النقض أن الحكم بالإخلاء بسبب التأخر في دفع الأجرة يفترض ثبوت تخلف المستأجر عن الوفاء بأجرة مستحقة قانونًا.
وأكدت المحكمة أنه متى أثار المستأجر منازعة جدية في مقدار الأجرة أو في استحقاقها، فإن المحكمة المعروض عليها طلب الإخلاء يجب أن تبحث هذا الخلاف باعتباره مسألة أولية، قبل أن تقرر ما إذا كانت شروط الإخلاء قد تحققت من عدمه.
وبالتالي لا يكفي وجود مطالبة مالية من المالك وحدها للحكم بالإخلاء إذا كان مقدار الأجرة محل نزاع قانوني جدي لم يُحسم بعد.
متى تعتبر المنازعة على الأجرة جدية؟
لا يعني مجرد اعتراض المستأجر على المبلغ المطلوب أن المحكمة ملزمة برفض الإخلاء أو وقف الفصل فيه.
وقضت محكمة النقض في الطعن رقم 7425 لسنة 63 قضائية، بجلسة 13 نوفمبر 1997، بأن تقدير مدى جدية المنازعة بشأن استحقاق الأجرة أو مقدارها يدخل في سلطة محكمة الموضوع، بشرط أن يستند حكمها إلى أسباب سائغة مستمدة من أوراق الدعوى.
فإذا تبين للمحكمة أن الخلاف حقيقي وله أساس قانوني يتعلق بتحديد مقدار الأجرة أو مدى استحقاق جزء منها، تعين عليها حسمه قبل الفصل في طلب الإخلاء.
أما إذا رأت أن الاعتراض غير جدي ولا يستند إلى أساس يؤثر في مقدار الأجرة المستحقة، فيجوز لها الاعتداد بالقيمة التي تثبت أمامها ومواصلة الفصل في دعوى الإخلاء وفق باقي الشروط القانونية.
وجود دعوى أخرى على قيمة الإيجار لا يحسم الأمر
وجود نزاع مستقل أمام محكمة أخرى بشأن مقدار الأجرة لا يعفي المحكمة التي تنظر دعوى الإخلاء من تحديد القيمة المستحقة اللازمة للفصل في الدعوى.
وأوضحت محكمة النقض أن المحكمة المعروض عليها طلب الإخلاء يجب أن تتثبت من مقدار الأجرة المستحقة قانونًا حتى تستطيع تحديد ما إذا كان المستأجر متأخرًا بالفعل في الوفاء بها، حتى إذا كان هناك نزاع آخر بشأن القيمة لم يصدر فيه حكم نهائي بعد.
وتظهر أهمية هذه القاعدة في الحالات التي يطالب فيها المالك بقيمة معينة، بينما يتمسك المستأجر بأن الأجرة القانونية مختلفة أو أن جزءًا من المبلغ المطلوب غير مستحق.
المبلغ الوارد في التكليف بالوفاء له أثر قانوني
قيمة الأجرة المطلوبة تكتسب أهمية إضافية في دعاوى الإخلاء الخاضعة للمادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981، إذ يرتبط قبول دعوى الإخلاء للتأخر في السداد بصحة التكليف بالوفاء في الحالات التي يوجبها القانون.
وسبق لمحكمة النقض أن قررت أن التكليف بالوفاء يُعد شرطًا أساسيًا لقبول دعوى الإخلاء في هذا النطاق، وأن تضمينه أجرة غير مستحقة قد يؤدي إلى بطلانه وعدم قبول الدعوى.
ومن ثم فإن تحديد المبلغ المستحق قانونًا لا يمثل مسألة حسابية فقط، وإنما قد ينعكس مباشرة على سلامة الإجراءات التي سبقت رفع دعوى الإخلاء.
القانون الجديد أبقى أسباب الإخلاء بالمادة 18
يكتسب هذا المبدأ أهمية في ملف الإيجار القديم بعد صدور القانون رقم 164 لسنة 2025، إذ نصت المادة السابعة منه على تطبيق حالات الإخلاء الجديدة التي أوردها القانون مع عدم الإخلال بأسباب الإخلاء المبينة في المادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981.
وبذلك لم يلغ القانون الجديد أسباب الإخلاء المرتبطة بالقواعد السابقة، وإنما أضاف حالات أخرى ضمن النظام القانوني الذي يحكم الوحدات المشمولة بأحكامه.
وتظل المنازعات المتعلقة بالأجرة وعدم السداد خاضعة لفحص المحكمة وفق القانون الواجب التطبيق على العقد وظروف كل حالة.
القاعدة لا تشمل جميع عقود الإيجار بنفس الصورة
يجب التفرقة بين العقود الخاضعة لقوانين إيجار الأماكن الاستثنائية وبين العقود الجديدة الخاضعة لأحكام القانون المدني والقانون رقم 4 لسنة 1996.
فالمبادئ المرتبطة بالمادة 18 من القانون رقم 136 لسنة 1981، ومنها إجراءات التكليف بالوفاء وضوابط الإخلاء في نطاقها، لا يجوز تطبيقها تلقائيًا على جميع عقود الإيجار الحديثة.
وفي العقود الخاضعة للقانون المدني تتحدد آثار عدم السداد والفسخ أيضًا وفق نصوص القانون وبنود العقد ونوع الشرط الفاسخ والإجراءات المتفق عليها، لذلك يظل تحديد النظام القانوني الذي يخضع له العقد خطوة أساسية قبل تقييم موقف المالك أو المستأجر.
متى يمكن أن ينتهي النزاع إلى الإخلاء؟
المنازعة الجدية على مقدار الأجرة لا تعني إسقاط حق المالك في طلب الإخلاء بصورة نهائية، وإنما تفرض حسم قيمة الأجرة أو استحقاقها أولًا.
فإذا انتهت المحكمة إلى تحديد الأجرة المستحقة وثبت بعد ذلك تخلف المستأجر عن الوفاء بها مع توافر باقي الشروط القانونية، يصبح طلب الإخلاء قابلًا للفصل على هذا الأساس.
أما إذا كشفت المنازعة أن المبلغ المطلوب لا يمثل الأجرة المستحقة قانونًا، فإن ذلك قد يؤثر في أساس دعوى الإخلاء أو في صحة الإجراءات السابقة عليها بحسب طبيعة العقد والقانون الذي يحكمه.
وبذلك تتمثل القاعدة الأساسية في أن الإخلاء بسبب عدم السداد لا يقوم على مجرد وجود مطالبة مالية، وإنما على ثبوت أجرة مستحقة قانونًا وعدم الوفاء بها واستكمال الشروط والإجراءات المقررة لكل نوع من عقود الإيجار.









