بيانات برلمانية تحذر من المحتوى المفبرك وقرارات تنظيمية لمواجهة المخالفات الرقمية
مخاطر الذكاء الاصطناعي في مصر.. تحذيرات برلمانية من تزييف الحقائق وإجراءات لمكافحة التضليل
تجددت التحذيرات بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي في مصر، عقب تصريحات برلمانية صدرت يومي 8 و9 أكتوبر 2026، تناولت قدرة التقنيات الحديثة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية يصعب تمييزها عن المحتوى الحقيقي. ودعت النائبة ولاء الصبان، عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، إلى تعزيز الوعي المجتمعي وعدم تداول المواد غير الموثوقة، بينما حذر نواب آخرون من استخدام التزييف العميق في تضليل المواطنين والإضرار بسمعة الأشخاص والمؤسسات. وتأتي هذه التصريحات في ظل إجراءات سبق أن اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تجاه حسابات مزيفة ومحتوى صوتي معدل بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب وجود تشريعات مصرية تنظم بعض صور الاعتداء على الخصوصية وانتحال الهوية إلكترونيًا.
تحذيرات برلمانية من مخاطر الذكاء الاصطناعي في مصر
طالبت النائبة ولاء الصبان، في بيان صدر الجمعة 9 أكتوبر، بتعزيز قدرة المواطنين على التحقق من المعلومات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع تطور الأدوات التي تسمح بإنشاء محتوى مرئي وصوتي يبدو حقيقيًا رغم عدم حدوث الوقائع التي يعرضها.
وأوضحت عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب أن التحدي لم يعد مرتبطًا بسرعة انتشار الأخبار فقط، وإنما امتد إلى صعوبة التمييز بين المواد الأصلية والمحتوى الذي جرى تصنيعه أو تعديله باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ورأت الصبان أن مشاركة المقاطع غير الموثوقة قد تسهم في توسيع نطاق التضليل، والتأثير في مواقف المواطنين تجاه قضايا مختلفة، فضلًا عن احتمال الإضرار بسمعة الأفراد والمؤسسات.
وأكدت أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تنمية التفكير النقدي، وتدريب الأفراد على مقارنة المعلومات بمصادرها الأصلية، مع مشاركة الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية في نشر الوعي الرقمي.
وفي تصريحات منفصلة يوم الخميس 8 أكتوبر، حذر النائب حازم توفيق، عضو مجلس النواب، من قدرة تقنيات التزييف العميق على محاكاة الوجوه والأصوات وطريقة الكلام، مشيرًا إلى أن مشاهدة مقطع فيديو لم تعد كافية وحدها لإثبات صحة الواقعة التي يعرضها.
وأوضح أن التلاعب قد يتم من خلال إنشاء محتوى جديد بالكامل، أو إضافة صوت مصطنع إلى مشاهد حقيقية، أو اقتطاع تسجيل أصلي وتقديمه خارج سياقه.
كما تحدثت النائبة هناء العبيسي عن تأثير المحتوى المضلل في الثقة العامة والاقتصاد، محذرة من استغلال التسجيلات المصطنعة في نشر معلومات غير صحيحة، بينما دعا النائب جلال القادري، وكيل لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، إلى تعزيز التوعية ومراجعة الأدوات التشريعية اللازمة لمواجهة إساءة استخدام التكنولوجيا.
وتظل هذه المواقف تصريحات ومطالبات صادرة عن أعضاء بالبرلمان، ولا تعني صدور قرار تشريعي جديد أو اعتماد عقوبات إضافية.
إجراءات رسمية ضد الحسابات المزيفة والمحتوى المعدل بالذكاء الاصطناعي
لم تقتصر مواجهة التضليل الإلكتروني على التحذيرات البرلمانية، إذ سبق أن اتخذ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إجراءات تنظيمية تتعلق بمحتوى مخالف وحسابات تنتحل صفات جهات رسمية.
ففي 31 أغسطس 2026، قررت لجنة الشكاوى بالمجلس استدعاء المسؤول عن الحسابات الإلكترونية لأحد المطاعم على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد رصد استخدام مقطع صوتي خاص بإذاعة القرآن الكريم جرى تعديله بتقنيات الذكاء الاصطناعي ووضعه في إعلان تجاري.
وأوضح المجلس أن سبب الاستدعاء يتعلق بمخالفة الأكواد الإعلامية والتعدي على حقوق الملكية الفكرية، وحدد الإجراء باعتباره استدعاءً لجلسة استماع، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا أو إعلانًا عن توقيع غرامة.
وفي إجراء آخر بتاريخ 27 يوليو 2026، وافق المجلس على حجب حسابين إلكترونيين مزيفين منسوبين إلى وزير البترول والثروة المعدنية والهيئة المصرية العامة للبترول، عقب شكوى تقدمت بها جهة مختصة.
وتتعلق هذه الواقعة بانتحال الهوية الإلكترونية، ولم يذكر البيان الرسمي أن الحسابين أُنشئا باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهو فارق مهم بين الحساب المزيف والمحتوى المصطنع بهذه التقنية.
كما أصدر المجلس في 5 سبتمبر بيانًا نفى فيه صحة أخبار وصور متداولة عن حادث مروري مزعوم على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، بعد مراجعة المعلومات مع الجهات المختصة وغرف العمليات المركزية.
وأكد المجلس عدم وجود بلاغات تؤيد الواقعة المنشورة، وحذر المواقع والصفحات من إعادة تداول المعلومات غير الصحيحة دون تحقق، مع الإشارة إلى الإجراءات التي يتيحها قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018.
وتوضح هذه الوقائع ثلاثة أشكال مختلفة من التضليل الإلكتروني، تشمل تعديل الصوت بالذكاء الاصطناعي، وانتحال الحسابات الرسمية، ونشر صور مضللة خارج سياقها، دون أن يكون جميعها بالضرورة ناتجًا عن تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ما القوانين التي تتعامل مع التزييف الإلكتروني في مصر؟
توجد بالفعل أحكام قانونية يمكن تطبيقها على بعض صور إساءة استخدام التكنولوجيا، وفي مقدمتها القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
وتتناول المادة 24 من القانون اصطناع حساب إلكتروني أو موقع أو بريد إلكتروني ونسبته زورًا إلى شخص طبيعي أو اعتباري، بينما تعالج المادة 25 صورًا من الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة ونشر معلومات أو أخبار أو صور تنتهك خصوصية الأشخاص دون رضاهم.
وتتناول المادة 26 استخدام البرامج أو التقنيات المعلوماتية في معالجة معطيات شخصية للغير وربطها بمحتوى مخالف للآداب العامة، أو إظهارها بطريقة تمس اعتبار صاحبها أو شرفه، وفق الشروط المنصوص عليها في القانون.
ولا يعني ذلك أن كل صورة أو فيديو يُنتج بالذكاء الاصطناعي يمثل جريمة تلقائيًا، إذ يتوقف الأمر على طبيعة المحتوى والغرض من استخدامه ومدى توافر عناصر المخالفة القانونية.
وفيما يخص المحتوى الإعلامي، ينظم القانون رقم 180 لسنة 2018 اختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والإجراءات المرتبطة بالمخالفات التي تقع ضمن نطاق سلطاته القانونية.
أما الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، فقد تضمنت مسارًا لتطوير منظومة الحوكمة والاستخدام المسؤول وإعداد تشريع متخصص لهذه التكنولوجيا.
وشهد مارس 2026 اعتماد المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي إطار الحوكمة الوطني والأدلة التوجيهية المرتبطة بالاستخدام المسؤول والذكاء الاصطناعي التوليدي، إلى جانب الموافقة على مقترح لإعداد دليل بشأن الاستخدام الآمن لتطبيقات الذكاء الاصطناعي للأطفال.
ويمثل اعتماد هذه الأدلة خطوة تنظيمية وإرشادية، لكنه يختلف عن صدور قانون جديد يحدد جرائم وعقوبات مستقلة. ولم يتضمن بيان ولاء الصبان إعلانًا عن إقرار تشريع خاص بالتزييف العميق.
كيف يمكن التحقق من الصور والفيديوهات المفبركة؟
تبدأ مواجهة المحتوى المضلل بالتأكد من المصدر الأصلي للصورة أو الفيديو، وعدم اعتبار ظهوره على حساب واسع الانتشار دليلًا كافيًا على صحته.
وتشمل خطوات التحقق مراجعة تاريخ النشر، والبحث عن النسخة الأولى من المقطع، ومقارنة ما يتضمنه بالبيانات الصادرة عن الجهة أو الشخصية المنسوبة إليها التصريحات.
ويمكن الاستعانة بالبحث العكسي عن الصور لمعرفة ما إذا كانت منشورة سابقًا في سياق مختلف، خصوصًا في الأخبار المتعلقة بالحوادث أو القرارات الحكومية أو الأحداث العامة.
أما التسجيلات الصوتية التي تتضمن طلب تحويل أموال أو الإفصاح عن بيانات شخصية، فينبغي التحقق من هوية صاحب الطلب باستخدام وسيلة اتصال مستقلة ومعروفة مسبقًا، بدل الاعتماد على الصوت وحده.
ولا يعد غياب العيوب الظاهرة في حركة الشفاه أو ملامح الوجه دليلًا قاطعًا على أصالة التسجيل، كما أن أدوات الكشف الآلي قد تخطئ في تصنيف المحتوى الحقيقي والمصطنع.
وتزداد أهمية هذه الإجراءات عندما يتعلق المحتوى بادعاءات قد تؤثر في سمعة شخص أو تدفع المواطنين إلى اتخاذ قرارات مالية أو قانونية بناءً على معلومات غير مثبتة.
الوعي الرقمي ومسؤولية المؤسسات في مواجهة التضليل
ربطت ولاء الصبان بين تطوير استخدامات الذكاء الاصطناعي وتعزيز الثقافة الرقمية، مؤكدة أن التكنولوجيا توفر فرصًا لتحسين الخدمات ودعم التنمية، لكن الاستفادة منها تحتاج إلى ضوابط تحد من إساءة استخدامها.
وشددت على أهمية تعريف الشباب والأطفال بطرق التلاعب بالمحتوى الإلكتروني، وتنمية القدرة على التمييز بين المعلومات الموثقة والمواد التي تعتمد على الإثارة دون تقديم مصدر واضح.
وتتوافق هذه الدعوة مع توجهات الحوكمة الوطنية التي تتضمن تعزيز الشفافية والمسؤولية وحماية حقوق الأفراد، لكنها لا تمثل إعلانًا عن برنامج تعليمي إلزامي جديد.
ويبقى الفارق الأساسي بين الوضع الحالي والمطالبات البرلمانية أن مصر تمتلك قوانين قائمة وإجراءات تنظيمية سبق تنفيذ بعضها، في حين تتعلق الدعوات الأخيرة بتوسيع الوعي المجتمعي وتطوير سبل مواجهة الاستخدامات الضارة للتقنيات الحديثة.









