وثيقتان منفصلتان وحكم قضائي سابق يحددان حقيقة التعاون في الطاقة

مذكرة النفط والغاز بين ليبيا وتركيا.. حكم بالإلغاء وتصديق مختلف

مذكرة النفط والغاز
مذكرة النفط والغاز بين ليبيا وتركيا

لا يشمل التصديق الأخير من مجلس النواب الليبي على مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا إقرارًا جديدًا لمذكرة التعاون في النفط والغاز الموقعة بين البلدين عام 2022، رغم ارتباط الوثيقتين بملف الموارد الطبيعية في البحر المتوسط. وتكشف مقارنة نصوص الاتفاقات والبيانات الرسمية أن مذكرة 2019 تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية، بينما تنظم مذكرة 2022 أوجه التعاون في استكشاف المحروقات وإنتاجها ونقلها. والأهم أن المذكرة الثانية واجهت مسارًا قضائيًا داخل ليبيا، انتهى بحسب تقارير قضائية منشورة بصدور حكم بإلغائها عام 2024، وهو ما يجعل التمييز بين الوثيقتين ضروريًا لفهم ما أقره البرلمان وما لم يقره.

ما الاتفاق الذي صدق عليه البرلمان الليبي؟

تحدد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019 مناطق الصلاحية البحرية بين الطرفين في البحر المتوسط، بما يشمل خطوطًا وإحداثيات تتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري.

وأوضح بيان مجلس النواب الليبي، الذي نقلته وكالة الأنباء الليبية عن المتحدث الرسمي عبدالله بليحق، أن التصويت تعلق بمذكرة تحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني السابقة.

وشمل التصويت إلغاء القرار رقم 1 لسنة 2020، الذي كان يتضمن رفض التصديق على مذكرتي تفاهم سابقتين بين حكومة الوفاق وتركيا، إلى جانب إلغاء القرار رقم 6 لسنة 2020 المتعلق بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

وهنا تبرز نقطة قانونية أساسية؛ فالمذكرتان اللتان تناولهما قرار الرفض القديم تعودان إلى ترتيبات عام 2019، ولا ينبغي الخلط بينهما وبين مذكرة التعاون في المحروقات التي وقعتها حكومة الوحدة الوطنية الليبية لاحقًا عام 2022.

ولم يعلن مجلس النواب، ضمن تفاصيل التصويت المنشورة، موافقة مستقلة على مذكرة المحروقات الموقعة عام 2022 أو قرارًا جديدًا يخص وضعها القضائي.

ماذا تتضمن مذكرة النفط والغاز بين ليبيا وتركيا؟

وقعت حكومة الوحدة الوطنية الليبية وتركيا مذكرة منفصلة للتعاون في مجال الهيدروكربونات، وهي الموارد التي تشمل النفط والغاز الطبيعي، وتتعلق بأنشطة تختلف عن تعيين الحدود البحرية.

وتوضح النسخة الأصلية للمذكرة، المنشورة ضمن الوثائق القانونية الليبية، أن نطاقها يتضمن التعاون العلمي والفني والتكنولوجي والقانوني والإداري والتجاري في قطاع المحروقات، سواء في المناطق البرية أو البحرية.

وتنص المادة الثانية على مجالات تشمل استكشاف الموارد النفطية والغازية وتطويرها وإنتاجها ونقلها وتكريرها وتوزيعها وتجارتها، إلى جانب تبادل الخبرات والتدريب والمشروعات الاستثمارية المشتركة.

وتتضمن الوثيقة دورًا محددًا للمؤسسة الوطنية للنفط الليبية وشركة البترول التركية «TPAO»، حيث تشير إلى مشاركة الشركة التركية في مشروعات برية وبحرية وفق الإجراءات والقوانين المعمول بها في ليبيا.

كما تتناول إمكانية إنشاء شراكات بين الشركتين، والاستفادة من سفن المسح الزلزالي والحفر، ودراسة التعاون في خطوط أنابيب النفط والغاز.

لكن هذه البنود لا تعني أن توقيع المذكرة يمثل بذاته ترخيصًا نهائيًا بالتنقيب في موقع بحري محدد، أو إعلانًا عن بدء استخراج الغاز، أو موافقة تلقائية على جميع المشروعات المحتملة.

وتؤكد مقدمة النص الأصلي أن برامج عمل المشروعات المقترحة غير ملزمة بذاتها، بينما تربط بنود أخرى تنفيذ التعاون بالمشروعات المختارة والمتفق عليها والإجراءات القانونية المعمول بها.

ماذا حدث لمذكرة التنقيب أمام القضاء الليبي؟

شهدت مذكرة المحروقات مسارًا قضائيًا منفصلًا عن الخلاف بشأن ترسيم الحدود البحرية، بعدما تقدم محامون ليبيون بطعن على الاتفاق الذي وقعته حكومة الوحدة الوطنية مع تركيا.

وفي يناير 2023، أصدرت الدائرة المختصة بالقضاء الإداري في محكمة استئناف طرابلس حكمًا بوقف تنفيذ مذكرة التعاون في الهيدروكربونات في الشق المستعجل، إلى حين الفصل في النزاع.

ثم أفادت تقارير قضائية ليبية منشورة في فبراير 2024 بصدور حكم من محكمة استئناف طرابلس بإلغاء المذكرة المتعلقة بالتعاون النفطي مع تركيا.

وأكدت المحامية ثريا الطويبي، وهي من المشاركين في الطعن، صدور الحكم لصالح مقدمي الدعوى، وفق التصريحات التي نقلتها التغطيات الليبية للواقعة.

ومن الضروري التمييز بين حكم وقف التنفيذ السابق وحكم الإلغاء اللاحق، لأن لكل منهما أثرًا إجرائيًا مختلفًا في النزاع القضائي.

ولم تتضح من الوثائق القضائية المتاحة للمراجعة تفاصيل أي طعون لاحقة محتملة أو ما إذا كانت قد صدرت أحكام جديدة غيرت الوضع الذي انتهت إليه تلك التغطيات؛ لذلك لا يصح تقديم حكم 2024 باعتباره حسمًا نهائيًا لجميع المراحل القضائية دون الاطلاع على سجل القضية كاملًا.

ولا يترتب على تصديق البرلمان الليبي على مذكرة الحدود البحرية إلغاء الحكم المتعلق بمذكرة المحروقات تلقائيًا، لأن الأمر يتعلق بوثيقتين مختلفتين ومسارين قانونيين منفصلين.

متى يصبح التعاون النفطي مشروعًا قابلًا للتنفيذ؟

تكشف المادة السابعة من مذكرة المحروقات عن شرط إضافي يتعلق بدخولها حيز النفاذ، إذ تربط ذلك بتبادل الإخطارات الدبلوماسية المكتوبة التي تفيد استكمال الإجراءات القانونية الداخلية اللازمة لدى الطرفين.

كما تحدد الوثيقة مدة أصلية تبلغ ثلاث سنوات، مع أحكام للتجديد والإنهاء، وهو ما يجعل إثبات سريانها في أي مرحلة مرتبطًا بالإجراءات المنصوص عليها، فضلًا عن التطورات القضائية التي لحقت بها.

أما الانتقال من إطار التعاون العام إلى مشروع تنقيب فعلي، فيحتاج إلى ترتيبات تخص المشروع نفسه، والجهات المنفذة، والمناطق محل العمل، والموافقات المطلوبة وفق القواعد القانونية المختصة.

ولهذا تختلف الموافقة على إطار للتعاون النفطي عن إبرام عقد تنفيذي محدد، كما يختلف الاثنان عن بدء أعمال الحفر أو الإنتاج على الأرض.

ولا تقدم بيانات التصديق البرلماني البحري وحدها دليلًا على صدور تراخيص جديدة للشركة التركية أو بدء أعمال تنقيب جديدة بموجب مذكرة المحروقات.

وتظل أي خطوة تنفيذية من هذا النوع بحاجة إلى إعلان مستقل أو وثائق مختصة تثبت طبيعتها وموقعها وأطرافها.

الفرق القانوني بين ترسيم الحدود واستغلال موارد الغاز

يعالج ترسيم الحدود البحرية سؤالًا يتعلق بالنطاق الجغرافي الذي تتمسك كل دولة بممارسة حقوقها السيادية داخله، بينما تتناول ترتيبات التعاون النفطي كيفية تنفيذ أنشطة اقتصادية أو فنية في مناطق معينة.

وقد ترتبط المسألتان من حيث المصالح الاقتصادية، لكن العلاقة بينهما لا تجعل كل اتفاق لترسيم الحدود تصريحًا بالتنقيب، ولا تحول أي مذكرة تعاون في الطاقة إلى اتفاق جديد لتحديد الحدود البحرية.

وتزداد أهمية هذا الفصل في شرق المتوسط، حيث توجد مطالبات متعارضة بين دول المنطقة بشأن نطاقات الصلاحية البحرية، بما يؤثر على تقييم الأنشطة التي قد تنفذ داخل المناطق محل الخلاف.

وعليه، فإن التطور الذي أعلنه مجلس النواب الليبي يتعلق باعتماد مذكرة تحديد مناطق الصلاحية البحرية، بينما يحتاج تقييم وضع مذكرة التعاون في النفط والغاز إلى مراجعة مستقلة لنصها الأصلي وأحكام القضاء والإجراءات القانونية المرتبطة بها.

والنتيجة أن تصديق الاتفاق البحري لا يثبت بمفرده إعادة إحياء مذكرة المحروقات الملغاة بحكم قضائي سابق، ولا يثبت انطلاق مشروعات حفر أو إنتاج جديدة. ويظل الإعلان عن أي اتفاق تنفيذي أو تطور قضائي لاحق هو الأساس لتحديد ما إذا كان التعاون في هذا المجال قد انتقل إلى مرحلة جديدة.

تم نسخ الرابط