حسن عبد الله يوضح شروط تثبيت الجنيه ومؤشرات سوق الصرف
الدولار فوق 55 جنيهًا.. لماذا لا تثبت مصر سعره؟ محافظ المركزي يجيب
استبعد حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، ملاءمة نظام سعر الصرف الثابت لطبيعة الاقتصاد المصري، موضحًا أن تثبيت قيمة الجنيه أمام الدولار يحتاج إلى مقومات اقتصادية لا تتوافر جميعها في مصر. وجاء توضيحه خلال جلسة «موارد النقد الأجنبي وإدارة الدين» بمنتدى مصر 2026، بالتزامن مع تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا في البنوك خلال تعاملات الخميس. وأكد المحافظ تمسك البنك المركزي بسياسة سعر الصرف المرن، باعتبارها وسيلة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية، بدلًا من استنزاف الموارد للدفاع عن سعر محدد. وتكشف بيانات البنك المركزي وصندوق النقد الدولي عن الفارق بين الحفاظ على قيمة العملة واستقرار سوق النقد الأجنبي.
لماذا لا تعتمد مصر سعر الصرف الثابت؟
حدد محافظ البنك المركزي مجموعة من المقومات التي يحتاجها الاقتصاد قبل تطبيق نظام ثابت لسعر الصرف، من بينها الارتباط التجاري القوي بدولة أو مجموعة دول، والتقارب في مستويات التضخم وأسعار الفائدة، إلى جانب امتلاك احتياطيات دولية مناسبة لدعم هذا النظام.
وأوضح أن هذه الظروف لا تنطبق بصورة كافية على الاقتصاد المصري، الذي يرتبط بمعاملات تجارية واستثمارية مع أسواق متعددة، ولا يعتمد على شريك تجاري واحد يمكن ربط العملة المحلية بعملته دون التعرض لاختلالات اقتصادية.
وأشار حسن عبد الله إلى أن استقرار سعر الدولار عند مستوى محدد كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره مؤشرًا على نجاح الإدارة الاقتصادية، رغم أن الدفاع عن هذا المستوى قد يتعارض مع التغيرات الفعلية في العرض والطلب على النقد الأجنبي.
ويرى المحافظ أن تحرك سعر الصرف استجابة للظروف الاقتصادية أمر طبيعي، بينما قد يكون ثباته رغم تغير هذه الظروف مدعاة للقلق، خاصة عندما لا يعكس السعر المعلن حجم الطلب الحقيقي على العملات الأجنبية.
ماذا يعني تجاوز الدولار 55 جنيهًا في ظل سعر الصرف المرن؟
تجاوز الدولار مستوى 55 جنيهًا خلال تعاملات الخميس 22 أكتوبر، بعدما سجل في البنك الأهلي المصري 55.25 جنيه للشراء و55.35 جنيه للبيع، مقابل 54.33 جنيه للشراء و54.43 جنيه للبيع في قراءة سابقة خلال اليوم نفسه.
وبذلك ارتفع سعر شراء الدولار وبيعه في البنك الأهلي بمقدار 92 قرشًا بين القراءتين، وهي حركة تعكس تغير التسعير المصرفي خلال الجلسة، دون أن تمثل وحدها دليلًا على نجاح سياسة الصرف أو فشلها.
وبحسب حسن عبد الله، فإن البنك المركزي لا يستهدف الدفاع عن قيمة محددة للدولار، وإنما يعمل على توفير سوق تسمح بتحديد سعر العملة وفق العرض والطلب، مع الحفاظ على استقرار القطاع المصرفي وقدرته على توفير النقد الأجنبي.
وأوضح أن البنك المركزي لا يحدد سعر العملة بما يلائم مصالح فئة اقتصادية بعينها، مستشهدًا باعتراضات بعض المصدرين عندما انخفض الدولار إلى مستويات أقل أمام الجنيه.
ويعني ذلك أن السياسة المعلنة لا تستهدف رفع الدولار باستمرار أو خفضه بصورة دائمة، بل السماح بتحرك السعر في الاتجاهين بحسب ظروف السوق، دون تقديم ضمان بأن يبقى عند مستوى معين.
كيف تغيرت موارد الدولار منذ التحول إلى سعر الصرف المرن؟
ربط محافظ البنك المركزي بين التحول إلى مرونة سعر الصرف في مارس 2024 وتحسن مجموعة من المؤشرات المتعلقة بالنقد الأجنبي، من بينها الاحتياطيات الدولية وتحويلات المصريين بالخارج وانتظام توفير العملة للمستوردين والأنشطة الاقتصادية.
وتكشف البيانات الرسمية عن وصول صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57.348 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2026، وفق الرقم الأولي الذي أعلنه البنك المركزي في 7 أكتوبر، مقارنة بنحو 33 مليار دولار خلال مرحلة الضغوط السابقة التي استعرضها المحافظ.
وفي ملف تحويلات المصريين بالخارج، أظهرت البيانات الرسمية ارتفاع الحصيلة من 21.9 مليار دولار خلال السنة المالية 2023/2024 إلى 36.5 مليار دولار خلال 2024/2025، ثم إلى 47.3 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026.
وتوضح هذه الأرقام أن الزيادة في التحويلات تجاوزت 25 مليار دولار بين السنتين الماليتين 2023/2024 و2025/2026، دون أن يعني ذلك إمكانية نسبة الزيادة بالكامل إلى سياسة سعر الصرف وحدها، إذ تتأثر التحويلات بعوامل اقتصادية ومصرفية أخرى.
كما أشار حسن عبد الله إلى تحول صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي من عجز بنحو 30 مليار دولار إلى فائض بالقيمة نفسها، وفق الأرقام التي عرضها خلال المنتدى.
وأكد عودة النشاط إلى سوق التعاملات الدولارية بين البنوك، المعروفة بسوق الإنتربنك، بمتوسط تداولات يبلغ نحو 500 مليون دولار يوميًا، مع وصول التعاملات إلى ملياري دولار خلال بعض الأيام.
ويرتبط هذا التطور بقدرة البنوك على تبادل السيولة الدولارية فيما بينها، بدلًا من استمرار نقص العملة الأجنبية وتعطل بعض المعاملات نتيجة عدم توافرها.
هل تعني مرونة سعر الصرف عدم تأثر الأسعار بارتفاع الدولار؟
لا تمنع مرونة سعر الصرف انتقال بعض آثار ارتفاع الدولار إلى الأسعار المحلية، خصوصًا بالنسبة إلى السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج التي تعتمد على النقد الأجنبي.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي، ضمن مراجعته الاقتصادية لمصر المنشورة في 2026، إلى أن انخفاض قيمة الجنيه قد يؤدي إلى زيادة معدل التضخم، مع اختلاف حجم التأثير وتوقيته بحسب الظروف الاقتصادية.
وفي المقابل، يرى الصندوق أن مرونة سعر الصرف تساعد على امتصاص الصدمات الخارجية وتدفقات رؤوس الأموال المتقلبة، بدلًا من تحميل الاحتياطيات الدولية عبء الدفاع المستمر عن مستوى محدد للعملة.
وتظهر أحدث بيانات التضخم الرسمية أن المعدل السنوي العام لأسعار المستهلكين في الحضر بلغ 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس، بينما سجل التضخم الأساسي 14.1% مقارنة بنحو 14.9% في الشهر السابق.
ويعكس ذلك انخفاض معدل التضخم السنوي بين الشهرين، لكنه لا يعني انخفاض المستوى العام لأسعار السلع والخدمات، إذ يظل التضخم موجبًا رغم تباطؤ وتيرته.
ما الفرق بين تثبيت الدولار وتحقيق الاستقرار الاقتصادي؟
يختلف نظام سعر الصرف الثابت عن استقرار سوق النقد الأجنبي؛ فالأول يقوم على الحفاظ على سعر أو نطاق محدد للعملة، بينما يرتبط الثاني بانتظام توافر النقد الأجنبي وإمكانية تنفيذ المعاملات المصرفية دون تراكم طلبات غير ملباة.
وفي هذا السياق، أكد محافظ البنك المركزي أن الاقتصاد الحقيقي يمثل المصدر الأساسي لتدفقات الدولار بصورة مستدامة، من خلال الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات، وليس من خلال سياسات تسعير العملة وحدها.
كما أشار إلى عدم وجود متأخرات في تدبير النقد الأجنبي حتى وقت حديثه، باعتبار ذلك من المؤشرات التي يستند إليها في تقييم تحسن أداء سوق الصرف مقارنة بمرحلة الأزمة السابقة.
وتتوافق هذه الرؤية مع تأكيد صندوق النقد الدولي في مراجعته الأخيرة أهمية استمرار مرونة سعر الصرف، إلى جانب السياسات النقدية والمالية المناسبة، للحفاظ على الاحتياطيات والحد من آثار الصدمات الخارجية.
وتوضح تصريحات حسن عبد الله أن تجاوز الدولار 55 جنيهًا لم يصاحبه إعلان عن العودة إلى تثبيت سعر الصرف أو تحديد مستوى مستهدف جديد للجنيه، بل تأكيد استمرار السياسة القائمة على مرونة التسعير.









