تصريحات إثيوبية جديدة تدفع بكري لطرح أربعة مسارات لحماية المصالح المصرية
مصطفى بكري يحذر من مساومة إثيوبية بشأن مياه النيل مقابل منفذ بالبحر الأحمر
حذر الإعلامي وعضو مجلس النواب مصطفى بكري من محاولة ربط ملف مياه النيل وسد النهضة بمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، معتبرًا أن تحويل القضيتين إلى معادلة تفاوضية واحدة قد يضع الحقوق المائية المصرية في موضع مساومة سياسية. وجاء تحذيره خلال برنامج «حقائق وأسرار» المذاع مساء الخميس 5 نوفمبر 2026 على قناة صدى البلد، عقب تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا دعا فيها القاهرة إلى دعم مشروعات بلاده والمساعدة في حصولها على منفذ بحري، باعتبار أن ذلك قد يفتح المجال أمام تفاهمات بشأن النيل. وطرح بكري أربعة مسارات يرى ضرورة التحرك من خلالها لحماية المصالح المصرية، دون أن تمثل هذه المقترحات قرارات حكومية جديدة أو اتفاقًا بين القاهرة وأديس أبابا.
وتأتي تصريحات مصطفى بكري بعد ثلاثة أيام من صدور بيان مصري سوداني مشترك في 2 نوفمبر 2026، أكد ترابط الأمن المائي للبلدين، ورفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، والتمسك باحترام سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر.
ويثير الجمع بين الملفين تساؤلًا يتعلق بطبيعة المطالب الإثيوبية: هل تستهدف أديس أبابا فتح مجال أوسع للتعاون الإقليمي، أم تسعى إلى ربط التقدم في مفاوضات المياه بموقف القاهرة من طموحاتها البحرية؟
مصطفى بكري يحذر من تحويل مياه النيل إلى ورقة مساومة
اعتبر مصطفى بكري أن الحديث الإثيوبي عن إمكانية التفاهم بشأن مياه النيل مقابل دعم الحصول على منفذ بحري يستدعي موقفًا واضحًا يفصل بين حق الدول في التنمية وبين الالتزامات المتعلقة بالأنهار الدولية المشتركة.
وأكد خلال برنامجه أن مصر لا تعارض التنمية الاقتصادية في إثيوبيا أو استفادة الشعب الإثيوبي من موارده الطبيعية، بما يشمل مشروعات الكهرباء والطاقة.
لكنه شدد على أن التعاون الاقتصادي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للضغط السياسي في ملف يرتبط بالأمن المائي المصري والسوداني.
وقال بكري إن تحويل مياه النيل إلى ورقة للمساومة ليس في مصلحة إثيوبيا، مؤكدًا أن أهمية البحر الأحمر تتجاوز كونه ممرًا بحريًا، نظرًا إلى دوره في حركة التجارة الدولية واتصاله بقناة السويس ومضيق باب المندب.
وتعبر هذه التصريحات عن تقييم بكري للتطورات الأخيرة، ولا تعني صدور إعلان حكومي جديد عن وجود صفقة تفاوضية أو رفض مقترح رسمي مكتوب قدمته إثيوبيا إلى مصر.
فالمعلومات المتاحة تتعلق بتصريحات علنية لوزير إثيوبي، ولم تتضمن إعلانًا عن بدء مفاوضات مشتركة تجمع ملف سد النهضة بترتيبات الوصول البحري.
ما الذي طلبه وزير المياه والطاقة الإثيوبي من مصر؟
جاءت تصريحات مصطفى بكري عقب حديث لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، نُشرت مقتطفات منه يوم الخميس 5 نوفمبر 2026.
ودعا الوزير القاهرة إلى المساهمة بصورة إيجابية في مشروعات التنمية الإثيوبية، بما يشمل مشروعات سدود جديدة تعتزم أديس أبابا تنفيذها على روافد النيل.
كما طرح إمكانية أن تساعد مصر بلاده في الحصول على منفذ بحري، معتبرًا أن التعاون في هذا المجال قد يفتح الباب أمام تفاهمات بشأن القضايا المائية.
وفي تصريحات أخرى نشرتها وسائل الإعلام الإثيوبية في اليوم نفسه، أكد إيتيفا تمسك بلاده بتطوير مواردها المائية، ورفض اشتراط الحصول على موافقة دولة أخرى قبل إقامة المشروعات.
وتجمع هذه المواقف بين مطالبة مصر بالتعاون مع إثيوبيا، وتأكيد استمرار أديس أبابا في سياساتها المتعلقة بتنمية الموارد المائية.
لكنها لا تتضمن، وفق المعلومات المنشورة، عرضًا تفصيليًا يحدد ما الذي ستقدمه إثيوبيا لدولتي المصب مقابل المساعدة المصرية المطلوبة.
كما لم تتضمن ضمانات محددة تتعلق بتشغيل سد النهضة خلال سنوات الجفاف، أو جدولًا زمنيًا لتبادل المعلومات المائية، أو مشروع اتفاق قانوني جديد.
ويشكل غياب هذه التفاصيل أحد الأسباب التي دفعت مصطفى بكري إلى التشديد على ضرورة الفصل بين التصريحات السياسية والالتزامات القانونية الفعلية.
أربعة مسارات يطرحها مصطفى بكري لحماية مياه النيل وأمن البحر الأحمر
لم يقتصر حديث مصطفى بكري على التحذير من الربط بين ملفي المياه والموانئ، وإنما تناول مجموعة من المسارات التي يرى أهمية استمرار التحرك المصري من خلالها.
ويتمثل المسار الأول في الحفاظ على موقف مصري سوداني موحد، انطلاقًا من أن البلدين يقعان في اتجاه المصب ويتشاركان مصالح مائية مرتبطة بإدارة نهر النيل.
ويرى بكري أن التنسيق بين القاهرة والخرطوم يمنع التعامل مع الحقوق والمخاوف المائية لكل دولة باعتبارها قضية منفصلة عن الأخرى.
أما المسار الثاني فيرتبط باستمرار الاتصالات الدبلوماسية مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بهدف حماية أمن الملاحة واحترام سيادة الدول الساحلية ومنع فرض ترتيبات أحادية تؤثر على استقرار المنطقة.
ويتركز المسار الثالث على التمسك بالتفاوض والإطار القانوني لمعالجة الخلاف بشأن سد النهضة، وصولًا إلى اتفاق ملزم ينظم قواعد التشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد.
ويتضمن هذا المسار، بحسب ما طرحه بكري، أهمية تبادل المعلومات والبيانات الفنية المتعلقة بإدارة السد، بما يتيح لدولتي المصب متابعة التطورات والاستعداد للظروف المائية المختلفة.
أما المسار الرابع فيتعلق بعدم إغلاق الباب أمام التعاون الاقتصادي مع إثيوبيا ودول حوض النيل، بشرط أن يقوم على المصالح المتبادلة واحترام حقوق جميع الأطراف.
وتكشف هذه المسارات عن تمييز بين استمرار الحوار الاقتصادي والدبلوماسي من جهة، ورفض تحويل الحقوق المائية أو سيادة الدول إلى مقابل سياسي من جهة أخرى.
ومن الضروري الإشارة إلى أن تلك المسارات تمثل مقترحات وتقييمات عرضها مصطفى بكري، وليست إعلانًا عن خطة حكومية جديدة صدرت خلال البرنامج.
ما موقف مصر والسودان المعلن من ملف سد النهضة؟
يجد حديث مصطفى بكري عن أهمية الموقف المصري السوداني المشترك أساسًا في البيان الرسمي الصادر عن وزراء الخارجية والري في البلدين يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026.
فقد عقد الجانبان في القاهرة الجولة الثالثة من اجتماعات آلية التشاور الوزارية المشتركة، بمشاركة وزيري الخارجية والموارد المائية المصريين ونظيريهما السودانيين.
وأكد البيان أن الأمن المائي للبلدين مترابط، مع التمسك بحقوقهما واستخداماتهما المائية استنادًا إلى اتفاقية عام 1959.
كما جدد الجانبان رفضهما الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، معتبرين أن الإدارة الإثيوبية للسد دون إطار قانوني ملزم تمثل مصدر تهديد مستمر لمصالح دولتي المصب.
وطالب البيان باستعادة التعاون وفق مبادئ القانون الدولي ذات الصلة، وفي مقدمتها عدم التسبب في ضرر والإخطار المسبق والتشاور والتوافق.
وتختلف هذه المطالب الرسمية عن طرح مصطفى بكري؛ فهي موقف حكومي مشترك صدر عن الجهات المختصة، بينما يمثل حديث الإعلامي تعليقًا سياسيًا يدعو إلى التمسك بالمبادئ المعلنة وتطوير التحرك بشأنها.
كذلك صدر البيان المصري السوداني قبل تصريحات الوزير الإثيوبي الأخيرة بثلاثة أيام، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره ردًا رسميًا صدر بعد حديث إيتيفا يوم 5 نوفمبر.
لماذا يطالب بكري باتفاق قانوني ملزم بدلًا من الوعود السياسية؟
يرتبط أحد المحاور الأساسية في حديث مصطفى بكري بالسؤال عما إذا كانت إثيوبيا مستعدة لقبول ترتيبات قانونية محددة لإدارة سد النهضة.
وتتمثل أهمية هذه النقطة في أن التصريحات الداعية إلى التعاون لا تحدد وحدها التزامات الدول أو وسائل التعامل مع الخلافات التي قد تنشأ خلال تشغيل السد.
فالاتفاق الملزم بشأن التشغيل يمكن أن ينظم تبادل البيانات والتنسيق خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، إضافة إلى الإجراءات الواجب اتباعها عند حدوث ظروف مائية استثنائية.
وتطالب مصر والسودان منذ سنوات بوجود قواعد متفق عليها بشأن السد، بينما تتمسك إثيوبيا بموقفها المتعلق بحقها في تنمية مواردها المائية وإدارة مشروعاتها.
وفي تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي المنشورة يوم 5 نوفمبر، أكد أن بلاده لا تعتزم منع تدفق مياه النيل إلى دول المصب، معتبرًا أن النهر مورد مشترك يمكن أن تستفيد منه جميع دول الحوض.
لكن هذا التصريح يعبر عن الموقف الإثيوبي المعلن، ولا يمثل في ذاته اتفاقًا فنيًا أو قانونيًا بشأن كيفية إدارة السد في مختلف الظروف.
ومن هنا يأتي تساؤل بكري بشأن الضمانات التي يمكن أن تحول الحديث عن التعاون إلى التزامات واضحة وقابلة للتطبيق.
هل تسعى إثيوبيا إلى ميناء بربرة على البحر الأحمر؟
يرتبط ملف المنفذ البحري بموقع إثيوبيا الجغرافي، بعدما أصبحت دولة غير ساحلية عقب استقلال إريتريا عام 1993.
ومنذ ذلك الحين، تعتمد التجارة الإثيوبية الخارجية بدرجة كبيرة على موانئ الدول المجاورة، في مقدمتها جيبوتي.
وخلال السنوات الماضية، سعت أديس أبابا إلى توسيع خيارات الوصول البحري، ومن أبرز التحركات المرتبطة بهذا الملف مذكرة التفاهم التي أبرمتها في يناير 2024 مع سلطات إقليم أرض الصومال بشأن ترتيبات للوصول إلى الساحل.
وأثارت المذكرة اعتراض الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي اعتبرتها مساسًا بسيادتها ووحدة أراضيها.
ويبرز اسم ميناء بربرة في هذا السياق، لكنه يقع جغرافيًا على الساحل الجنوبي لخليج عدن، وليس داخل البحر الأحمر نفسه.
وتأتي أهميته الاستراتيجية من قربه من مضيق باب المندب، الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، وما يترتب على ذلك من صلات مباشرة بمسارات الملاحة المؤدية إلى قناة السويس.
ولم تتضمن التصريحات المنشورة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي يوم 5 نوفمبر تحديدًا قاطعًا لميناء بربرة باعتباره الموقع الوحيد المطلوب ضمن دعوته الموجهة إلى مصر.
ولذلك يبقى من المهم التمييز بين الخلافات السابقة حول ميناء بربرة، وبين المطالب الإثيوبية الأوسع بالحصول على منفذ بحري.
الفرق بين الوصول التجاري إلى الموانئ والسيطرة على منفذ بحري
لا تعني المطالبة الإثيوبية بالوصول إلى البحر بالضرورة طلب امتلاك أرض ساحلية أو السيطرة على ميناء تابع لدولة أخرى.
فهناك ترتيبات تجارية تسمح للدول غير الساحلية باستخدام الموانئ وخدمات النقل والعبور عبر الدول المجاورة، وفق اتفاقات تنظم الحقوق والالتزامات المتبادلة.
وفي ديسمبر 2024، وقعت إثيوبيا والصومال إعلان أنقرة بوساطة تركية، وأكد الطرفان خلاله احترام السيادة ووحدة الأراضي، مع الاتفاق على بحث ترتيبات تجارية تتيح لإثيوبيا الوصول المستدام إلى البحر تحت السيادة الصومالية.
وشمل الإعلان إمكانية التوصل إلى صيغ تعاقدية مثل التأجير والاتفاقات التجارية، دون إقرار نقل السيادة على أي أراضٍ ساحلية.
وفي المقابل، يرتبط الخلاف السياسي والأمني بمدى وجود ترتيبات قد تمس سيادة الدول الساحلية أو تتضمن وجودًا عسكريًا يثير اعتراضها.
وقد ميز البيان المصري السوداني الصادر يوم 2 نوفمبر بين احترام حرية الملاحة من جهة، ورفض أي نفاذ بحري لدولة غير مشاطئة يأتي على حساب سيادة الدول المطلة على البحر الأحمر أو وحدة أراضيها من جهة أخرى.
ويساعد هذا التمييز على فهم طبيعة التحذير الذي أطلقه مصطفى بكري، إذ لا يتعلق الأمر بمجرد استخدام الموانئ في التجارة، وإنما بالشروط التي قد ترتبط بالحصول على منفذ بحري وطريقة إدخال ملف مياه النيل ضمن هذه الترتيبات.
ما علاقة البحر الأحمر وباب المندب بالمصالح المصرية؟
يرتبط البحر الأحمر بالمصالح المصرية من خلال قناة السويس وحركة الملاحة الدولية والتجارة التي تمر بين البحر المتوسط والمحيط الهندي.
ويؤدي مضيق باب المندب دورًا أساسيًا في هذا المسار، باعتباره نقطة عبور بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وتتأثر أهمية هذه المنطقة بتشابك مصالح الدول الساحلية والدول التي تعتمد على التجارة البحرية، فضلًا عن الاعتبارات الأمنية المرتبطة بحماية السفن والموانئ.
ولهذا شدد مصطفى بكري على أن البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، معتبرًا أن أي ترتيبات جديدة في المنطقة ينبغي النظر إليها في ضوء تأثيراتها المحتملة على أمن الملاحة واستقرار الدول.
لكن الحديث عن أهمية البحر الأحمر وقناة السويس لا يعني أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة ترتب عليها تغيير فعلي في حركة السفن أو فرض ترتيبات بحرية جديدة.
فحتى مساء 5 نوفمبر 2026، لم يُعلن عن اتفاق مصري إثيوبي يمنح أديس أبابا منفذًا بحريًا، كما لم يظهر قرار يتعلق بتغيير قواعد الملاحة في البحر الأحمر بسبب هذه التصريحات.
هل يمثل تحذير مصطفى بكري موقفًا حكوميًا جديدًا؟
يمثل التحذير الذي أطلقه مصطفى بكري تقييمًا سياسيًا وإعلاميًا للتصريحات الإثيوبية، ولا ينبغي الخلط بينه وبين موقف رسمي يصدر عن وزارة الخارجية أو رئاسة الجمهورية.
فقد وصف بكري الربط بين التعاون في ملف المياه والمساعدة في الحصول على منفذ بحري باعتباره محاولة للمساومة، ودعا إلى التمسك بالضمانات القانونية والتنسيق الإقليمي.
أما الموقف الرسمي المصري الموثق، فيستند إلى التصريحات والبيانات الصادرة عن الجهات الحكومية المختصة، وفي مقدمتها بيان 2 نوفمبر المشترك مع السودان، الذي أكد حماية الحقوق المائية واحترام سيادة الدول المشاطئة للبحر الأحمر.
ولا توجد في المعلومات المعلنة حتى مساء الخميس وثيقة اتفاق جديدة تنظم تبادل التزامات بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة والمنفذ البحري.
كما لم يجر الإعلان عن موافقة مصرية على تمويل سدود إثيوبية جديدة أو دعم ترتيبات بحرية مقابل تعهدات مائية.
وبذلك تتمثل أهمية تصريحات مصطفى بكري في طرح أربعة مسارات للتعامل مع التداخل السياسي بين ملفي النيل والبحر الأحمر، والتحذير من الاكتفاء بوعود التعاون دون قواعد قانونية واضحة.
ويظل السؤال المطروح بعد تصريحات الوزير الإثيوبي مرتبطًا بإمكانية الانتقال من الحديث السياسي عن التفاهمات إلى مفاوضات محددة وموثقة، مع استمرار تمسك القاهرة والخرطوم بالموقف المعلن بشأن الأمن المائي وسيادة الدول الساحلية.









