من شارع القسيس لزمن الاستقطاب : ماهر فرغلي يروي تفاصيل التحول الخطير في علاقة المسلمين والمسيحيين بالمنيا
الكاتب ماهر فرغلي .. في شهادة إنسانية تحمل قدرًا كبيرًا من المكاشفة، استعاد الباحث في شؤون الحركات الإسلامية ماهر فرغلي ملامح طفولته في محافظة المنيا، متوقفًا عند سنوات التعايش الهادئ بين المسلمين والمسيحيين، قبل أن تتبدل الصورة – بحسب وصفه – مع صعود خطاب جماعات متشددة غيّر ملامح المجتمع وأدخل بذور الفرقة إلى قرى عُرفت طويلًا بروحها المشتركة.
ماهر فرغلي يروي ملامح طفولة بلا حواجز طائفية
يتحدث فرغلي عن نشأته في شارع عُرف باسم "شارع القسيس"، حيث كانت البيوت متجاورة بلا حساسيات دينية. نصف السكان تقريبًا من الأسر المسيحية، والنصف الآخر من المسلمين، لكن المشهد اليومي – كما يرويه – لم يكن يعرف هذا التصنيف.
أطفال يلعبون الكرة معًا، زيارات متبادلة داخل البيوت، حضور للأفراح سواء أُقيمت في قاعة أو داخل كنيسة، وتهانٍ متبادلة في الأعياد. كانت العلاقات – بحسب وصفه – أقرب إلى روابط العائلة الممتدة، حيث تختلط الألقاب وتغيب المسافات.
ماهر فرغلي والتعليم المشترك وبدايات الوعي
يروي الباحث المصري أنه تلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة "الغيطاس التجريبية"، وحقق ترتيبًا متقدمًا بين زملائه. خلال تلك المرحلة، تلقى دروسًا خاصة لدى معلمة قبطية تركت أثرًا بالغًا في تكوينه المعرفي والإنساني، وظل – كما قال – ممتنًا لها لما منحته إياه من دعم وتوجيه.
ويؤكد أن مدينته كانت تضم قرى كاملة ذات أغلبية مسيحية، دون أن يشكل ذلك يومًا سببًا للاحتقان أو الشعور بالتمييز، معتبرًا أن مفهوم المواطنة كان يُمارس عمليًا دون شعارات.
ماهر فرغلي وتحول المشهد مع صعود الخطاب المتشدد
بحسب روايته، لم تظهر مشاعر الكراهية أو العزلة إلا مع انتشار أفكار بعض الجماعات الإسلامية، وما صاحبها من منشورات وخطابات وصفها بأنها غذّت الانقسام وروّجت لمفاهيم إقصائية.
ويرى أن هذا الخطاب لم يقتصر أثره على الجانب الفكري، بل انعكس على العلاقات اليومية داخل القرى، فبدّل – على حد قوله – شكل التعايش الذي كان قائمًا، وأدخل حالة من الاستقطاب لم تكن مألوفة في السابق.
ماهر فرغلي والأدب كتوثيق للتحولات الاجتماعية
لم يكتفِ فرغلي بسرد تجربته عبر منصات التواصل، بل وثّق رؤيته في عمل روائي حمل عنوان الشيخ عبادة، والمستوحى اسمه من إحدى قرى المنيا. صدرت الرواية عن دار ميريت للنشر، وتتناول – من خلال بطلة قبطية – تحولات القرية تحت تأثير التيارات المتشددة.
يؤكد الكاتب أن العمل الروائي حاول رصد التغيرات التي طرأت على النسيج الاجتماعي، وكيف يمكن للأفكار المتطرفة أن تعيد تشكيل الواقع، لا فقط عبر السياسة، بل داخل تفاصيل الحياة اليومية.
رسالة استعادة روح المواطنة
في ختام شهادته، شدد فرغلي على أن ما جرى – من وجهة نظره – يمثل جرحًا في جسد المجتمع المصري، مؤكدًا أن استعادة روح التعايش تتطلب مواجهة الفكر المتشدد بالفكر، وإحياء قيم الاحترام المتبادل التي نشأ عليها جيل كامل.





