تأمل روحي في حياة أم النور وسط الفقر والخوف والضيقات

في صوم العذراء.. الأنبا يوأنس: أمنا مريم عاشت بالرجاء وسلمت حياتها لتدبير ربنا

صوم العذراء يشهد
صوم العذراء يشهد تأملًا للأنبا يوأنس في حياة أمنا مريم،

قدّم نيافة الأنبا يوأنس، أسقف أسيوط وتوابعها، مع بداية صوم العذراء، تأملًا روحيًا في حياة أمنا السيدة العذراء مريم، مركزًا على الرجاء الذي ملأ قلبها رغم ما مرت به من ظروف صعبة منذ طفولتها. وخلال عظة أذيعت عبر قناة CTV، أوضح نيافته أن أم النور لم تجعل اليتم أو الفقر أو قسوة الظروف سببًا للخوف واليأس، بل عاشت في هدوء واحتمال وثقة كاملة بأن الله يدبر حياتها، لتصبح سيرتها رسالة لكل إنسان يواجه ضيقة أو ظرفًا يبدو أكبر من قدرته على الاحتمال.

الأنبا يوأنس يتأمل في حياة أمنا العذراء

جاءت كلمات نيافة الأنبا يوأنس بالتزامن مع بدء صوم العذراء، الذي يمثل فترة روحية مميزة في حياة الكنيسة، حيث وجّه الأنظار إلى جانب أساسي في شخصية أمنا مريم، وهو قدرتها على مواجهة الظروف الصعبة دون أن تفقد سلامها أو رجاءها في الله.

وأشار أسقف أسيوط وتوابعها إلى أن السيدة العذراء عاشت منذ طفولتها ظروفًا لم تكن سهلة، إذ كانت يتيمة وفق ما تناوله في عظته، ونشأت في الهيكل، ومع ذلك لم تنظر إلى حياتها بمنطق الشكوى أو الاعتراض.

ووصف نيافته حالتها الروحية بكلمات بسيطة وعميقة، مؤكدًا أنها كانت «هادئة، حمولة، ممتلئة رجاء»، وهي الصفات التي ظلت حاضرة في حياتها رغم تغير الظروف والأحداث من حولها.

أمنا مريم لم تجعل الظروف تقود حياتها

ركز الأنبا يوأنس في تأمله على الفارق بين صعوبة الظروف والطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها، موضحًا أن حياة العذراء لم تكن قائمة على الراحة المادية أو غياب المشكلات.

وبحسب ما ذكره نيافته، فإن السيدة العذراء بعد بلوغها نحو 12 عامًا لم يعد مسموحًا لها بالبقاء في الهيكل، فانتقلت إلى رعاية القديس يوسف النجار.

وهنا بدأت مرحلة أخرى من الحياة البسيطة، إذ أشار الأنبا يوأنس إلى أن القديس يوسف كان نجارًا فقيرًا، وأن أمنا العذراء عاشت معه في بيت متواضع وظروف مادية شديدة البساطة.

ورغم ذلك، لم تكن قيمة حياة العذراء مرتبطة بما تملكه، وإنما بما كان يملأ قلبها من سلام وثقة ورجاء.

الأنبا يوأنس: كانت حمولة وهادئة وممتلئة رجاء

عبّر أسقف أسيوط عن بساطة الحياة التي عاشتها أم النور بقوله: «عاشت القديسة مريم في بيت فقير»، مشيرًا إلى أن ظروف المعيشة لم تكن مريحة، لكنها بقيت محتملة وهادئة وممتلئة بالرجاء.

ويحمل هذا الجانب من التأمل رسالة روحية واضحة خلال صوم العذراء، وهي أن السلام الداخلي لا يرتبط دائمًا بتحسن الظروف الخارجية، وأن الرجاء يستطيع أن يبقى حاضرًا حتى عندما لا تتغير المشكلات سريعًا.

فالعذراء، بحسب تأمل الأنبا يوأنس، لم تنتظر أن تصبح الحياة أسهل حتى تثق في الله، وإنما كانت الثقة نفسها هي الطريقة التي واجهت بها ما كان أمامها.

البشارة وموقف يفوق قدرة فتاة صغيرة

وانتقل الأنبا يوأنس إلى لحظة البشارة باعتبارها واحدة من أصعب المواقف التي تكشف عمق إيمان أمنا مريم وثقتها في تدبير الله.

فعندما جاء إليها الملاك جبرائيل وبشرها بأنها ستحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه يسوع، كانت أمام موقف لم يكن سهلًا بحسب المقاييس البشرية.

وتوقف نيافته أمام حجم الضغوط والأسئلة التي كان من الممكن أن تواجهها فتاة صغيرة في هذا الموقف، خاصة في علاقتها بالمجتمع المحيط بها وبالقديس يوسف النجار وبالأشخاص الذين عرفوها طوال سنوات حياتها.

ورغم كل ما يمكن أن يثيره الموقف من خوف وتساؤلات، لم يسمح الرجاء للخوف أن يسيطر على قلبها.

ثقة كاملة في أن ربنا سيدبر

يرى الأنبا يوأنس أن قوة العذراء في هذا الموقف لم تكن نابعة من معرفتها بكل ما سيحدث، وإنما من ثقتها في أن الله قادر على التدبير.

فالإيمان هنا لم يكن امتلاك إجابة مسبقة عن كل خطوة، بل تسليم الحياة لله والاطمئنان إلى وجوده حتى وسط الموقف الذي يبدو بلا حلول واضحة.

ولهذا لخّص نيافته حالة أمنا مريم بقوله إنها كانت تعيش في رجاء، وهو المعنى الذي وضعه في قلب رسالته الروحية مع بداية الصوم.

فالعذراء لم تستسلم لما يمكن أن يحدث، ولم تجعل التفكير في ردود أفعال الآخرين ينتزع سلامها، وإنما وضعت ثقتها في تدبير الله.

رسالة صوم العذراء لكل شخص يمر بضيقة

يحمل تأمل الأنبا يوأنس معنى يتجاوز سرد أحداث من حياة أم النور، إذ يضع أمام كل شخص يمر بظرف صعب نموذجًا مختلفًا للتعامل مع الضيقة.

فالإنسان قد لا يستطيع تغيير بعض الظروف فورًا، لكنه يستطيع ألا يسمح لها بأن تنتزع منه الرجاء أو تحوله إلى شخص يعيش تحت سيطرة الخوف.

وتظهر حياة العذراء في هذا التأمل باعتبارها حياة تسليم وليس استسلامًا، فالتسليم لله يعني الثقة في عمله حتى عندما لا تكون تفاصيل الطريق واضحة أمام الإنسان.

ومن هنا يصبح صوم العذراء فرصة لإعادة اكتشاف هذا المعنى، ليس فقط من خلال الامتناع والصوم، ولكن أيضًا من خلال الاقتراب من روح أم النور في الهدوء والصلاة والاحتمال والرجاء.

الرجاء وسط الفقر والتعب

اختيار الأنبا يوأنس الحديث عن الظروف المادية البسيطة في حياة العذراء يضع أمام المؤمنين رسالة مهمة، وهي أن القداسة لا تحتاج إلى حياة خالية من المتاعب.

فالفقر والتعب لم يمنعا أم النور من أن تكون ممتلئة بالسلام، كما أن عدم معرفة ما يحمله الغد لم يمنعها من الثقة في الله.

وهذا المعنى يجعل سيرتها قريبة من كل شخص يواجه ضغطًا ماديًا أو أسريًا أو يشعر أن الظروف المحيطة به أقوى منه.

فالرسالة التي يقدمها التأمل ليست أن الإنسان لن يمر بالضيقة، وإنما أن وجود الضيقة لا يعني غياب تدبير الله.

«عايشة في رجاء».. خلاصة تأمل الأنبا يوأنس

اختتم نيافة الأنبا يوأنس تأمله بالتوقف أمام الصفة التي صاحبت أمنا العذراء في مختلف مراحل حياتها، وهي الرجاء.

ورغم اليتم والفقر وبساطة الحياة وصعوبة موقف البشارة، بقي قلبها ثابتًا في الله، ولم يتحول الخوف إلى القوة التي تقود قراراتها أو نظرتها إلى المستقبل.

وجاءت عبارة نيافته «كانت عايشة في رجاء» لتلخص المعنى الروحي للعظة، وتقدم للمؤمنين خلال صوم العذراء دعوة إلى الثقة في تدبير ربنا مهما بدت الظروف معقدة.

فحياة أم النور، كما قدمها الأنبا يوأنس، تظل نموذجًا للإنسان الذي لا ينكر صعوبة الواقع، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للصعوبة أن تكون أقوى من إيمانه، ويظل قلبه متعلقًا برجاء أن الله يعرف الطريق ويدبر كل شيء في وقته.

          
تم نسخ الرابط