أرقام الطاقة تكشف فجوة بين زيادة التوليد والوصول للخدمة
سد النهضة والتنمية.. أحمد موسى يتساءل عن أثر الكهرباء المنتجة على حياة الشعب الإثيوبي
أعاد الإعلامي أحمد موسى طرح سؤال استفادة المواطنين في إثيوبيا من كهرباء سد النهضة، معتبرًا أن استمرار اعتماد قطاعات من السكان على مصادر طاقة تقليدية يستدعي مراجعة الخطاب الإثيوبي الذي ربط المشروع بالتنمية وتحسين حياة المواطنين. وتضيف أحدث بيانات الطاقة المتاحة طبقة أكثر دقة للمشهد؛ فإثيوبيا رفعت قدرتها على إنتاج الكهرباء بصورة كبيرة، وتقول حكومتها إن السد ضاعف قدرة التوليد تقريبًا، لكن وثيقة الطاقة الوطنية الإثيوبية تكشف في المقابل أن 44% فقط يحصلون على مستوى أساسي من خدمة الكهرباء، بينما يظل توصيل الطاقة وجودتها وشبكات توزيعها تحديًا منفصلًا عن مجرد زيادة القدرة الإنتاجية.
أحمد موسى يفتح ملف استفادة المواطنين من كهرباء السد
قال أحمد موسى، خلال برنامجه «على مسئوليتي»، إن الخطاب الإثيوبي قدم سد النهضة على مدار سنوات باعتباره مشروعًا لدعم التنمية وتوفير الكهرباء، متسائلًا عن حجم التحسن الذي انعكس فعليًا على حياة المواطنين بعد تشغيل المشروع.
وأشار إلى استمرار اعتماد ملايين الإثيوبيين على الحطب ومصادر تقليدية للطاقة، ورأى أن هذه الصورة تثير تساؤلات بشأن الفارق بين القدرة المعلنة لإنتاج الكهرباء وبين وصول الخدمة إلى السكان.
وتظل هذه الاستنتاجات تقييمًا طرحه أحمد موسى، وليست نتيجة رسمية مستقلة تثبت أن كهرباء سد النهضة لم تصل إلى المواطنين؛ إذ تظهر بيانات الطاقة أن المشكلة أكثر تعقيدًا وتشمل شبكات التوزيع، ومستوى الخدمة، والفجوة بين المدن والمناطق الريفية، إلى جانب ملف الطهي النظيف.
44% فقط يحصلون على مستوى أساسي من الكهرباء
بحسب الميثاق الوطني للطاقة في إثيوبيا، المنشور ضمن مبادرة Mission 300، وصل معدل الوصول إلى مصدر واحد على الأقل للكهرباء إلى 65% وفق بيانات 2025، لكن نسبة من يحصلون على مستوى خدمة أساسي Tier 1 أو أعلى بلغت 44% فقط، ما يعني أن 56% ما زالوا دون مستوى الخدمة الكهربائية الأساسية وفق هذا المقياس.
وتكشف الوثيقة نفسها أن 29.3% يعتمدون على الشبكة الوطنية للكهرباء، بينما تصل نسبة الاعتماد على الحلول الشمسية خارج الشبكة إلى 35.7%، وهو ما يوضح أن الوصول إلى مصدر كهرباء لا يعني بالضرورة اتصالًا منتظمًا بالشبكة العامة أو الحصول على مستوى خدمة كافٍ.
كما يشير الميثاق إلى استمرار فجوة واضحة بين المدن والريف؛ ففي المناطق الحضرية يعتمد معظم الأسر التي تصلها الكهرباء على الشبكة الوطنية، بينما تعتمد نسبة كبيرة من الأسر الريفية على الفوانيس الشمسية والأنظمة المنزلية المستقلة.
وتبقى موثوقية الإمداد إحدى المشكلات التي أقرت بها الوثيقة، خصوصًا في المناطق الريفية والمدن الثانوية، نتيجة تحديات في البنية التحتية وتنظيم الجهد والفقد الفني بالشبكات.
الحطب لا يثبت وحده عدم وصول الكهرباء
تتقاطع إشارة أحمد موسى إلى استخدام الحطب مع رقم لافت في الميثاق الوطني للطاقة؛ إذ توضح الوثيقة أن 92% من الأسر في إثيوبيا كانت لا تزال تعتمد على الحطب في الطهي خلال 2024، وترتفع النسبة إلى 91% في المناطق الريفية، بينما يظل استخدام الكهرباء في الطهي محدودًا للغاية خارج المدن.
لكن هذا الرقم يحتاج إلى تفسير دقيق؛ فالاعتماد على الحطب يتعلق بمصدر الطاقة المستخدم في الطهي، ولا يعني تلقائيًا أن المنزل نفسه لا يمتلك أي مصدر كهرباء.
وقد تمتلك الأسرة مصدرًا للكهرباء للإضاءة أو شحن الأجهزة مع استمرار اعتمادها على الحطب للطهي بسبب التكلفة أو ضعف الشبكة أو محدودية القدرة الكهربائية المتاحة.
لذلك فإن الرقم يدعم وجود تحدٍ كبير في انتقال إثيوبيا إلى الطاقة الحديثة والنظيفة، لكنه لا يصلح بمفرده دليلًا على أن الكهرباء المنتجة من سد النهضة لم تصل مطلقًا إلى المواطنين.
إثيوبيا تقول إن سد النهضة ضاعف قدرة التوليد
في المقابل، يقدم الجانب الإثيوبي صورة مختلفة لتأثير سد النهضة على قطاع الطاقة.
وقال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا في يناير 2026 إن اكتمال المشروع ساهم في مضاعفة قدرة توليد الكهرباء في البلاد إلى نحو 9.6 جيجاوات، معتبرًا السد جزءًا من خطة أوسع لدعم التنمية والربط الكهربائي الإقليمي.
كما تشير بيانات الميثاق الوطني للطاقة إلى أن إجمالي القدرة المركبة في إثيوبيا بلغ 9761 ميجاوات في 2025، وأن أكثر من 95% منها يأتي من مصادر متجددة، وعلى رأسها الطاقة الكهرومائية.
وتقول شركة الكهرباء الإثيوبية إن أقل من 10% من الطاقة المنتجة يتم تصديرها إلى دول أخرى، بينها جيبوتي والسودان وكينيا، مع توجه لتوسيع الربط الكهربائي الإقليمي. وهذه بيانات صادرة عن الجانب الإثيوبي، ولا تعني بذاتها أن بقية الإنتاج يصل بكفاءة متساوية إلى جميع المواطنين داخل البلاد.

أين تكمن الفجوة بين الإنتاج والاستفادة؟
تكشف مقارنة البيانات أن زيادة القدرة على توليد الكهرباء وتحسين مستوى الخدمة المنزلية مساران مترابطان لكنهما ليسا شيئًا واحدًا.
إنتاج كميات أكبر من الطاقة يحتاج إلى شبكة نقل ومحطات توزيع ووصلات منزلية وقدرة مالية لدى الأسر، إلى جانب استقرار الإمدادات، حتى يتحول إلى خدمة منتظمة للمواطنين.
وهذا يفسر إمكانية اجتماع حقيقتين في الوقت نفسه: ارتفاع قدرة إثيوبيا على إنتاج الكهرباء بعد تشغيل سد النهضة، وبقاء عشرات الملايين دون المستوى الأساسي لخدمة الكهرباء.
وكان البنك الدولي قد أقر في 2025 برنامجًا بقيمة 400 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية، إضافة إلى منحة دنماركية، يستهدف توسيع وصول الكهرباء النظيفة والموثوقة لنحو 6 ملايين شخص في إثيوبيا، مشيرًا وقتها إلى أن قرابة 71 مليون شخص كانوا دون مستوى كافٍ من الخدمة الكهربائية وفق نتائج أولية لمسح 2025.
كما تستهدف الخطة الوطنية الإثيوبية رفع معدلات الوصول وتحسين الشبكات وتوسيع الحلول خارج الشبكة حتى عام 2030، وهو ما يمثل اعترافًا رسميًا باستمرار فجوة الخدمة رغم الزيادة الكبيرة في قدرات التوليد.
وبذلك، فإن سؤال أحمد موسى عن الأثر التنموي للكهرباء يجد جزءًا من إجابته في الأرقام: سد النهضة ساهم وفق الرواية الإثيوبية والبيانات المنشورة في زيادة قدرة التوليد بدرجة كبيرة، لكن زيادة الإنتاج لم تنه بعد فجوة الوصول إلى الكهرباء أو الاعتماد الواسع على الوقود التقليدي.
والأدق عند تقييم استفادة الشعب الإثيوبي هو الفصل بين ثلاثة مؤشرات مختلفة: كمية الكهرباء التي تستطيع الدولة إنتاجها، ونسبة السكان التي تصل إلى مصدر للطاقة، ونسبة من يحصلون فعليًا على مستوى أساسي وموثوق من الخدمة.









