بيانات الري تكشف الفارق بين التصريحات الإعلامية والموقف الرسمي

أحمد موسى: إثيوبيا تستهدف التحكم بالمياه ومصر لن تسمح بتكرار ما حدث في 2011

أحمد موسى
أحمد موسى

ربط الإعلامي أحمد موسى بين التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن إدارة المياه وبين ما وصفه بمحاولة التحكم في التدفقات المتجهة إلى مصر والسودان، مؤكدًا خلال برنامجه أن ما حدث عند بدء مشروع سد النهضة عام 2011 لن يتكرر. وتأتي تصريحاته بعد يوم واحد من عرض رسمي موسع قدمه وزير الموارد المائية والري هاني سويلم بشأن الوضع المائي المصري، تضمن أرقامًا محدثة تختلف جزئيًا عن بعض الأرقام المتداولة إعلاميًا. كما تكشف مراجعة مشروع سد كويشا الذي تحدث عنه موسى أن المشروع الإثيوبي الجديد يقع في حوض أومو المتجه إلى بحيرة توركانا في كينيا، وليس في حوض النيل الأزرق.

أحمد موسى يربط تصريحات إثيوبيا بملف التحكم في المياه

قال أحمد موسى إن مصر تعاني من فقر مائي شديد، وإن الحديث الإثيوبي الأخير عن إدارة تدفقات المياه يكشف، وفق تقييمه، أن القضية تتجاوز إنتاج الكهرباء إلى محاولة التحكم في المياه المتجهة إلى دولتي المصب.

وأضاف أن مصر لن تقبل، وفق رؤيته، أن تحتجز إثيوبيا المياه لسنوات بصورة منفردة، وربط ذلك بما قاله وزير الري عن رفض سيطرة أي دولة منفردة على مورد مائي دولي مشترك.

وتتقاطع هذه النقطة مع الموقف الذي عرضه هاني سويلم رسميًا يوم 20 سبتمبر أمام أكثر من 80 مراسلًا يمثلون نحو 45 وسيلة إعلام دولية، إذ اعتبر تصريحات إثيوبية حديثة بشأن التحكم في المياه المتدفقة إلى دولتي المصب تحولًا في الخطاب، وربطها برفض القاهرة للإدارة الأحادية للسد.

لكن موقف إثيوبيا المعلن يقدم تفسيرًا مختلفًا؛ فقد أكد وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا في أغسطس أن سد النهضة أُنشئ لتوليد الكهرباء، وأن بلاده تعتبر تطوير مواردها المائية حقًا سياديًا، كما تحدث عن إمكانية بناء سدود أخرى عند الحاجة ورفض ترتيبات الإدارة المشتركة للسد. وبذلك يبقى توصيف أهداف السياسة الإثيوبية محل خلاف معلن بين القاهرة وأديس أبابا، ولا يمكن تقديم تفسير طرف واحد باعتباره حقيقة متفقًا عليها.

472 مترًا للفرد في مصر وليس 400 وفق أحدث رقم رسمي

تحدث أحمد موسى عن وصول نصيب المواطن المصري إلى نحو 400 متر مكعب سنويًا مقابل أرقام أكبر بكثير في إثيوبيا.

غير أن أحدث بيان رسمي مفصل لوزارة الموارد المائية والري حدد نصيب الفرد في مصر بنحو 472 مترًا مكعبًا سنويًا من الموارد المائية المتجددة، وهو مستوى يقل بالفعل عن حد الندرة المائية المطلقة البالغ 500 متر مكعب للفرد سنويًا.

كما أوضح وزير الري أن الموارد المائية المتجددة في مصر لا تتجاوز نحو 56.8 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل احتياجات تصل إلى قرابة 123 مليار متر مكعب.

وتواجه الدولة هذه الفجوة عبر مجموعة من الأدوات، منها إعادة استخدام نحو 23.2 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، إلى جانب مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي التي أضافت طاقة معالجة تقترب من 4.8 مليار متر مكعب سنويًا، فضلًا عن التحلية والمياه الجوفية وإدارة الموارد باستخدام أدوات رقمية ونظم رصد متطورة.

أما رقم 3 إلى 4 آلاف متر مكعب للفرد في إثيوبيا، فقد سبق أن أورده مسؤول بوزارة الري المصرية في يوليو خلال حديث تلفزيوني، لكن العرض الرسمي الأحدث لوزير الري في سبتمبر لم يستخدم الرقم نفسه كمقياس للفرد؛ وإنما قدم صورة أكثر تفصيلًا عن إجمالي الموارد الإثيوبية.

ماذا تقول الأرقام الرسمية عن مياه إثيوبيا؟

بحسب العرض الذي قدمه هاني سويلم، تلقت إثيوبيا خلال عام 2023 أكثر من ألف مليار متر مكعب من الأمطار، بينها نحو 467 مليار متر مكعب سقطت على الجزء الإثيوبي الواقع داخل حوض النيل.

كما قدر الوزير الموارد المائية المتجددة في إثيوبيا بنحو 122 مليار متر مكعب سنويًا، مع إعادة شحن للمياه الجوفية تتراوح وفق الدراسات التي استند إليها بين 51 و81 مليار متر مكعب سنويًا.

وأشار كذلك إلى أن إثيوبيا تمتلك أكثر من 18 مليون هكتار من الأراضي الزراعية مقابل نحو 4.03 مليون هكتار في مصر، وأن مساحات واسعة من الزراعة الإثيوبية تعتمد على مياه الأمطار.

ووفق الأرقام التي عرضها، يصل الاستخدام الزراعي المقدر للمياه الخضراء في إثيوبيا إلى نحو 148 مليار متر مكعب سنويًا، إلى جانب نحو 9.68 مليار متر مكعب من المياه الزرقاء المستخدمة مباشرة في الزراعة، بينما قدرت البصمة المائية لقطاع الثروة الحيوانية بنحو 85.5 مليار متر مكعب.

وتستخدم الحكومة المصرية هذه الأرقام لتأكيد موقفها بأن تنمية إثيوبيا لا تتطلب التحكم المنفرد في مياه النيل الأزرق، بينما تؤكد الحكومة الإثيوبية من جانبها حقها في استخدام مواردها المائية للتنمية والطاقة وفق مفهوم الاستخدام المنصف الذي تتبناه.

أحمد موسى

سد كويشا.. مشروع إثيوبي جديد لكنه ليس على النيل الأزرق

تطرق أحمد موسى أيضًا إلى تحركات إثيوبيا للحصول على تمويل من جهات إيطالية لاستكمال مشروع سد جديد، وربط المشروع بأزمة مائية محتملة مع كينيا.

وتكشف البيانات المنشورة أن المقصود هو مشروع كويشا الكهرومائي، الذي تتفاوض إثيوبيا لاستكمال تمويله عبر نحو 400 مليون يورو من ثلاثة بنوك إيطالية، مع قدرة إنتاجية مستهدفة تبلغ 1800 ميجاوات. كما سبق أن أكدت إيطاليا دعم جهود استكمال تمويل المشروع.

لكن كويشا لا يقع على النيل الأزرق ولا يؤثر مباشرة في تدفقات النيل إلى مصر والسودان؛ إذ يقع على منظومة نهر أومو في جنوب غرب إثيوبيا.

وتكمن علاقته بكينيا في أن نهر أومو يمثل المصدر الأكبر لمياه بحيرة توركانا الواقعة أساسًا داخل الأراضي الكينية، وتشير هيئة موارد المياه في كينيا إلى أن النهر يوفر أكثر من 80% من تدفقات البحيرة.

كما أبقت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو في 2026 بحيرة توركانا على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وطالبت إثيوبيا وكينيا بتقييم التأثيرات التراكمية للمشروعات في حوض أومو، وذكرت صراحة مشروع كويشا ضمن المشروعات المطلوب تقديم معلومات محدثة بشأن آثارها المحتملة.

وبالتالي فإن ملف كويشا يمثل قضية مياه عابرة للحدود بين إثيوبيا وكينيا، لكنه منفصل هيدرولوجيًا عن ملف سد النهضة والنيل الأزرق الذي يتعلق بمصر والسودان.

ماذا يقصد أحمد موسى بما حدث في 2011؟

قال أحمد موسى إن ما حدث عام 2011 لن يتكرر، في إشارة إلى بدء إثيوبيا مشروع سد النهضة خلال ذلك العام، وربط عبارته برفض إنشاء مشروعات تمس الحقوق المائية المصرية.

وتظل عبارة «لن يتكرر ما حدث في 2011» موقفًا عبّر عنه أحمد موسى وليست إعلانًا رسميًا عن إجراء مصري محدد.

أما الموقف الحكومي المعلن فيركز على رفض الإجراءات الأحادية التي يمكن أن تضر بالأمن المائي، والتمسك بقواعد القانون الدولي وضرورة التعاون وتبادل المعلومات وعدم التسبب في ضرر ذي شأن. وأكد وزير الري أن القاهرة تحتفظ بما يتيحه القانون الدولي من إجراءات لحماية حقوقها، دون إعلان في أحدث بيان عن خطوة تنفيذية جديدة أو موعد لاتخاذ إجراء بعينه.

وسبق لأحمد موسى خلال أغسطس وسبتمبر أن تحدث عن رفضه إنشاء سدود إثيوبية جديدة واستخدام ملف المياه أداة ضغط، ما يجعل الجديد في حديثه الحالي مرتبطًا بصورة أكبر بربط هذه المواقف بأحدث الأرقام الرسمية عن الندرة المائية المصرية، إلى جانب مشروع كويشا وتمويله الإيطالي.

كما أن البيانات الرسمية الأحدث تضع نقطة فاصلة بين ملفين؛ الأول يتعلق بسد النهضة والنيل الأزرق والخلاف بين مصر وإثيوبيا حول الإدارة الأحادية، والثاني يتعلق بمشروع كويشا في حوض أومو وتأثيراته المحتملة على بحيرة توركانا في كينيا.

تم نسخ الرابط