كلمة اليوبيل الذهبي بملوي تربط الأمانة بتكوين الإنسان وحب الوطن
البابا تواضروس يرسم ملامح المواطن الأمين: الأسرة والتعليم والكنيسة تصنع الوعي ومصر في قلب الله
وضع البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، تصورًا متكاملًا لتكوين «المواطن الأمين»، خلال كلمته في احتفالية اليوبيل الذهبي لإيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين مساء الأربعاء 16 سبتمبر 2026، رابطًا بين دور الكنيسة والأسرة والمدرسة والإعلام والأصدقاء في تشكيل وعي الإنسان منذ طفولته. والجديد في حديثه هذه المرة أنه لم يقصر إعداد المواطن الصالح على المؤسسة الدينية، بل رسم سلسلة من المؤسسات التي تتكامل في بناء الشخصية، قبل أن يربط الأمانة بحب الوطن وقبول الآخر، مؤكدًا أن مصر تتمتع بتاريخ وحضارة وطبيعة تمنحها خصوصية كبيرة في وجدان أبنائها.
وجاءت كلمة البابا ضمن الاحتفال بمرور 50 عامًا على تأسيس إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين بصورتها الحديثة، بحضور اللواء عماد كدواني محافظ المنيا، وعدد من القيادات العسكرية والأمنية والدينية والنيابية، إلى جانب المطارنة والأساقفة والكهنة والرهبان وشعب الإيبارشية.
من المواطن الصالح إلى المواطن الأمين
ركز البابا تواضروس في حديثه على أن الكنيسة تؤدي ثلاثة أدوار مترابطة في حياة الإنسان؛ أولها الإشباع الروحي، وثانيها إعداد المواطن الصالح، وثالثها غرس حب الوطن.
وفي تعريفه للمواطن الصالح، وضع البابا الأمانة في مركز هذه الصورة، موضحًا أن المواطن الصالح هو المواطن الأمين في فكره ومشاعره وعلاقاته، واستند إلى الآية «كن أمينًا إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة»، مشيرًا إلى أن معنى الأمانة يحمل الاستمرارية والشمول ولا يقتصر على موقف أو مرحلة بعينها.
وتكشف المقارنة مع حديث سابق للبابا في يونيو 2026 عن تطور أكثر تحديدًا في صياغة الفكرة؛ ففي عظة كنيسة السيدة العذراء بالمعمورة بالإسكندرية كان قد تحدث عن دور الكنيسة والمسجد باعتبارهما مؤسستين روحيتين تساهمان في تربية المواطن الصالح وخدمة الوطن، بينما جاءت كلمة ملوي لتوسع خريطة صناعة هذا المواطن وتحدد المؤسسات التي تشارك عمليًا في تشكيل وعيه.
الأسرة والمدرسة والإعلام والأصدقاء في خريطة واحدة
بحسب حديث البابا تواضروس في ملوي، لا تعمل الكنيسة بمعزل عن الأسرة أو المدرسة أو المحيط الاجتماعي، وإنما تأتي كجزء من منظومة متكاملة يتشكل داخلها وعي الإنسان.
وحدد البابا الأسرة والمدرسة والإعلام والأصدقاء باعتبارها مؤسسات وعوامل تشارك في هذا التكوين، بينما تساعد الكنيسة في إعداد المواطن منذ صغره وتواصل دورها خلال المراحل المختلفة من عمره.
ويرسم هذا التصور مسارًا يبدأ من الطفولة ولا يتوقف عند الممارسة الدينية، بل يمتد إلى العلاقات والسلوك وتكوين الأسرة لاحقًا، بما يجعل مفهوم «المواطن الأمين» مرتبطًا بطريقة تربية الإنسان ومصادر تشكيل وعيه وليس بمجرد انتمائه إلى مؤسسة واحدة.
ومن هنا جاءت أهمية الأمانة في حديث البابا باعتبارها الصفة التي تربط بين حياة الفرد الخاصة ومسؤوليته تجاه المجتمع، فالمعيار ليس مجرد المعرفة أو الانتماء، وإنما السلوك الذي يظهر في الفكر والمشاعر والعلاقات وطريقة التعامل مع الآخرين.
حب الوطن وقبول الآخر
انتقل البابا تواضروس من إعداد المواطن إلى ما وصفه بـ«مدرسة حب الوطن»، مؤكدًا أن الكنيسة تعلم أبناءها حب مصر وحب الآخر، وأن قوة المجتمع تزداد بالوجود والعمل المشترك.
وربط البابا هذا المعنى بخصوصية مصر التاريخية والجغرافية، مشيرًا إلى أن نهر النيل ترك أثرًا في الشخصية المصرية عبر الأجيال، واعتبر أن الصبر وطول البال من السمات التي ارتبطت بالمصريين عبر تاريخهم.
كما جدد البابا التعبير الذي سبق أن استخدمه في مناسبات متعددة بأن مصر «في قلب الله»، وهو تعبير ظهر في أحاديث سابقة له عند تناوله مكانة مصر الروحية والتاريخية، وليس عبارة مرتبطة بزيارة ملوي وحدها.
وقال البابا خلال احتفالية ملوي إن كلمتي «مصر» و«المصريين» وردتا في الكتاب المقدس أكثر من 700 مرة، معتبرًا أن هذه المكانة تمثل مصدر فخر وتساعد على ترسيخ حب الوطن لدى الأجيال.
اليوبيل الذهبي يتحول إلى رسالة تتجاوز الاحتفال
لم تقتصر كلمة البابا تواضروس في اليوبيل الذهبي على استعادة تاريخ الإيبارشية التي تحتفل بمرور نصف قرن على تأسيسها، وإنما تحولت إلى عرض لدور الكنيسة بعد مرور 50 عامًا: إشباع الإنسان روحيًا، المساهمة في إعداد مواطن أمين، ثم تحويل هذا التكوين إلى محبة للوطن والآخر.
وتأتي هذه الرسالة ضمن زيارة رعوية للبابا إلى إيبارشية ملوي وأنصنا والأشمونين بدأت في 15 سبتمبر، وشملت افتتاح المرحلة الأولى من مشروع كوم ماريا، إحدى نقاط مسار العائلة المقدسة، إلى جانب تدشين كاتدرائية القديس مار مرقس الرسول والاحتفال باليوبيل الذهبي للإيبارشية.
وفي ختام الاحتفالية، قدم البابا تواضروس درع اليوبيل الذهبي لمحافظ المنيا، بينما بقيت الرسالة الأساسية لكلمته مرتبطة ببناء الإنسان نفسه؛ إذ قدم المواطن الأمين باعتباره نتاجًا لتكامل الأسرة والتعليم والمؤسسة الدينية والمجتمع، قبل أن يصبح هذا البناء أساسًا لحب الوطن وقبول الآخر والعمل المشترك.









