دراسة حديثة تربط فروق المللي ثانية بصراع قوى عميق داخل الكوكب
طول اليوم على الأرض يتغير.. دراسة حديثة تكشف دور النواة الداخلية في دوران الكوكب
اليوم الذي تقيسه الساعات بـ24 ساعة ليس متطابقًا تمامًا مع زمن دوران الأرض في كل مرة؛ إذ تتغير سرعة الكوكب بفروق ضئيلة للغاية قد لا تتجاوز بضعة أجزاء من الألف من الثانية. وتكشف دراسة حديثة نشرتها مجلة Nature عن تفسير جديد لجزء من هذه التغيرات الممتدة على مدى عقود، يرتبط بقوة الجاذبية بين النواة الداخلية الصلبة ووشاح الأرض، في مواجهة قوى أخرى عند الحدود مع النواة الخارجية السائلة. والنتيجة أشبه بعملية شد وجذب عميقة تستطيع تسريع دوران الوشاح أو إبطاءه بدرجة تكفي لتغيير طول اليوم ببضعة مللي ثانية.
هل اليوم ليس 24 ساعة فعلًا؟
الـ24 ساعة، أو 86400 ثانية، تمثل القيمة المرجعية التي نستخدمها في قياس الزمن، لكن سرعة دوران الأرض نفسها ليست ثابتة تمامًا.
وتعرّف الخدمة الدولية لدوران الأرض والنظم المرجعية طول اليوم علميًا من خلال الفرق بين مدة اليوم المقاسة اعتمادًا على دوران الأرض و86400 ثانية معيارية، وعادة ما تقاس هذه الفروق بالمللي ثانية.
وهذا لا يعني أن الإنسان سيشعر بأن يومًا أصبح أطول أو أقصر أثناء حياته اليومية؛ فالمللي ثانية تساوي واحدًا من ألف من الثانية.
لماذا تتغير سرعة دوران الأرض؟
الأرض ليست جسمًا صلبًا ساكن المكونات يدور بمعدل لا يتغير.
الغلاف الجوي والمحيطات والكتل الجليدية والأجزاء الداخلية للكوكب كلها تتحرك، وأي إعادة لتوزيع الكتلة أو الزخم يمكن أن تؤثر بدرجات مختلفة في سرعة الدوران.
وتوضح الدراسات أن التغيرات الموسمية والسنوية ترتبط بدرجة كبيرة بحركة الغلاف الجوي، بينما تؤثر قوى المد والجزر القمري في الاتجاه طويل المدى لدوران الأرض، إلى جانب تأثيرات أخرى للمحيطات والكتل المائية والعمليات الجيوفيزيائية.
لكن ظل سؤال مختلف قائمًا: ما الذي يفسر بعض التغيرات البطيئة التي تظهر على مدى عشرات السنين؟
سر موجود على عمق آلاف الكيلومترات
يتكون قلب الأرض من نواة داخلية صلبة تحيط بها نواة خارجية من معادن سائلة شديدة الحرارة، ثم يأتي الوشاح الصخري فوقهما.
وتستطيع النواة الداخلية الدوران بصورة تختلف قليلًا عن بقية الكوكب، بينما تتحرك المعادن السائلة داخل النواة الخارجية باستمرار.
ووجد الباحثان Huifeng Zhang وMathieu Dumberry، من جامعة ألبرتا، أن الجاذبية الناتجة عن النواة الداخلية قد توفر الحلقة التي كانت مفقودة لفهم انتقال التأثير إلى الوشاح وتغير دوران الأرض على المدى الممتد.
كيف تستطيع الجاذبية تغيير طول اليوم؟
النواة الداخلية ليست كرة مثالية ومتجانسة تمامًا، كما أن توزيع الكتلة داخل الوشاح ليس موحدًا.
وعندما تصبح مناطق الكثافة في النواة الداخلية غير مصطفة تمامًا مع مناطق الكثافة المختلفة في الوشاح، تعمل الجاذبية على سحبها في اتجاه استعادة قدر أكبر من الاصطفاف.
هذا السحب يولد ما يعرف بعزم الجاذبية، أي قوة دوران تستطيع التأثير بصورة طفيفة في حركة الوشاح.
وفي الاتجاه المقابل، توجد تأثيرات عند الحد الفاصل بين النواة والوشاح، بينها قوى كهرومغناطيسية وميكانيكية، يمكن أن تقاوم هذا السحب.
«شد حبل» تحت أقدامنا
الصورة التي تقدمها الدراسة ليست أن قوة واحدة تدفع الأرض ببساطة إلى الدوران أسرع أو أبطأ.
بل توجد منافسة بين عدة أنواع من العزم.
عزم الجاذبية الناتج عن النواة الداخلية يدفع النظام في اتجاه، بينما تعارضه بدرجات مختلفة تأثيرات مرتبطة بالنواة الخارجية وحدودها مع الوشاح.
ووصف الباحثون الآلية بأنها أشبه بعملية شد وجذب، لكن نتائج النموذج تشير إلى أن تأثير الجاذبية هو العامل الأقوى في تفسير التغيرات متعددة العقود التي درسوها.
55 عامًا وضعت الفكرة تحت الاختبار
اختبر الباحثون النموذج على الفترة الممتدة من 1964 حتى 2019.
واستخدموا تاريخًا مقدرًا من البيانات الزلزالية لتغير دوران النواة الداخلية، إلى جانب نماذج لحركة المعادن السائلة في النواة الخارجية، ثم قارنوا عزم القوى المتوقع بالتغيرات الفعلية المعروفة في طول اليوم.
ووجدت الدراسة أن عزم الجاذبية تمكن من محاكاة كل من توقيت وحجم جانب مهم من التغيرات متعددة العقود في طول اليوم.
ويرى الباحثان أن سهولة تفسير هذه التغيرات باستخدام عزم الجاذبية تشير إلى أنه قد يكون المحرك الرئيسي لها خلال الفترة التي خضعت للدراسة.
هل اكتشف العلماء السبب الوحيد؟
لا.
الدراسة تركز تحديدًا على التغيرات التي تحدث على نطاق زمني يمتد لعشرات السنين، ولا تعني أن النواة الداخلية مسؤولة عن كل اختلاف في طول اليوم.
فالتغيرات تحدث على نطاقات زمنية متعددة؛ بدءًا من تأثيرات يومية ومرحلية وحتى تغيرات تمتد إلى ملايين السنين.
كما أشار باحثون مستقلون إلى أن النموذج لا يشمل جميع العوامل التي تستطيع التأثير في طول اليوم، مثل كل مساهمات الغلاف الجوي والمحيطات، فضلًا عن استمرار النقاش العلمي بشأن بعض تفاصيل تاريخ دوران النواة الداخلية.
كم يبلغ حجم الفرق فعلًا؟
الدراسة تتحدث عن تغيرات في حدود عدة مللي ثوانٍ على مدى عقود، وليس دقائق أو ساعات.
وهنا تكمن نقطة مهمة عند قراءة عبارة «طول اليوم يتغير».
لا يعني ذلك أن يومًا سيصبح فجأة 23 ساعة أو 25 ساعة، بل إن دوران الأرض الحقيقي قد يستغرق زمنًا يزيد أو ينقص بمقدار ضئيل جدًا عن القيمة المرجعية البالغة 86400 ثانية.
ويؤكد المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا أن هذه الفروق صغيرة لدرجة أن الإنسان العادي لن يلاحظ تغيرًا يبلغ نحو مللي ثانية، لكنها مهمة جدًا للأنظمة العلمية والتقنية الدقيقة.
هل هذا هو نفسه اختلاف ساعات النهار والليل؟
لا، وهنا يأتي أحد أهم الفروق.
اختلاف عدد ساعات ضوء النهار بين الصيف والشتاء ينتج أساسًا عن ميل محور الأرض أثناء دورانها حول الشمس.
أما الدراسة الجديدة فتبحث في طول دورة الأرض نفسها بفروق تصل إلى أجزاء من الألف من الثانية.
لذلك فإن «اليوم الأطول» في هذا السياق العلمي لا يعني يومًا تشرق فيه الشمس لساعات أكثر، ولا علاقة له بتقديم الساعة أو تأخيرها في التوقيت الصيفي والشتوي.
لماذا نهتم بفرق لا نشعر به؟
رغم أن بضعة مللي ثوانٍ لا تغير الحياة اليومية، فإن معرفة دوران الأرض بدقة شديدة ضرورية لعلوم الفلك وأنظمة تحديد المواقع والملاحة والأقمار الصناعية وقياس الزمن.
وتقارن أنظمة التوقيت الحديثة بين الزمن المرتبط بدوران الأرض والزمن الذي تقيسه الساعات الذرية شديدة الدقة.
ولهذا تتابع الخدمة الدولية لدوران الأرض الفروق بصورة مستمرة، كما استُخدمت الثواني الكبيسة تاريخيًا للحفاظ على التقارب بين التوقيت العالمي المنسق والزمن الفلكي المرتبط بدوران الأرض.
هل ستصبح أيام الأرض 25 ساعة بسبب هذا الاكتشاف؟
الدراسة الجديدة لا تقول ذلك.
هناك أبحاث وحسابات طويلة المدى تناقش التباطؤ التدريجي لدوران الأرض نتيجة تأثير المد والجزر القمري، لكن البحث المنشور في Nature يعالج ظاهرة مختلفة من حيث المدة والحجم.
موضوعه هو التذبذبات البالغة بضعة مللي ثوانٍ على مدى عقود، ومحاولة تحديد كيفية تبادل الزخم بين النواة والوشاح.
لذلك لا يصح تحويل نتائج الدراسة إلى استنتاج بأن الإنسان سيعيش قريبًا يومًا من 25 ساعة.
ماذا اكتشف العلماء أيضًا داخل النواة؟
تقدم النتائج فائدة تتجاوز معرفة سبب تغير طول اليوم.
فنجاح النموذج في إعادة إنتاج التغيرات المرصودة يمنح العلماء معلومات إضافية عن البنية التي لا يمكن الوصول إليها مباشرة في قلب الأرض.
وتشير دراسة جامعة ألبرتا إلى أن النواة الداخلية قد تتعرض لتشوه لزج على نطاق زمني يقارب عشر سنوات، كما أن طبيعة التفاعل الجاذبي تساعد في اختبار تصورات العلماء عن توزيع الكثافة وبنية الوشاح السفلي.
وبهذا تتحول الفروق الصغيرة جدًا التي تظهر في قياس يوم الأرض إلى أداة لرؤية ما يحدث على عمق آلاف الكيلومترات؛ فاختلاف لا يشعر به الإنسان في الساعة قد يحمل معلومات عن حركة معدن سائل، ونواة صلبة، وقوى جاذبية تتنافس باستمرار في أعماق الكوكب.






