رفض الدعوى يثبت استمرار العقوبة ويحدد عناصر قيام الجريمة

الدستورية تحسم عقوبة التعدي بالبناء على أراضي الدولة.. تحسم الجدل حول المادة 372 مكررًا

الدستورية
الدستورية

حسمت المحكمة الدستورية العليا، السبت 10 أكتوبر 2026، الجدل الدستوري حول جانب من المادة 372 مكررًا من قانون العقوبات، بعدما قضت برفض الدعوى المحالة إليها للطعن على النص المعدل بالقانون رقم 164 لسنة 2019، فيما يتعلق بمعاقبة التعدي بالبناء على أرض زراعية أو أرض فضاء مملوكة للدولة. ويعني الحكم استمرار سريان العقوبة التي تبدأ بالحبس سنتين، إلى جانب غرامة تبدأ من 100 ألف جنيه وقد تصل إلى مليون جنيه، مع تأكيد المحكمة أن قيام الجريمة لا يعتمد على وجود البناء وحده، بل يتطلب كذلك علم المتهم بأن الأرض مملوكة للدولة واتجاه إرادته إلى البناء عليها دون سند قانوني.

ماذا قضت المحكمة الدستورية العليا؟

قضت المحكمة الدستورية العليا، برئاسة المستشار بولس فهمي، برفض الدعوى التي أحيلت إليها للفصل في دستورية نص المادة 372 مكررًا من قانون العقوبات، بعد استبدال النص بموجب القانون رقم 164 لسنة 2019.

وانصب النزاع الدستوري محل الحكم على ما تضمنته الفقرة الأولى من معاقبة من يتعدى بالبناء على أرض زراعية أو أرض فضاء مملوكة للدولة.

وانتهت المحكمة إلى أن التجريم والعقوبة في هذا النطاق يتفقان مع أحكام الدستور ولا يخالفان قواعد الشرعية الدستورية.

وبذلك لا ينشئ حكم السبت عقوبة جديدة، وإنما يحسم الطعن الموجه إلى عقوبة قائمة بالفعل في قانون العقوبات ويؤكد استمرار العمل بها في الحدود التي فصل فيها الحكم.

ما عقوبة التعدي بالبناء على أراضي الدولة؟

تنص المادة 372 مكررًا، في صورتها المعدلة بالقانون رقم 164 لسنة 2019، على عقوبات تبدأ بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على خمس سنوات، إلى جانب غرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مليون جنيه.

ويشمل النص في نطاقه الكامل صورًا من التعدي على أراضٍ أو عقارات مملوكة للدولة أو لأشخاص اعتبارية عامة أو جهات تعد أموالها من الأموال العامة، سواء بالزراعة أو الغرس أو إقامة إنشاءات أو الشغل أو الانتفاع دون سند قانوني، وفق الحالات التي يحددها النص.

كما يرتب القانون آثارًا أخرى على الجريمة، من بينها رد العقار المغتصب، وإزالة ما أقيم عليه من منشآت على نفقة الجاني في الحالات المقررة، فضلًا عن دفع قيمة ما عاد عليه من منفعة.

أما الحكم الدستوري الصادر اليوم فتركز تحديدًا على دستورية التجريم والعقاب المتصل بالبناء على الأراضي محل الحماية الواردة في الدعوى، وليس على إنشاء منظومة عقوبات جديدة تختلف عن النص القائم.

شرطان مهمان لقيام الجريمة

أوضحت المحكمة في حيثياتها أن المشرع حدد الركن المادي للجريمة بصورة واضحة، ويتمثل في إقامة أعمال بناء على الأرض المحمية دون سند من القانون.

لكن وجود بناء على أرض مملوكة للدولة لا يكفي وحده، وفق الأساس الذي عرضته المحكمة للحكم.

إذ يتطلب قيام الجريمة أيضًا توافر القصد الجنائي العام، بما يعني علم الجاني بأن الأرض التي وقع عليها التعدي مملوكة للدولة، واتجاه إرادته إلى إقامة البناء عليها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية عملية لأنها تفرق بين مجرد وجود إنشاء مادي وبين ثبوت العناصر القانونية اللازمة للمساءلة الجنائية، والتي تخضع للتقدير أمام محكمة الموضوع في كل قضية وفق أدلتها وظروفها.

لماذا اعتبرت الدستورية العقوبة متناسبة؟

استندت المحكمة في حكمها إلى أن تجريم البناء على أراضي الدولة يرتبط بضرورات اجتماعية واقتصادية تستهدف حماية الملكية العامة ومنع الاعتداء عليها دون سند قانوني.

كما رأت أن المشرع حدد الفعل المجرم بصورة تمنع الغموض، وحدد للعقوبة حدًا أدنى وحدًا أقصى بدل فرض عقوبة واحدة ثابتة في جميع الوقائع.

ويمنح هذا النطاق القاضي الجنائي مساحة لتقدير العقوبة المناسبة داخل الحدود القانونية بحسب ظروف كل واقعة وملابساتها.

وأكدت المحكمة كذلك أن النص لا يصادر سلطة القاضي في إيقاف تنفيذ عقوبة الغرامة متى توافرت الشروط القانونية التي تسمح بذلك.

وبناءً على ذلك، انتهت إلى أن العقوبات تتناسب مع جسامة السلوك الذي استهدف المشرع تجريمه، وأن النص استوفى متطلبات الشرعية الدستورية.

هل الحكم يشمل جميع مخالفات البناء؟

لا يعني حكم المحكمة الدستورية أن كل مخالفة بناء في مصر أصبحت خاضعة تلقائيًا للمادة 372 مكررًا.

فالنص محل الحكم يتعلق بالتعدي على الأراضي والأموال التي حددها قانون العقوبات، وفي مقدمتها في نطاق الدعوى الأراضي الزراعية أو الأراضي الفضاء المملوكة للدولة التي يقام عليها بناء دون سند قانوني.

أما مخالفات البناء على ملكية خاصة أو المخالفات المتعلقة بالتراخيص والاشتراطات البنائية، فقد تخضع لنصوص وقوانين أخرى بحسب طبيعة المخالفة ومكانها والحق المعتدى عليه.

ومن ثم يجب التفرقة بين «مخالفة بناء» وبين «التعدي على أرض مملوكة للدولة»، لأن الوصف القانوني والعقوبة لا يتحددان بمجرد وجود مبنى مخالف، وإنما بطبيعة الأرض والفعل والنص القانوني الذي ينطبق على الواقعة.

هل التصالح في مخالفات البناء يلغي هذه العقوبة؟

ملف التصالح في بعض مخالفات البناء يختلف قانونيًا عن الحكم الدستوري الصادر بشأن المادة 372 مكررًا.

فقانون التصالح يحدد نطاق المخالفات التي يجوز قبول التصالح فيها وشروطها والجهات المختصة بها، ولا يعني فتح باب التصالح أن جميع صور التعدي على أملاك الدولة أو الأراضي المحمية أصبحت قابلة للتسوية بصورة تلقائية.

كما أن مد مهلة تلقي طلبات التصالح، الذي وافق عليه مجلس الوزراء أخيرًا لمدة ستة أشهر جديدة تبدأ من 5 نوفمبر 2026، يتعلق بمدة تقديم الطلبات في الحالات التي يسمح القانون أصلًا بالتصالح بشأنها.

ولا يؤدي هذا المد إلى إلغاء نصوص قانون العقوبات أو إسقاط المسؤولية عن أفعال غير داخلة في نطاق التصالح.

لذلك يجب التعامل مع الملفين بصورة منفصلة: الأول يتعلق بالإجراءات الإدارية للتصالح في المخالفات الجائز تسويتها، والثاني يتعلق بالتجريم الجنائي للتعدي على الأموال والأراضي التي يحميها قانون العقوبات.

ماذا تغير بعد حكم 10 أكتوبر؟

التغيير الرئيسي ليس في قيمة العقوبة، وإنما في حسم المنازعة الدستورية المعروضة على المحكمة.

فالمادة 372 مكررًا كانت سارية بالفعل قبل جلسة السبت، والعقوبات الواردة فيها لم تبدأ اليوم.

لكن رفض الدعوى يعني أن المحكمة لم تجد في نطاق الطعن المعروض أمامها ما يؤدي إلى إسقاط التجريم أو العقوبة المقررة للبناء على الأراضي التي تناولتها الدعوى.

ويصبح الأثر الأهم للحكم تثبيت الأساس الدستوري للنص في هذا النطاق، مع توضيح أن المسؤولية لا تقوم آليًا لمجرد وجود بناء، وإنما بعد إثبات الفعل المادي والقصد الجنائي والعناصر الأخرى المطلوبة قانونًا.

وبذلك حسمت المحكمة نقطة كانت محل المنازعة بشأن المادة 372 مكررًا: حماية أراضي الدولة بالتجريم والعقوبة المشددة، متى ثبت التعدي بالبناء دون سند قانوني وتوافرت أركان الجريمة، تتفق مع الدستور وفق حكم المحكمة الصادر في 10 أكتوبر 2026.

 

تم نسخ الرابط