يوستينا شيروكا بولا تفوز بثقة البرلمان وتصبح ثالث امرأة تتولى الرئاسة
كوسوفو تنتخب أول رئيسة كاثوليكية رغم أن 93% من سكانها مسلمون
أصبحت يوستينا شيروكا بولا أول شخصية كاثوليكية تتولى رئاسة جمهورية كوسوفو، بعد انتخابها من البرلمان في 6 أكتوبر 2026، داخل دولة يشكل المسلمون 93.49% من سكانها، بينما لا تتجاوز نسبة الكاثوليك 1.75%، وفق نتائج التعداد السكاني الرسمي لعام 2024. وحصلت الرئيسة الجديدة على 81 صوتًا من أصل 120 نائبًا، لتصبح ثالث امرأة تتولى رئاسة البلاد منذ استقلالها عام 2008. ويكشف هذا الانتخاب عن جانب مهم في النظام السياسي الكوسوفي، إذ لا يربط الدستور أهلية الوصول إلى الرئاسة بالانتماء الديني، وإنما بالمواطنة والشروط الدستورية، في بلد يتمتع بتنوع ديني رغم الأغلبية المسلمة الكبيرة.
من هي رئيسة كوسوفو الكاثوليكية يوستينا شيروكا بولا؟
تتمتع يوستينا شيروكا بولا بخبرة سياسية وأكاديمية، إذ سبق أن تولت وزارة الطاقة والمناجم بين عامي 2008 و2011، ثم شغلت مقعدًا في البرلمان خلال الفترة من 2011 إلى 2014.
كما تولت رئاسة أكاديمية العلوم والفنون في كوسوفو، وكانت أول امرأة تصل إلى هذا المنصب، قبل انتقالها إلى رئاسة الجمهورية.
وتنتمي الرئيسة الجديدة إلى عائلة ذات جذور ألبانية كاثوليكية، وفق تصريحات أدلت بها الدبلوماسية الألبانية إديت هارشي، التي تحدثت عن أصول أسرة شيروكا المرتبطة بمدينة شكودرا الألبانية، وإقامتها التاريخية في منطقة بريزرن بكوسوفو.
وأشارت هارشي إلى أن والد الرئيسة الجديدة، سيمون شيروكا، كان يعمل في صياغة الحلي الفضية، مؤكدة الانتماء الكاثوليكي للعائلة.
وبانتخابها، تنضم شيروكا بولا إلى قائمة النساء اللاتي تولين رئاسة كوسوفو، بعد عاطفة يحيى آغا وفيوسا عثماني، لتصبح ثالث امرأة تتولى المنصب.
كيف وصلت امرأة كاثوليكية إلى رئاسة دولة غالبية سكانها مسلمون؟
جاء انتخاب شيروكا بولا نتيجة تصويت داخل البرلمان، وليس عبر انتخابات رئاسية شعبية مباشرة، وهي نقطة أساسية لفهم طبيعة انتقال السلطة في كوسوفو.
فقد توصلت القوى السياسية إلى توافق بشأن ترشيحها، بعد فترة طويلة من الخلافات البرلمانية، ليحصل اختيارها على 81 صوتًا من أصل 120، متجاوزة الحد الأدنى المطلوب للفوز في الجولتين الأوليين، والبالغ 80 صوتًا.
وجرى التصويت قبيل انتهاء مهلة دستورية كان استمرار الخلاف بشأنها يهدد البلاد بانتخابات برلمانية مبكرة جديدة.
وبذلك لم يكن الحدث مجرد وصول شخصية مسيحية إلى الرئاسة، بل أيضًا إنهاء أزمة سياسية من خلال اتفاق بين قوى برلمانية مختلفة على اختيار رئيسة جديدة.
وتؤدي رئيسة الجمهورية في النظام الكوسوفي دورًا يمثل وحدة الدولة، بينما تظل إدارة الحكومة اليومية من اختصاص السلطة التنفيذية التي يقودها رئيس الوزراء.
ماذا تكشف الأرقام الرسمية عن المسلمين والمسيحيين في كوسوفو؟
تظهر نتائج التعداد السكاني الذي أجرته وكالة الإحصاء في كوسوفو عام 2024 أن المسلمين يمثلون الغالبية الساحقة من السكان، في مقابل أقليات مسيحية تضم الأرثوذكس والكاثوليك.
وبحسب النتائج الرسمية، تبلغ نسبة المسلمين 93.49% من السكان، مقابل 2.31% للأرثوذكس، و1.75% للكاثوليك.
كما سجل التعداد 0.45% لأتباع ديانات أخرى، و0.50% لأشخاص أعلنوا عدم انتمائهم إلى أي دين، بينما لم يقدم 1.50% إجابة عن سؤال الانتماء الديني.
وتبرز هذه الأرقام الفارق بين الوزن السكاني للطائفة الكاثوليكية وموقع الرئيسة الجديدة، التي وصلت إلى أعلى منصب في الدولة رغم انتمائها إلى أقلية دينية محدودة العدد.
لكن هذه النسب تعبر عن التركيبة السكانية المسجلة في تعداد 2024، ولا تمثل توزيعًا دينيًا لأعضاء البرلمان الذين انتخبوا الرئيسة، ولا يمكن اعتبار نتيجة التصويت استفتاءً شعبيًا على الانتماء الديني.
ماذا يقول دستور كوسوفو عن الدين وشروط رئاسة الجمهورية؟
تقدم نصوص الدستور تفسيرًا مباشرًا لإمكانية تولي شخصية من أقلية دينية رئاسة البلاد.
فالمادة الثامنة من دستور كوسوفو تنص على أن الجمهورية دولة علمانية ومحايدة في المسائل المتعلقة بالمعتقدات الدينية، بينما تقرر المادة الثالثة مبدأ المساواة أمام القانون وحماية حقوق جميع المجتمعات ومشاركتها.
أما المادة الخامسة والثمانون، فتحدد أهلية الترشح لرئاسة الجمهورية بالمواطنة وبلوغ سن 35 عامًا على الأقل، دون اشتراط الانتماء إلى دين معين.
وتنص المادة السادسة والثمانون على انتخاب الرئيس بواسطة البرلمان بالاقتراع السري، وبأغلبية ثلثي الأعضاء في الجولتين الأوليين، مع تنظيم جولة ثالثة وفق شروط مختلفة إذا لم يتمكن أي مرشح من تحقيق الأغلبية المطلوبة.
وتوضح هذه الأحكام أن انتخاب رئيسة كاثوليكية داخل دولة ذات أغلبية مسلمة يتفق مع الإطار الدستوري القائم، ولا يتطلب استثناءً تشريعيًا أو تعديلًا لقواعد تولي المنصب.
ما أهمية انتخاب يوستينا شيروكا بولا لرئاسة كوسوفو؟
يكتسب انتخاب شيروكا بولا دلالتين واضحتين؛ الأولى سياسية، تتمثل في نجاح البرلمان في إنهاء خلاف بشأن منصب الرئاسة، والثانية مجتمعية، ترتبط بوصول امرأة من الأقلية الكاثوليكية إلى موقع رئاسة دولة ذات أغلبية مسلمة.
وتعكس هذه التجربة إمكانية الفصل بين الانتماء الديني للفرد وأهليته لتولي المناصب العامة، وفق الضمانات التي ينص عليها الدستور، دون أن يعني ذلك بالضرورة غياب جميع التحديات المرتبطة بالتعددية الدينية أو السياسية.
وتعود بداية الدولة الحديثة في كوسوفو إلى إعلان الاستقلال عن صربيا في 17 فبراير 2008، ومنذ ذلك التاريخ شهدت البلاد تطورات سياسية ومؤسسية متعددة، من بينها وصول ثلاث نساء إلى رئاسة الجمهورية.
وفي أول خطاب لها بعد انتخابها، أكدت الرئيسة الجديدة التزامها بخدمة جميع المواطنين، والعمل من أجل وحدة البلاد وتعزيز المؤسسات واحترام الدستور.
وتبقى أبرز حقيقة في هذا الحدث أن انتخاب الرئيسة لم يُحسم على أساس نسبة أتباع ديانتها بين السكان، بل من خلال تصويت برلماني استوفى الأغلبية الدستورية المطلوبة، في تجربة تجمع بين التنوع الديني والتنافس السياسي داخل دولة واحدة.









