وزير الري يوضح نقاط الخلاف ومسار المفاوضات بين دول الحوض
مصر تطالب بتعديل اتفاقية حوض النيل وإثيوبيا ترفض مواصلة المشاورات
جددت مصر دعوتها إلى مراجعة الاتفاقية الإطارية للتعاون في حوض النيل، المعروفة باتفاقية عنتيبي، بعد تأكيد الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، استمرار اعتراض إثيوبيا على استكمال المشاورات الخاصة بتعديلها، رغم وجود توافق بين بقية الدول المشاركة على عدم الممانعة في مراجعتها، وفق الموقف الذي عرضه الوزير خلال افتتاح أسبوع القاهرة التاسع للمياه. ويعيد هذا التطور تسليط الضوء على خلاف قانوني ومؤسسي يتجاوز ملف سد النهضة، ويتعلق بالقواعد المنظمة للتعاون بين دول الحوض، ومستقبل المؤسسة المشتركة لإدارة موارده المائية، في وقت تتمسك فيه القاهرة بضرورة التوصل إلى إطار توافقي يراعي مصالح الدول العشر، ولا يستبعد دول المصب من ترتيبات إدارة النهر.
مصر تطالب بمراجعة اتفاقية حوض النيل وإثيوبيا تعترض
قال الدكتور هاني سويلم إن معالجة الخلافات المائية بين دول حوض النيل تتطلب العودة إلى مناقشة الاتفاقية الإطارية وإجراء تعديلات تتوافق مع قواعد القانون الدولي، وتضمن مراعاة الاحتياجات والأمن المائي لجميع الدول المعنية.
وأوضح الوزير أن الآلية التشاورية التي جرى تشكيلها بين دول الحوض أظهرت توافقًا على عدم الممانعة في مراجعة الاتفاقية، باستثناء إثيوبيا التي لا تزال تعترض على استكمال هذا المسار، بحسب ما عرضه خلال فعاليات أسبوع القاهرة للمياه.
وأعرب عن أمله في أن تعيد أديس أبابا النظر في موقفها خلال الاجتماعات المقبلة، بما يسمح بمناقشة التعديلات المقترحة والوصول إلى صيغة تحظى بتوافق أوسع بين دول الحوض.
وتتمسك القاهرة بأن يشمل أي إطار جديد قواعد واضحة لاتخاذ القرارات بالتوافق، واحترام مبادئ القانون الدولي المنظمة للأنهار المشتركة، مع مراعاة مختلف الموارد المائية المتاحة داخل الحوض، وليس تدفقات مياه النهر وحدها.
ولا تعني التصريحات المصرية صدور تعديل جديد للاتفاقية أو موافقة إثيوبيا على إعادة التفاوض، وإنما تؤكد استمرار الخلاف بشأن فتح النص القائم للمراجعة.
كيف وصلت مشاورات اتفاقية عنتيبي إلى المرحلة الحالية؟
تعود أحدث مراحل الخلاف إلى مسار تشاوري أطلقه وزراء المياه بدول حوض النيل في نوفمبر 2024، بمشاركة قيادية من أوغندا ورواندا وجنوب السودان، بهدف معالجة تحفظات الدول الأربع التي لم تصبح أطرافًا في الاتفاقية الإطارية.
وشاركت مصر في المشاورات باعتبارها فرصة لمعالجة المسائل العالقة واستعادة التوافق داخل مبادرة حوض النيل، التي تضم الدول العشر المعنية بالتعاون في إدارة موارد النهر.
وفي ديسمبر 2025، قُدم تقرير إلى المجلس الوزاري للمبادرة أوصى بمواصلة العملية التشاورية، والعمل على تطوير الاتفاقية بما يستوعب شواغل الدول غير المنضمة إليها.
لكن هاني سويلم أوضح، خلال إحاطة رسمية سابقة للصحفيين الأجانب، أن إثيوبيا كانت الدولة الوحيدة التي رفضت استمرار العملية التشاورية خلال اجتماعات المجلس الوزاري في فبراير 2026.
ويكشف هذا التسلسل أن الاعتراض الذي تحدث عنه الوزير خلال أسبوع القاهرة للمياه ليس قرارًا إثيوبيًا جديدًا صدر بالتزامن مع المؤتمر، وإنما موقف سبق إعلانه خلال الاجتماعات الوزارية، وجددت مصر التأكيد على استمراره.
كما أن الاعتراض على مواصلة آلية تشاورية محددة لا يعني بالضرورة توقف جميع أشكال الحوار بين دول الحوض، إذ واصلت مبادرة حوض النيل طرح استمرار التواصل مع الدول غير المنضمة إلى الاتفاقية ضمن أولويات التعاون المؤسسي.
ما اتفاقية عنتيبي وما البنود محل الخلاف؟
تُعرف الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل باسم اتفاقية عنتيبي، وهي إطار قانوني يهدف إلى تنظيم التعاون بين الدول الأطراف في إدارة الموارد المائية المشتركة وتنميتها وحمايتها.
وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 13 أكتوبر 2024، بعد اكتمال العدد المطلوب من تصديقات الدول المنضمة إليها، لكنها لا تُلزم الدول التي لم توقع عليها أو تصدق عليها لمجرد دخولها حيز النفاذ.
وتضم قائمة الدول التي لم تصبح أطرافًا فيها مصر والسودان وكينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وفق البيانات المنشورة لمبادرة حوض النيل.
وتكمن إحدى النقاط القانونية المهمة في أن الاتفاقية لا تتضمن تحديد حصص رقمية ثابتة لمياه النهر بين الدول، وإنما تضع مبادئ وحقوقًا والتزامات للتعاون والاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية.
كما أن الخلاف بشأن المادة الرابعة عشرة، المتعلقة بالأمن المائي، لم يُحسم بالكامل خلال المفاوضات الأصلية، وجرى إلحاق الجزء المختلف عليه بنص الاتفاقية لمعالجته لاحقًا في الإطار المؤسسي المنصوص عليه فيها.
وتنص الاتفاقية كذلك على إنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل تتولى دعم التعاون بين الدول الأطراف، وتطوير آليات إدارة الموارد المائية المشتركة، وتبادل المعلومات وتسوية الخلافات المرتبطة بتطبيق الاتفاقية.
وبذلك لا يدور الخلاف حول اسم الاتفاقية فقط، بل يشمل الضمانات المرتبطة بالأمن المائي، وقواعد اتخاذ القرار، ومدى مشاركة جميع دول الحوض في المؤسسة الدائمة المنتظرة.
الموقف الإثيوبي من الاتفاقية ومفوضية حوض النيل
في المقابل، تتمسك إثيوبيا بالاتفاقية الإطارية بصيغتها القائمة، وتعتبرها أساسًا لتطوير التعاون بين دول المنابع والمصب، وفق تصريحات سابقة لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا.
وكان الوزير الإثيوبي قد اتهم مصر والسودان بعرقلة استكمال إنشاء مفوضية حوض النيل، معتبرًا أن الاتفاقية القائمة توفر إطارًا للاستخدام المنصف والمعقول للمياه والتنمية المشتركة.
وأكد في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية أن بلاده تدعم تفعيل المفوضية، وترى أن الدول التي لم تنضم إلى الاتفاقية يمكنها المشاركة في الإطار التعاوني القائم.
وتعبر هذه التصريحات عن الموقف الإثيوبي المعلن قبل انعقاد أسبوع القاهرة للمياه، ولا تمثل ردًا جديدًا على تصريحات سويلم الأخيرة.
ويظهر الاختلاف بين الجانبين في المسار المقترح للتوصل إلى تعاون مؤسسي شامل؛ إذ تطالب مصر بمعالجة التحفظات وتطوير الاتفاقية قبل الوصول إلى إطار توافقي جامع، بينما تدفع إثيوبيا باتجاه تفعيل الإطار القائم وانضمام بقية الدول إليه.
ماذا يعني الخلاف لمصر والسودان ومستقبل التعاون المائي؟
يرتبط تمسك مصر بمراجعة الاتفاقية باعتمادها الكبير على نهر النيل، الذي يوفر أكثر من 98% من مواردها المائية المتجددة، وفق البيانات التي استعرضها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح أسبوع القاهرة للمياه.
وتطالب القاهرة بأن تستند إدارة الأنهار المشتركة إلى الإخطار المسبق والتشاور وتبادل الدراسات وعدم التسبب في ضرر جسيم، مع تأكيد احترام حق دول المنابع في التنمية والاستفادة من مواردها الطبيعية.
وكانت مصر والسودان قد أكدتا في بيان مشترك رفض الإجراءات الأحادية التي قد تؤثر في المصالح المائية لدولتي المصب، والدعوة إلى استعادة التوافق داخل مؤسسات التعاون بحوض النيل.
ومن المهم التمييز بين مسارين مختلفين؛ الأول يتعلق بمراجعة الاتفاقية الإطارية التي تنظم التعاون بين دول الحوض، والثاني يتصل بالخلاف الثلاثي بشأن قواعد إدارة وتشغيل سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا.
ولا يؤدي تعديل اتفاقية عنتيبي، إذا تم مستقبلًا، إلى إقرار اتفاق تلقائي بشأن تشغيل سد النهضة، كما لا يمثل الاعتراض الإثيوبي على مراجعة الاتفاقية إعلانًا جديدًا بإنهاء كل مسارات التعاون المائي.
وتبقى الخطوة المنتظرة هي مدى إمكانية استئناف المشاورات بشأن النصوص المختلف عليها، والوصول إلى ترتيبات قانونية ومؤسسية تستوعب الدول غير المنضمة وتحدد أسس التعاون المشترك.
ولم تتضمن التصريحات المعلنة تحديد موعد نهائي لاستئناف المفاوضات الخاصة بتعديل الاتفاقية، أو الإعلان عن قبول إثيوبيا بالمراجعة، ما يجعل مستقبل هذا المسار مرتبطًا بنتائج الاجتماعات المقبلة بين دول حوض النيل.









