تقديرات جديدة لنفقات الطعام تكشف الضغوط على ميزانية الأسر
العسقلاني يحذر: 15 ألف جنيه شهريًا لمعيشة أسرة من 4 أفراد دون لحوم في مصر
أعادت تصريحات محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء لحماية المستهلك، فتح النقاش بشأن تكلفة المعيشة في مصر، بعدما قدر احتياجات أسرة مكونة من أربعة أفراد بنحو 15 ألف جنيه شهريًا، دون إدراج اللحوم ضمن طعامها. واستند العسقلاني، خلال ظهوره ببرنامج «اليوم اقتصاد» على قناة «مودرن إم تي آي»، إلى أمثلة لنفقات الوجبات اليومية، موضحًا أن الإفطار البسيط قد يكلف الأسرة 70 جنيهًا، بينما يحتاج الغداء والعشاء إلى 150 جنيهًا على الأقل. وتأتي هذه التقديرات في ظل استمرار ارتفاع مستويات الأسعار، رغم تراجع معدل التضخم السنوي في الحضر خلال سبتمبر 2026، ما يبرز الفرق بين تباطؤ زيادة الأسعار وانخفاض تكلفة المعيشة الفعلية.
وتكتسب التصريحات أهمية خاصة عند مقارنتها ببيانات التضخم الرسمية ودراسة أخرى صدرت في أغسطس 2026 بشأن ميزانية الأسرة المصرية، إذ تختلف التقديرات باختلاف نوع الاحتياجات ومستوى المعيشة والمصروفات التي تدخل في الحساب.
تكلفة المعيشة في مصر.. ماذا تعني تقديرات 15 ألف جنيه؟
قال محمود العسقلاني، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، إن أسرة مكونة من أربعة أفراد قد تحتاج إلى نحو 15 ألف جنيه شهريًا لتغطية احتياجاتها المعيشية، حتى دون وجود اللحوم على مائدتها.
وجاءت تصريحاته خلال لقائه مع الإعلامية فاتن عبد المعبود، في برنامج «اليوم اقتصاد»، الذي تناول الضغوط الاقتصادية الناتجة عن أسعار السلع الغذائية والاحتياجات الأساسية.
وأوضح العسقلاني أن استمرار الزيادات السعرية يضع الأسر أمام صعوبة في التوفيق بين الدخل المتاح والنفقات اليومية، خصوصًا عندما تستحوذ الاحتياجات الضرورية على جانب كبير من الميزانية.
ولا يمثل رقم 15 ألف جنيه حدًا أدنى رسميًا للمعيشة أقرته الحكومة، كما أنه ليس متوسطًا إحصائيًا معلنًا لإنفاق جميع الأسر المصرية.
وإنما يتعلق بتقدير طرحه رئيس جمعية لحماية المستهلك خلال حديثه عن تكلفة توفير احتياجات أسرة افتراضية من أربعة أشخاص.
وتختلف الميزانية الفعلية بين الأسر بحسب المحافظة، وعدد الأفراد، وطبيعة السكن، ومستوى الدخل، والالتزامات التعليمية والصحية وغيرها من النفقات.
70 جنيهًا للإفطار و150 جنيهًا للغداء والعشاء
استعرض العسقلاني تكلفة بعض الوجبات اليومية لتوضيح حجم الإنفاق الذي قد تتحمله الأسرة مقابل توفير الطعام الأساسي.
وقدر وجبة إفطار تعتمد على الفول والطعمية لأسرة من أربعة أفراد بنحو 70 جنيهًا على الأقل.
كما أشار إلى أن توفير وجبتي الغداء والعشاء للأسرة نفسها قد يحتاج إلى نحو 150 جنيهًا كحد أدنى، وفق المثال الذي عرضه خلال اللقاء.
وبناءً على هذين التقديرين، تصل تكلفة الوجبات الثلاث إلى 220 جنيهًا في اليوم الواحد، إذا استمر نمط الإنفاق نفسه.
ويعادل هذا المبلغ 6600 جنيه خلال شهر مكون من 30 يومًا، باعتباره حسابًا توضيحيًا مبنيًا على الأرقام التي ذكرها العسقلاني، وليس نتيجة مسح رسمي لأسعار الغذاء.
ويظهر هنا الفرق بين تقدير تكلفة الطعام اليومي وإجمالي تكلفة المعيشة الشهرية.
فالمبلغ الذي تحدث عنه العسقلاني، والبالغ 15 ألف جنيه، يتجاوز حساب الوجبات المذكورة، ويرتبط بتقديره الأوسع لاحتياجات الأسرة.
ولا تتضمن التصريحات المنشورة تفصيلًا محاسبيًا يحدد قيمة كل بند من البنود الأخرى الداخلة في الرقم الإجمالي.
وبالتالي لا يمكن اعتبار الفارق بين المبلغين تكلفة ثابتة للإيجار أو التعليم أو المرافق، لأن طريقة توزيع هذه النفقات لم تُعلن بصورة تفصيلية.
هل 15 ألف جنيه تكفي جميع احتياجات الأسرة؟
تختلف الإجابة بحسب طبيعة المصروفات التي تتحملها كل أسرة، إذ لا تقتصر ميزانية المنزل على شراء الطعام.
فهناك التزامات أخرى تشمل السكن والكهرباء والمياه والغاز والمواصلات والتعليم والرعاية الصحية، إلى جانب الاحتياجات الشخصية والمصروفات غير المنتظمة.
وقد تتحمل أسرة تسكن في شقة مملوكة لها أعباء تختلف عن أسرة تدفع إيجارًا شهريًا، حتى مع تساوي عدد الأفراد.
كما تختلف المصروفات التعليمية بين الأسر التي لديها أطفال في مراحل دراسية مختلفة، أو تعتمد على خدمات تعليمية إضافية.
وتزداد أهمية هذه الفروق عند محاولة تفسير رقم موحد لتكلفة المعيشة، لأن تقديرًا معينًا قد يغطي احتياجات محددة لدى أسرة، ولا يكفي لتغطية الالتزامات نفسها لدى أسرة أخرى.
ولهذا لا يصح التعامل مع رقم 15 ألف جنيه باعتباره قاعدة مالية تنطبق على جميع المواطنين، وإنما تقديرًا يعبر عن مستوى معين من الاحتياجات والضغوط التي تناولها العسقلاني.
دراسة أخرى تقدر معيشة أسرة من 4 أفراد بأكثر من 31 ألف جنيه
تكشف مقارنة تصريحات العسقلاني بدراسة منشورة في أغسطس 2026 عن أهمية تحديد نوع سلة الاحتياجات قبل الحكم على تكلفة المعيشة.
فقد أصدر مركز العدل لدراسات السياسات العامة، التابع لحزب العدل، دراسة قدرت تكلفة سلة معيشة مرجعية لأسرة من أربعة أفراد من الطبقة الوسطى بنحو 31 ألفًا و784 جنيهًا شهريًا في السيناريو الأوسط.
وأوضح المركز أن هذا الرقم لا يمثل متوسط الإنفاق الفعلي لجميع الأسر المصرية، وإنما تكلفة مجموعة محددة من الاحتياجات التي جرى تسعيرها ضمن نموذج معيشي مرجعي.
ووفق الدراسة، بلغت تكلفة الغذاء نحو 7420 جنيهًا شهريًا، بما يعادل 23.3% من إجمالي ميزانية الأسرة في السيناريو المرجعي.
كما قدرت الدراسة تكلفة السكن بنحو 6000 جنيه، والتعليم بنحو 5133 جنيهًا، والنقل بنحو 3440 جنيهًا شهريًا.
وشملت بنودها كذلك الرعاية الصحية والمرافق والاتصالات والملابس والنفقات الاجتماعية والشخصية، مع تخصيص مبالغ مختلفة لكل بند.
ووضعت الدراسة ثلاثة سيناريوهات لتكلفة المعيشة داخل نطاق الطبقة الوسطى، تبدأ من نحو 23.1 ألف جنيه، مرورًا بنحو 31.8 ألف جنيه، وصولًا إلى نحو 43.2 ألف جنيه شهريًا.
لكن المقارنة بين هذه الدراسة وتقديرات العسقلاني لا تعني أن أحد الرقمين صحيح والآخر خاطئ.
فالدراسة تعتمد على سلة معيشة مرجعية تتضمن مستوى محددًا من السكن والتعليم والخدمات، بينما لم تتضمن تصريحات العسقلاني المنشورة تفاصيل كافية عن جميع البنود الداخلة في تقديره.
وبذلك تكشف المقارنة أن اختلاف الأرقام قد يرجع إلى اختلاف نوع الاحتياجات التي يجري احتسابها، وليس بالضرورة إلى اختلاف أسعار السلع وحدها.
ماذا تقول بيانات التضخم الرسمية عن أسعار الغذاء؟
تزامنت تصريحات رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء مع صدور بيانات رسمية تظهر استمرار الضغوط السعرية على عدد من السلع الغذائية.
فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية بنسبة 1.5% خلال سبتمبر 2026 مقارنة بأغسطس السابق.
وسجل معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية 12.8% في سبتمبر، مقابل 12.7% خلال أغسطس.
وأظهرت البيانات ارتفاع أسعار مجموعة الخضروات بنسبة 15.1% على أساس شهري، واللحوم والدواجن بنسبة 2.5%، والفاكهة بنسبة 2.6%.
كما زادت أسعار الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 1.2%، والحبوب والخبز بنسبة 0.4%، والألبان والجبن والبيض بنسبة 0.4%.
وتوضح هذه المؤشرات أن التغيرات السعرية تختلف من مجموعة غذائية إلى أخرى، ولا تتحرك جميع السلع بالمعدل نفسه.
وفي المقابل، أفاد البنك المركزي المصري بأن معدل التضخم العام السنوي في الحضر تراجع إلى 13.9% خلال سبتمبر 2026، مقابل 14.5% في أغسطس.
ولا يوجد تعارض بين المؤشرين، لأن أحدهما يقيس إجمالي الجمهورية والآخر يتعلق بالمناطق الحضرية، كما تختلف النتائج بحسب النطاق الجغرافي والتوقيت المستخدم في المقارنة.
وتساعد هذه البيانات على وضع تصريحات العسقلاني في سياقها الاقتصادي، دون اعتبار تقديراته الفردية جزءًا من الأرقام الرسمية الصادرة عن أجهزة الإحصاء.
لماذا يستمر الضغط على ميزانية الأسرة رغم تراجع التضخم؟
هناك فرق بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض الأسعار نفسها.
فتراجع التضخم السنوي من مستوى مرتفع إلى مستوى أقل يعني أن معدل زيادة الأسعار أصبح أبطأ، وليس أن السلع عادت بالضرورة إلى أسعارها السابقة.
ولهذا قد تشهد الأسواق تباطؤًا في وتيرة الارتفاع العام للأسعار، بينما تواصل الأسر تحمل تكلفة مرتفعة للغذاء والخدمات مقارنة بالفترات السابقة.
كما أن معدل التضخم العام يمثل متوسطًا لحركة مجموعات عديدة من السلع والخدمات، ولا يعبر بصورة متطابقة عن تجربة كل أسرة.
فالأسرة التي تخصص نسبة كبيرة من دخلها للطعام قد تتأثر بشدة بزيادة أسعار الخضروات أو اللحوم أو الحبوب، حتى عندما يكون معدل التضخم العام أقل من الشهر السابق.
وتتحدد الضغوط المعيشية كذلك بالعلاقة بين تغير الأسعار ونمو الدخل، وليس بمستوى الأسعار وحده.
فإذا زادت النفقات الضرورية بوتيرة تتجاوز نمو دخل الأسرة، فقد تنخفض قدرتها على شراء الاحتياجات المعتادة دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث زيادة جديدة في أسعار جميع السلع.
الفجوة بين تكلفة المعيشة والحد الأدنى للأجور
تتضح أهمية تقديرات الإنفاق الأسري عند مقارنتها بمستويات الأجور المعلنة، مع مراعاة أن الأجر يخص العامل بينما تتعلق تكلفة المعيشة بجميع أفراد الأسرة.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص 7000 جنيه شهريًا، وفق قرار المجلس القومي للأجور المطبق منذ مارس 2025.
أما الحد الأدنى للعاملين بالجهاز الإداري للدولة فقد وصل إلى 8000 جنيه شهريًا اعتبارًا من يوليو 2026.
ولا يعني اختلاف هذه المبالغ عن تقديرات تكلفة المعيشة أن جميع الأسر تعتمد على دخل واحد أو تتقاضى الحد الأدنى للأجور.
فقد تضم الأسرة أكثر من شخص يعمل، أو تحصل على مصادر دخل إضافية، بينما تعتمد أسر أخرى على دخل واحد فقط.
كما أن المقارنة بين إجمالي الأجر وتكلفة المعيشة تحتاج إلى مراعاة طبيعة الأجر واشتراكات التأمينات والاستقطاعات والالتزامات المالية الأخرى.
ومع ذلك، فإن الفارق بين تقديرات الإنفاق الشهري ومستويات الدخول المحدودة يوضح سبب الاهتمام بتكلفة الغذاء والخدمات الأساسية باعتبارها من أهم عناصر ميزانية الأسرة.
العسقلاني يطالب بمواجهة الزيادات المتلاحقة في الأسعار
لم تقتصر تصريحات محمود العسقلاني على تقدير النفقات الشهرية، إذ انتقد أيضًا استمرار ارتفاع أسعار السلع وتأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد أن الضغوط المعيشية تتطلب تحركًا للحد من الأعباء التي تتحملها الأسر، خاصة عندما تتغير أسعار بعض الاحتياجات الأساسية بصورة متكررة.
وفي تصريحات أخرى خلال اللقاء التلفزيوني نفسه، تحدث عن ضرورة وضوح الأسعار المعلنة للمستهلكين، معتبرًا أن إظهار سعر السلعة بصورة واضحة يمثل أحد عناصر حماية المستهلك.
كما انتقد الممارسات التي وصفها بأنها تؤدي إلى تحريك الأسعار بصورة مفاجئة، لكنه لم يقدم ضمن التصريحات المتاحة نتائج تحقيق رسمي تثبت وجود اتفاق محدد بين تجار على رفع الأسعار.
وبالتالي تظل اتهاماته بشأن الممارسات التجارية تعبيرًا عن تقييمه وموقفه من السوق، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها وقائع قانونية مثبتة ضد أشخاص أو جهات بعينها.
وأعرب العسقلاني عن استيائه من حجم الضغوط الواقعة على المواطنين، مستخدمًا تعبير «جيوب المصريين خارج التغطية»، في إشارة إلى اتساع الفجوة التي يراها بين الدخول والاحتياجات اليومية.
حقوق المستهلك عند اختلاف أسعار السلع
تكتسب المطالبة بوضوح الأسعار أهمية عملية، لأن معرفة السعر قبل الشراء تساعد المستهلك على المقارنة بين المنتجات والمنافذ المختلفة.
ويتيح جهاز حماية المستهلك تلقي الشكاوى المتعلقة بالممارسات التي قد تخالف حقوق المواطنين في الحصول على معلومات واضحة عن السلع والخدمات.
وتشمل قنوات تقديم الشكاوى الخط الساخن 19588 من خلال الهاتف الأرضي، ورقم واتساب 01577779999، إضافة إلى الموقع الإلكتروني والتطبيق الرسمي للجهاز.
ويوضح الجهاز أهمية الاحتفاظ بفاتورة الشراء والمستندات المؤيدة للشكوى، لأنها تساعد في مراجعة الواقعة محل النزاع.
لكن مجرد ارتفاع سعر سلعة لا يثبت وحده وقوع مخالفة قانونية، إذ يتطلب الأمر النظر في طبيعة السلعة والقواعد المنظمة لتسعيرها والإجراءات التجارية المرتبطة ببيعها.
كما تختلف السلع الخاضعة لتسعير رسمي عن المنتجات التي تتحدد أسعارها وفق آليات السوق، مع استمرار الالتزام بالقواعد المنظمة للإعلان عن الأسعار وحماية المستهلك.
ما الذي تكشفه أرقام تكلفة المعيشة في مصر؟
توضح تقديرات العسقلاني أن النقاش بشأن تكلفة المعيشة لا يقتصر على ارتفاع أسعار السلع، بل يمتد إلى قدرة الأسرة على توفير وجباتها الأساسية والوفاء بالتزاماتها الشهرية.
فالمبلغ الذي قدره رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، والبالغ نحو 15 ألف جنيه شهريًا لأسرة من أربعة أفراد دون اللحوم، يمثل تقديرًا استرشاديًا مرتبطًا بتصريحاته وليس معيارًا حكوميًا ملزمًا.
وفي المقابل، تقدم دراسة مركز العدل نموذجًا آخر أكثر تفصيلًا لميزانية أسرة من الطبقة الوسطى، مع تحديد نفقات السكن والتعليم والغذاء والنقل وغيرها من الاحتياجات.
وتكشف المقارنة بين المصدرين أن تحديد تكلفة معيشة الأسرة يتطلب بيان نوع السلة الاستهلاكية ومكان الإقامة والالتزامات التي تدخل ضمن الحساب.
أما بيانات التضخم الرسمية، فتوفر مؤشرًا على اتجاه الأسعار وتغيرها بمرور الوقت، لكنها لا تحدد وحدها المبلغ الذي تحتاجه كل أسرة للإنفاق خلال الشهر.
وبذلك تعكس تصريحات محمود العسقلاني جانبًا من الجدل المتجدد بشأن الأعباء المعيشية، بينما يظل تقييم التكلفة الفعلية لأي أسرة مرتبطًا بنفقاتها المحددة ومستوى دخلها وأسعار السلع والخدمات التي تعتمد عليها.









