الفقد الفني يتراجع والفاقد التجاري يستمر
سرقة الكهرباء والتلاعب بالعدادات.. خبير يكشف أسباب الخسائر وطرق المواجهة
تمثل سرقة الكهرباء والتلاعب بالعدادات أحد أسباب الفقد التجاري الذي تواجهه شركات توزيع الكهرباء في مصر، رغم أعمال تطوير الشبكات وتحسين كفاءة نقل الطاقة وتوزيعها. وأوضح الدكتور أحمد الشناوي، خبير الطاقة الكهربائية، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «صباح البلد» المذاع على قناة صدى البلد، الجمعة 6 نوفمبر 2026، أن بعض شركات التوزيع تعاني ارتفاعًا في معدلات الفقد التجاري نتيجة عدم تسجيل الاستهلاك الفعلي أو تحصيل قيمته. وتأتي تصريحاته بعد نحو أسبوعين من إعلان وزير الكهرباء محمود عصمت أن الفقد الناتج عن سرقات التيار والتعديات على الشبكة لا يتجاوز 7%، وهو ما يسلط الضوء على الفرق بين خسائر الطاقة الفنية والمستحقات المالية التي لا يتم تحصيلها.
أسباب خسائر الكهرباء والفرق بين الفقد الفني والتجاري
تنقسم خسائر منظومة الكهرباء إلى نوعين رئيسيين، يختلف كل منهما في أسبابه وطرق التعامل معه، وفق التوضيحات التي قدمها خبير الطاقة أحمد الشناوي.
ويتمثل النوع الأول في الفقد الفني، الذي يحدث أثناء نقل الطاقة الكهربائية من محطات الإنتاج عبر خطوط النقل وشبكات التوزيع، ويرتبط بطبيعة المكونات الكهربائية وكفاءة المحولات والكابلات ومستويات الأحمال.
أما النوع الثاني، فهو الفقد التجاري، وينشأ عندما لا تتمكن شركات التوزيع من تسجيل أو تحصيل القيمة الصحيحة للطاقة المستهلكة، سواء نتيجة سرقة التيار أو التلاعب في العدادات أو وجود مشكلات في القياس والتحصيل.
وأوضح الشناوي أن الفقد الفني شهد تراجعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية مع تطوير البنية التحتية، بينما لا تزال بعض شركات التوزيع تواجه تحديات تتعلق بالفقد التجاري.
ويعني هذا الاختلاف أن تحديث الشبكات وصيانة المحولات يعالجان جانبًا من الطاقة المفقودة، لكنهما لا يكفيان وحدهما لمواجهة الاستهلاك غير المسجل أو التوصيلات المخالفة.
ماذا تقول الأرقام المعلنة عن الفقد في الكهرباء؟
كان الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، قد تناول معدلات الفقد خلال مشاركته في جلسة «مسيرة الطاقة المصرية» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، يوم 22 أكتوبر.
وأوضح الوزير أن الفقد الفني في خطوط نقل الكهرباء لا يتجاوز 5%، بينما يبلغ الفقد الفني في شبكات التوزيع نحو 10%، مع استمرار تنفيذ برامج الصيانة لخفض هذه المعدلات.
كما أشار إلى أن الفقد الناتج عن سرقات التيار والتعدي على الشبكة لا يتجاوز 7%، مؤكدًا استمرار تطبيق القانون لمواجهة المخالفات.
وتختلف هذه النسب من حيث نطاق القياس وطبيعة الفقد، ولذلك لا يصح جمعها باعتبارها نسبة واحدة تمثل إجمالي خسائر الشبكة دون مراعاة الأساس المستخدم في احتساب كل مؤشر.
كذلك لا تعني النسبة المعلنة عن سرقات التيار أن جميع شركات توزيع الكهرباء تسجل المعدل نفسه، خاصة أن تصريحات الشناوي تناولت ارتفاع الفقد التجاري داخل بعض الشركات دون تحديد نسب منفصلة لكل منها.
كيف تؤثر سرقة الكهرباء على تشغيل المحطات وصيانة الشبكات؟
تؤدي سرقة التيار الكهربائي إلى استهلاك طاقة لا تحصل شركات التوزيع على مقابلها المستحق، بما يؤثر في الإيرادات المتاحة لتغطية التكاليف التشغيلية والالتزامات المالية.
وأشار الشناوي إلى أن استمرار الفقد التجاري يضغط على الموارد المالية لقطاع الكهرباء، ويؤثر في القدرة على توفير احتياجات تشغيل المحطات وتنفيذ أعمال الصيانة والتطوير.
ولا يقتصر التأثير على الجانب المالي، إذ أوضحت الشركة القابضة لكهرباء مصر في بيانات رسمية سابقة أن الوصلات غير القانونية قد تتسبب في دخول أحمال غير مخطط لها على الشبكات، بما يؤثر في استقرار التغذية الكهربائية.
ومن هنا تختلف نتائج خفض الفقد التجاري عن مجرد زيادة التحصيل؛ إذ يرتبط أيضًا بتحسين معرفة شركات التوزيع بالأحمال الفعلية ومواقع الاستهلاك، بما يساعدها على إدارة الشبكات بصورة أدق.
دور العدادات الذكية ومسبقة الدفع في مواجهة سرقة التيار
يرى خبير الطاقة أن التوسع في تركيب العدادات مسبقة الدفع والعدادات الذكية يمثل أحد المسارات الأساسية للحد من التلاعب وضبط استهلاك الكهرباء.
وتساعد العدادات مسبقة الدفع على تنظيم استهلاك الطاقة من خلال نظام الشحن المسبق، بينما تتيح العدادات الذكية إمكانات إضافية تتعلق بجمع بيانات الاستهلاك وتحليلها ومتابعة حالة القياس بحسب النظام المستخدم.
ويشير دليل العدادات الذكية الصادر عن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة إلى دور هذه التكنولوجيا في تحسين دقة القياس وتقليل الفقد غير الفني، إلى جانب تسهيل متابعة الأحمال واكتشاف بعض حالات الخلل.
لكن تركيب العدادات الحديثة لا يلغي الحاجة إلى التفتيش الفني، لأن اكتشاف المخالفة والتحقق منها يتطلبان مراجعة البيانات والتوصيلات والأحمال وفق الإجراءات المعتمدة.
وتعتمد جهود المواجهة كذلك على مقارنة الطاقة التي تستقبلها شركات التوزيع بالكميات المباعة والمسجلة، ومتابعة العدادات المعطلة أو التي تظهر بيانات استهلاك غير معتادة.
محاضر سرقة الكهرباء والعقوبات القانونية
تخضع حالات الاستيلاء غير المشروع على التيار الكهربائي والتلاعب في العدادات لأحكام قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015 وتعديلاته، إلى جانب القواعد المنظمة للتعاقد وتوريد الطاقة.
وتشمل إجراءات مواجهة المخالفات أعمال التفتيش والضبط وتحرير المحاضر، مع تحديد المستحقات المالية وفق طبيعة الواقعة والإجراءات القانونية المقررة.
ولا تتطابق جميع حالات أعطال العدادات أو عدم انتظام القراءة مع جرائم سرقة التيار، إذ يتوقف التكييف القانوني على الوقائع التي يثبتها الفحص والإجراءات المختصة.
ويتيح جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك تقديم شكاوى تتعلق بأعطال العدادات وعدم انتظام القراءات والفواتير، بعد عرض الشكوى أولًا على شركة توزيع الكهرباء المختصة وعدم الوصول إلى حل.
كما يوصي الجهاز المشتركين بالتأكد من سلامة مصدر الكهرباء، والحصول على عقد التوريد، وعدم اللجوء إلى توصيلات غير مشروعة أو التعامل مع أشخاص غير مختصين لتعديل العدادات.
استمرار الرقابة على شركات توزيع الكهرباء
شدد أحمد الشناوي على أهمية استمرار حملات شرطة الكهرباء بالتنسيق مع شركات التوزيع، بالتوازي مع تطوير أنظمة الرقابة والقياس والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.
وتشمل خطة مواجهة الفقد التجاري مراجعة أنماط الاستهلاك، وتحسين دقة تسجيل الطاقة المباعة، ومتابعة نتائج حملات التفتيش والمستحقات المالية الفعلية.
وتبقى مواجهة سرقة الكهرباء مرتبطة بمسارين متكاملين؛ الأول فني يعتمد على تحديث العدادات والشبكات وتحليل البيانات، والثاني رقابي وقانوني يستهدف ضبط المخالفات وضمان تحصيل مستحقات الاستهلاك.
وتوضح تصريحات خبير الطاقة أن خفض الفقد لا يعتمد على تطوير البنية التحتية وحدها، بل يتطلب استمرار معالجة أسباب عدم تسجيل الاستهلاك وتحصيل قيمته، مع ضمان سلامة إجراءات الفحص وحماية حقوق المشتركين.









