مسيرة امتدت من كوكب الشرق إلى الفرقة الماسية
وفاة مجدي بولس صاحب البصمة الموسيقية الخالدة في حفلات أم كلثوم والفرقة الماسية
غاب الفنان مجدي فؤاد بولس، عازف التشيللو الشهير في فرقة أم كلثوم وأحد أعضاء الفرقة الماسية، بعد مسيرة فنية وأكاديمية امتدت لأكثر من ستة عقود. وبرحيله، يفقد عالم الموسيقى العربية واحدًا من أبرز العازفين الذين شاركوا في صناعة الذاكرة السمعية لجمهور كوكب الشرق، من خلال حضوره في حفلات خالدة وأعمال كبرى مثل الأطلال، فات الميعاد، أنت عمري، أمل حياتي، وأغدًا ألقاك، إلى جانب دوره في تخريج أجيال من عازفي التشيللو عبر عمله الأكاديمي.
نشأة فنية في قلب شبرا
وُلد مجدي فؤاد بولس في 25 فبراير 1941 بحي شبرا، داخل أسرة قريبة من عالم الموسيقى، إذ كان والده فؤاد بولس عازفًا لآلة الكمان في الإذاعة المصرية.
ومنذ سنواته الأولى، أظهر شغفًا واضحًا بالموسيقى والآلات، قبل أن يختار التخصص في آلة التشيللو، تلك الآلة التي احتلت موقعًا مهمًا في التخت والفرق الموسيقية الحديثة بين الكمان والكونترباص.
ولم يكتف بولس بالموهبة وحدها، فالتحق بالمعهد العالي للموسيقى العربية، ودرس التشيللو والبيانو، وتخرج بتقدير امتياز، ليبدأ بعدها مشوارًا فنيًا طويلًا جمع بين الدراسة الأكاديمية والحضور العملي مع كبار الموسيقيين والمطربين.
البداية الكبرى مع أم كلثوم
كانت نقطة التحول الأهم في حياة مجدي بولس عام 1961، عندما رشحه الموسيقار رياض السنباطي للانضمام إلى فرقة أم كلثوم، رغم صغر سنه مقارنة بكبار العازفين الذين كانوا يحيطون بكوكب الشرق.
وجاءت أولى مشاركاته مع الفرقة في أغنية حسيبك للزمن، من كلمات عبد الوهاب محمد وألحان رياض السنباطي، لتفتح له هذه التجربة بابًا واسعًا داخل واحدة من أهم الفرق الموسيقية في تاريخ الغناء العربي.
فرسان التشيللو الثلاثة
داخل فرقة أم كلثوم، كوّن مجدي بولس ثلاثيًا بارزًا في عزف التشيللو إلى جانب العازفين محمد الحفناوي وحسان كمال، وهو الثلاثي الذي ارتبط اسمه بكثير من حفلات كوكب الشرق.
وأصبح هذا الحضور جزءًا من شخصية الفرقة الموسيقية التي صاحبت أم كلثوم في أعمالها الكبرى، حيث منح التشيللو عمقًا دراميًا وإنسانيًا للألحان، خاصة في المقاطع التي اعتمدت على الشجن والامتداد اللحني الطويل.
سولو البيانو في أراك عصي الدمع
لم تقتصر موهبة مجدي بولس على التشيللو، إذ امتلك قدرة واضحة على العزف على البيانو، وهي الموهبة التي ظهرت بقوة في مقدمة قصيدة أراك عصي الدمع، من كلمات أبي فراس الحمداني وألحان رياض السنباطي.
وجاء إسناد هذا المقطع إليه دلالة على ثقة السنباطي وأم كلثوم في قدراته، خاصة أن استخدام البيانو في مقدمة قصيدة عربية كلاسيكية كان خطوة جريئة في ذلك الوقت، احتاجت إلى عازف قادر على تقديم الأداء بحس موسيقي رفيع دون أن يفقد العمل روحه الشرقية.
وتحفظ ذاكرة الحفلات المصورة مشهدًا لافتًا بعد عزفه صولو البيانو، حين عاد مجدي بولس إلى موقعه بين عازفي التشيللو، في لقطة تعكس انضباطًا فنيًا وتفانيًا داخل منظومة موسيقية شديدة الدقة.
أعمال خالدة خلف كوكب الشرق
شارك مجدي بولس في عدد كبير من حفلات أم كلثوم، واستمر معها حتى آخر حفلاتها عام 1973، ليصبح أحد الوجوه الموسيقية البارزة خلف صوتها.
ومن بين الأعمال التي أسهم فيها بعزفه: الأطلال، فات الميعاد، اسأل روحك، أنت عمري، أمل حياتي، وأغدًا ألقاك، وهي أعمال لا تزال حاضرة بقوة في وجدان الجمهور العربي.
واشتهر بولس بأسلوبه الدقيق في العزف، وقدرته على الجمع بين الانضباط الكلاسيكي والروح الشرقية، وهي معادلة صعبة صنعت مكانته بين عازفي جيله.
عضو بارز في الفرقة الماسية
إلى جانب حضوره في فرقة أم كلثوم، كان مجدي بولس عضوًا في الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن، وهي واحدة من أشهر الفرق الموسيقية العربية في القرن العشرين.
وضمت الفرقة نخبة من أمهر العازفين في مصر والمنطقة، ورافقت كبار نجوم الغناء العربي، ومنهم عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية، فايزة أحمد، ونجاة الصغيرة.
ومن خلال هذه التجربة، شارك بولس في عزف ألحان شكلت جانبًا مهمًا من تاريخ الموسيقى الشرقية، ووسعت حضوره خارج الإطار الكلثومي إلى مساحة أكبر من الغناء العربي.
دوره الأكاديمي وتخريج أجيال جديدة
لم يكن مجدي بولس عازفًا فقط، بل امتدت مسيرته إلى المجال الأكاديمي، حيث عمل أستاذًا في المعهد العالي للموسيقى العربية.
ومن خلال عمله التعليمي، ساهم في تخريج أجيال من عازفي التشيللو والموسيقيين المحترفين، ناقلًا إليهم خبرة عملية نادرة اكتسبها من الوقوف خلف كبار المطربين والملحنين في العصر الذهبي للموسيقى العربية.

الهجرة إلى أستراليا
في منتصف الثمانينيات، وبعد تغير المشهد الغنائي والموسيقي في مصر، قرر مجدي بولس مغادرة الساحة الفنية والهجرة إلى أستراليا عام 1985.
وهناك واصل نشاطه الموسيقي، وأسس فرقته الخاصة، وشارك في حفلات الجالية العربية، محافظًا على صلته بالموسيقى المصرية والعربية، ومؤكدًا ارتباطه بتراثها رغم إقامته خارج مصر.

تكريم ومسيرة باقية
حصل مجدي بولس على عدد من التكريمات داخل مصر وخارجها، ومن بينها تكريمه في برلمان ولاية نيو ساوث ويلز بأستراليا عام 2016، تقديرًا لإسهاماته الفنية والثقافية.
وبرحيله، تنطوي صفحة مهمة من صفحات الموسيقى العربية، لكن أثره يبقى حاضرًا في تسجيلات أم كلثوم والفرقة الماسية، وفي ذاكرة كل من تعلم على يديه أو استمع إلى صوته الموسيقي الهادئ خلف أعظم الأعمال الغنائية.
- مجدي بولس
- وفاة مجدي بولس
- سبب وفاة مجدي بولس
- أم كلثوم
- من هو العازف مجدي بولس
- اعمال الفنان مجدي بولس
- جنازة مجدي بولس













