افتتاحية إثيوبية تنتقد تراجع أديس أبابا أمام الرواية المصرية دوليًا
صحيفة إثيوبية: مصر تتفوق دبلوماسيًا في ملف سد النهضة وأديس أبابا تفقد مساحتها الدولية
وضعت صحيفة «The Reporter» الإثيوبية أداء أديس أبابا الدبلوماسي في ملف سد النهضة ونهر النيل تحت انتقاد مباشر، معتبرة أن مصر نجحت بدرجة كبيرة في تقديم قضيتها إلى المجتمع الدولي باعتبار مياه النيل مسألة وجودية ترتبط بأمنها المائي، بينما تركت إثيوبيا مساحة متزايدة للرواية المصرية كي تهيمن على النقاش الدولي. وجاء هذا التقييم في افتتاحية نشرتها الصحيفة في 22 أغسطس 2026، دعت خلالها الحكومة الإثيوبية إلى الانتقال من «الدبلوماسية الدفاعية» إلى تحرك أكثر فاعلية، في مؤشر لافت إلى إدراك داخل الإعلام الإثيوبي لقوة الحضور المصري في المعركة الدبلوماسية المحيطة بالنيل.
الصحيفة ترصد قوة التحرك المصري دوليًا
لم تصف الصحيفة الأمر حرفيًا بأنه «انتصار مصري»، لكنها قدمت تقييمًا واضحًا يفيد بأن القاهرة كانت أكثر فاعلية في تشكيل الخطاب الدولي حول القضية، وهي نقطة مهمة عند قراءة ما نشرته باعتباره تقييمًا صحفيًا إثيوبيًا وليس إعلانًا رسميًا من حكومة أديس أبابا.
ورأت الافتتاحية أن ما ينبغي أن يثير قلق الإثيوبيين ليس فقط حدة الموقف المصري، وإنما ما وصفته بالمساحة الدبلوماسية التي تتركها إثيوبيا لمصر، بما يسمح للرواية المصرية بالحضور بقوة في النقاش الدولي بشأن مياه النيل.
وبحسب الصحيفة، استطاعت مصر تقديم النيل بصورة شديدة الفاعلية باعتباره قضية وجودية، وربطت التحركات الإثيوبية في دول المنبع بمفاهيم التهديد والأمن والإجراءات الأحادية، في الوقت الذي نسقت فيه القاهرة والخرطوم مواقفهما في المحافل الإقليمية والدولية بشأن الإخطار المسبق والتشاور وضمان عدم الإضرار بالأمن المائي لدول المصب.
انتقاد مباشر لأداء الدبلوماسية الإثيوبية
ركزت الافتتاحية جزءًا كبيرًا من انتقاداتها على طريقة إدارة أديس أبابا للجانب الدبلوماسي من الملف، معتبرة أن امتلاك إثيوبيا حججًا تتعلق بالتنمية والاستخدام المنصف للمياه لا يكفي وحده إذا لم تتمكن من تقديم موقفها بصورة مؤثرة أمام العواصم والمؤسسات الدولية.
وطالبت الصحيفة إثيوبيا بتكثيف حضورها في واشنطن وبروكسل والعواصم الأفريقية ودول الخليج والمؤسسات المالية الدولية ومراكز الأبحاث والإعلام العالمي، وهو ما يعكس اعترافًا منها بأن المنافسة حول سد النهضة لم تعد مرتبطة فقط بالملف الفني أو القانوني، وإنما بقدرة كل طرف على بناء روايته وحشد التأييد لها.
ووصل الانتقاد إلى مطالبة أديس أبابا بالتوقف عن التعامل مع الملف من موقع دفاعي، والرد سريعًا وبالأدلة على المواقف والتحركات التي تراها غير دقيقة، إلى جانب الحضور الفعال عند دخول قوى دولية على خط الأزمة.
واشنطن تعود إلى ملف سد النهضة
استندت الصحيفة إلى عودة الولايات المتحدة إلى دائرة ملف النيل باعتبارها أحد المؤشرات على أهمية المعركة الدبلوماسية، بعدما عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 16 يناير 2026 استئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا للوصول إلى تسوية بشأن الخلاف على مياه النيل.
وذهبت الافتتاحية إلى أن الخطر بالنسبة لإثيوبيا يتمثل في دخول الولايات المتحدة أو أي طرف خارجي إلى الملف من زاوية أقرب إلى الطريقة التي تقدم بها القاهرة القضية، وهو ما دفعها إلى مطالبة الدبلوماسية الإثيوبية بتحرك أكثر نشاطًا لعرض رؤيتها أمام الأطراف الدولية.
خطاب إثيوبي جديد بشأن بناء السدود
يأتي هذا الجدل بالتزامن مع تصاعد الحديث داخل إثيوبيا عن التوسع في مشروعات السدود. ففي 7 أغسطس 2026 نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية تصريحات وخلاصات لخبراء ومراقبين يدعون إلى استثمار تجربة سد النهضة والتوسع في إقامة سدود كبرى إضافية على نهر أباي، أو النيل الأزرق.
كما قال هبتامو إتيفا، وزير المياه والطاقة الإثيوبي، في تصريحات نشرتها وكالة الأنباء الإثيوبية في 20 أغسطس، إن بلاده لا تحتاج إلى إذن من أي طرف لتطوير مواردها المائية، مشيرًا إلى أنها ستبني سدودًا أخرى على أحواض أنهار أخرى كلما دعت الحاجة، كما رفض مطالب الإدارة المشتركة لسد النهضة.
وتفرض هذه التفاصيل تمييزًا مهمًا بين وجود توجه ودعوات إثيوبية للتوسع في إنشاء السدود وبين اعتبار كل ما يتم تداوله بشأن عدد ومواقع المشروعات الجديدة قرارًا تنفيذيًا نهائيًا؛ إذ لم تتضمن التصريحات الرسمية المشار إليها تفاصيل نهائية عن جميع السدود الجديدة أو جداول تنفيذها.
الموقف المصري من السدود الجديدة
في المقابل، جاء الموقف المصري واضحًا تجاه أي تحرك أحادي يمكن أن يؤثر في تدفقات مياه النيل إلى دول المصب. وفي 16 أغسطس، نقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عن مصدر مصري أن القاهرة لن تقبل أو تسمح لأي طرف بالتحكم في تدفقات مياه النيل إلى مصر والسودان، وذلك ردًا على تصريحات منسوبة إلى وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن إقامة سدود إضافية والتحكم في تدفقات المياه.
وشدد المصدر على أن الدولة المصرية تمتلك أدوات متعددة للدفاع عن مصالح الشعب المصري في مياه النيل، بينما يتمسك الموقف المصري المعلن بضرورة إدارة الموارد المائية العابرة للحدود وفق قواعد القانون الدولي ومبادئ التعاون وعدم إحداث ضرر ذي شأن.
كما تؤكد وزارة الخارجية المصرية في موقفها المعلن رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي، مع التأكيد على أن حماية الأمن المائي المصري لا تتعارض مع حق دول الحوض في التنمية عندما تتم المشروعات وفق قواعد القانون الدولي وبما يحقق المنفعة المشتركة.
ما دلالة الافتتاحية الإثيوبية؟
تكمن أهمية ما نشرته «The Reporter» في أنه لا يأتي بوصفه تغييرًا في الموقف الرسمي الإثيوبي من سد النهضة، وإنما باعتباره نقدًا من داخل المشهد الإعلامي الإثيوبي لطريقة إدارة أديس أبابا للمعركة الدبلوماسية.
فالصحيفة لم تتراجع عن الدفاع عن حق إثيوبيا في استغلال مواردها المائية، لكنها أقرت في الوقت نفسه بأن مصر استطاعت تقديم موقفها إلى الخارج بفاعلية أكبر، وأن استمرار أديس أبابا في الاكتفاء بالدفاع عن موقفها دون استراتيجية دولية أوسع يمنح القاهرة أفضلية في تشكيل النقاش العالمي حول مستقبل النيل.
وبذلك يضيف التقرير بعدًا جديدًا إلى أزمة سد النهضة: الخلاف لم يعد محصورًا في تشغيل السد أو المشروعات المائية المستقبلية، بل يمتد إلى معركة دبلوماسية حول أي رواية تستطيع اكتساب حضور وتأثير أكبر لدى القوى الدولية والمؤسسات المعنية بملفات المياه والأمن الإقليمي.
- سد النهضة
- مصر وإثيوبيا
- أزمة سد النهضة
- نهر النيل
- السدود الإثيوبية الجديدة
- الأمن المائي المصري
- مياه النيل
- مصر والسودان وإثيوبيا
- الدبلوماسية المصرية
- سدود النيل الإثيوبية









