البلاغ يفتح التحقيق ولا يحسم الصفة القانونية أو المسؤولية

بعد بلاغ أسرة الطفل ياسين.. هل كل من ورد اسمه في الشكوى يُعد متهمًا؟

قضية الطفل ياسين..
قضية الطفل ياسين.. الفرق بين المشكو في حقه والمتهم

مجرد ورود اسم شخص في البلاغ المقدم من أسرة الطفل ياسين لا يعني تلقائيًا ثبوت اتهام جنائي بحقه، ولا يسمح باعتباره مدانًا قبل انتهاء التحقيق والمحاكمة. وتبرز أهمية هذا التوضيح مع التحقيقات المتعلقة بما ينسبه دفاع الأسرة إلى عدد من القائمين على المدرسة من إهمال أو تقصير وقت الواقعة، إذ ترد بشأنهم في هذه المرحلة أوصاف مثل «المشكو في حقهم»، بينما يبقى تحديد المركز القانوني لكل شخص مرتبطًا بالإجراءات التي تتخذها النيابة والوقائع والأدلة التي تكشف عنها التحقيقات. وحتى من تثبت له صفة المتهم يظل بريئًا قانونًا حتى تصدر إدانة بحكم قضائي.

هل كل من ورد اسمه في بلاغ أسرة الطفل ياسين يصبح متهمًا؟

الإجابة المختصرة: لا، ليس بمجرد ذكر اسمه في البلاغ.

فقانون الإجراءات الجنائية يفرق عمليًا بين تقديم المعلومات أو البلاغ عن واقعة يُشتبه في أنها تشكل جريمة، وبين الإجراءات التي تتخذها سلطات التحقيق بعد فحص هذه المعلومات.

وتنص المادة 25 من قانون الإجراءات الجنائية على حق كل من علم بوقوع جريمة يجوز للنيابة تحريك الدعوى عنها في إبلاغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي، بينما تقرر المادة الأولى اختصاص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها، إلا في الحالات التي يحددها القانون.

وبالتالي، فالبلاغ هو بداية لإيصال واقعة إلى جهة الاختصاص حتى تتحقق منها، وليس حكمًا مسبقًا بصحة جميع ما ورد فيه أو بإدانة جميع الأشخاص الذين ذكر مقدم البلاغ أسماءهم.

ماذا يعني وصف «المشكو في حقه»؟

تعبير «المشكو في حقه» يستخدم لوصف الشخص الذي تتضمن شكوى أو بلاغ ادعاءات تتعلق به، لكنه لا يحسم وحده النتيجة القانونية للتحقيق.

والأهم أن هذا الوصف لا يعني أن الوقائع المنسوبة إليه أصبحت ثابتة، لأن النيابة قد تحتاج إلى سماع أقوال أطراف متعددة، وطلب تحريات أو مستندات، ومواجهة أقوال متعارضة، وفحص ما إذا كانت الواقعة تشكل جريمة أصلًا وما إذا كانت الأدلة تربط الشخص بها.

لذلك فإن الأدق صحفيًا، عندما لا يتوافر بيان رسمي يفيد بتوجيه اتهام محدد إلى أحد الأشخاص، هو الالتزام بالصفة التي تعكس المرحلة الإجرائية الموجودة بالفعل، مثل «المشكو في حقه»، بدلًا من تقديمه للجمهور باعتباره مدانًا أو مسؤولًا عن الواقعة.

متى يمكن استخدام وصف «المتهم»؟

صفة المتهم لا تعني أن الشخص أُدين، كما أنها ليست مقصورة على مرحلة المحاكمة.

فقانون الإجراءات الجنائية نفسه يستخدم وصف «المتهم» خلال مرحلة جمع الاستدلالات والتحقيق؛ إذ تنص المادة 29 على جواز سماع مأموري الضبط القضائي لأقوال من لديهم معلومات عن الوقائع ومرتكبيها، كما تجيز لهم سؤال المتهم عنها. وهذا يعني أن اكتساب صفة المتهم قد يسبق إحالة القضية إلى المحكمة.

لكن لا توجد قاعدة مؤداها أن مجرد كتابة اسم شخص داخل بلاغ تجعله تلقائيًا متهمًا بالمعنى الإجرائي الذي يجوز للصحافة أن تنسب إليه اتهامًا محسومًا.

الفاصل هنا هو ما تتخذه جهة التحقيق رسميًا تجاه كل شخص، وطبيعة الإجراء الذي يُسمع خلاله، وما إذا كانت هناك تهمة محددة يجري التحقيق معه بشأنها.

جلسة النيابة ليست محاكمة

التحقيق الذي تجريه النيابة العامة يختلف عن جلسة المحاكمة أمام المحكمة.

فالنيابة تتولى التحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، وتعمل خلال هذه المرحلة على جمع عناصر الواقعة وفحص الأدلة وسماع الأطراف قبل تحديد التصرف القانوني المناسب. وقد أكدت مصادر رسمية مصرية أن النيابة العامة جزء من القضاء وتتولى التحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية.

أما المحاكمة فتبدأ بعد انتقال الدعوى إلى المحكمة المختصة وفق الإجراءات القانونية، وحينها تنظر المحكمة الأدلة والاتهامات وتسمع الدفاع قبل إصدار حكمها.

ولهذا فإن عبارة «جلسة استماع أمام النيابة» لا تساوي «جلسة محاكمة»، كما أن حضور شخص أمام النيابة لا يكفي بمفرده لمعرفة صفته الدقيقة؛ فقد يكون سماع الأقوال مرتبطًا بصفته شاهدًا أو مجنيًا عليه أو مشكوًا في حقه أو متهمًا، بحسب الأوراق والإجراء الذي تتخذه جهة التحقيق.

ما وضع الأسماء الواردة في بلاغ قضية الطفل ياسين؟

بحسب دفاع أسرة الطفل، شمل البلاغ عددًا من الأشخاص، بينهم مديرة المدرسة و«الدادة» وتاجر بمدينة دمنهور وعدد من العاملين الذين كانوا موجودين وقت الأحداث، مع طلب التحقيق فيما ينسبه الدفاع إليهم من أوجه إهمال أو تقصير أو مسؤوليات أخرى.

وسبق استخدام وصف «المشكو في حقهم» في تغطيات متعلقة ببلاغات بشأن مسؤولية بعض القائمين على المدرسة، مع مطالبة مقدمي تلك البلاغات للنيابة بالتحقيق وتحديد ما إذا كانت الوقائع تستوجب توجيه اتهامات.

وبالتالي لا يصح اعتبار مجرد إدراج هذه الأسماء في شكوى الأسرة إثباتًا لمسؤوليتها، كما لا يمكن استباق ما ستنتهي إليه النيابة من توصيف قانوني للأفعال المنسوبة إلى كل شخص.

النيابة هي التي تحدد مسار التحقيق

بعد تلقي البلاغ، تملك جهة التحقيق فحص ما يتضمنه وطلب التحريات وسماع الأقوال والاستعانة بالمستندات أو الخبرة الفنية التي تراها لازمة، ثم التصرف في ضوء الأدلة المتاحة.

وقد تنتهي التحقيقات بالنسبة إلى شخص إلى اتخاذ إجراءات اتهام إذا توافرت أدلة ترى النيابة أنها تبرر ذلك، أو قد تنتهي إلى عدم وجود أساس كافٍ للسير ضده، بحسب كل حالة على حدة.

وهذا ما يجعل استخدام الأوصاف القانونية بدقة ضروريًا عند تغطية قضية الطفل ياسين، خصوصًا مع وجود حكم جنائي بات بالفعل ضد صبري كامل في مسار سابق، في مقابل بلاغات وتحقيقات أخرى تبحث مسؤوليات مختلفة لأشخاص آخرين. وسبق أن أيدت محكمة النقض حكم السجن المشدد 10 سنوات بحق صبري كامل ليصبح الحكم نهائيًا.

المتهم أيضًا لا يعني المدان

حتى إذا أصبحت صفة شخص ما في التحقيق «متهمًا»، فإن ذلك لا يعني ثبوت ارتكابه الجريمة.

المادة 96 من الدستور المصري تقرر أصل البراءة، وتنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة تكفل له ضمانات الدفاع.

ومن ثم توجد ثلاث مسائل مختلفة يجب عدم دمجها صحفيًا: ورود اسم شخص في بلاغ، وتوجيه اتهام إليه أثناء التحقيق، وثبوت إدانته أمام القضاء.

وقد تفصل بين هذه المراحل تحقيقات وإجراءات وأدلة وقرارات قضائية متعددة، ولهذا لا يجوز وصف شخص بأنه ارتكب الواقعة لمجرد أن أحد الأطراف تقدم بشكوى ضده.

ياسين وصبري كامل

ما الصياغة الأدق في تطورات قضية الطفل ياسين؟

طالما أن المعلومة المتاحة تتحدث عن بلاغ أسرة الطفل والتحقيق في مدى مسؤولية أشخاص وردت أسماؤهم فيه دون إعلان رسمي واضح بتوجيه اتهام محدد لكل واحد منهم، فإن وصفهم بـ«المشكو في حقهم» هو الأكثر تحفظًا ودقة.

وإذا أعلنت النيابة لاحقًا توجيه اتهام رسمي إلى شخص بعينه أو اتخاذ إجراء يكشف صفته كمتهم، يصبح من الممكن استخدام هذا الوصف مع توضيح أن الاتهام لا يعني الإدانة.

أما وصف «المتهمين» لجميع الأشخاص المذكورين في البلاغ قبل التأكد من مراكزهم القانونية، فقد يخلط بين ما تطالب الأسرة بالتحقيق فيه وبين ما أثبتته جهة التحقيق بالفعل.

وهنا تختلف المرحلة الحالية عن وضع صبري كامل، الذي مر بمراحل التحقيق والمحاكمة والطعن حتى صدر بحقه حكم بات بالسجن المشدد 10 سنوات. أما أي أسماء أخرى يجري فحص مسؤوليتها فتظل لكل منها حالتها القانونية المستقلة، ولا يحسمها البلاغ وحده.

تم نسخ الرابط