المنشور يفرق بين الطقس القبطي والعادات الشعبية المرتبطة بالعيد
الأنبا بيمن في جدل «النار والصليب».. جورجيت شرقاوي ترد
قدمت الكاتبة والباحثة المهتمة بالشأن القبطي جورجيت شرقاوي قراءة مختلفة للجدل المرتبط بمشهد النار والصليب المنسوب إلى احتفال للأنبا بيمن، أسقف نقادة وقوص، معتبرة أن ظهور النار في المشهد لا يعني حرق رمز الصليب، وفي الوقت نفسه فرقت بوضوح بين الطقس الليتورجي القبطي وبين الاستعراض أو العادة الشعبية المصاحبة للاحتفال. وتكشف مراجعة المصادر الكنسية أن هذا الفصل مهم بالفعل؛ فالوصف الرسمي لطقس عيد الصليب في الكنيسة القبطية لا يتضمن إشعال النار، بينما توجد هذه الممارسة تاريخيًا ضمن احتفالات شعبية مسيحية في كنائس شرقية أخرى، من بينها إثيوبيا وبلاد الشام.
جورجيت شرقاوي: النار ليست جزءًا من الطقس القبطي
انتقدت شرقاوي، عبر صفحتها على فيسبوك، الهجوم الذي تعرض له الأنبا بيمن بسبب المشهد، واعتبرت أن التعامل معه باعتباره مساسًا بالإيمان أو بالصليب يخلط بين التقليد الآبائي والاحتفال الليتورجي من جهة، وبين شكل احتفالي أو استعراضي معاصر من جهة أخرى.
وفسرت النار المشتعلة حول الصليب في المشهد باعتبارها عنصرًا بصريًا أو «شعلة إعلامية»، وليس محاولة لحرق الصليب نفسه، لكنها في الوقت ذاته لم تقدم دفاعًا مطلقًا عن استخدام النار، إذ رأت أن هناك وسائل أكثر ملاءمة للاحتفال، مثل الإضاءات والشموع والزينة، من دون ملامسة شكل الصليب بالنار.
وحذرت من أن تكرار المشهد وتقليده قد يؤدي تدريجيًا إلى اعتباره ممارسة ثابتة؛ تبدأ كفكرة فردية، ثم تنتشر كعادة، قبل أن يظن البعض لاحقًا أنها جزء من الطقس الرسمي. وتركز هذه النقطة على التفرقة بين حرية الشكل الاحتفالي وبين ما تقرره الكنيسة كطقس ليتورجي متوارث.
ماذا يقول طقس الكنيسة القبطية عن عيد الصليب؟
الموقع الرسمي للكنيسة القبطية الأرثوذكسية يحدد الاحتفال بعيد الصليب خلال أيام 17 و18 و19 توت، ويوضح أن الصلوات تقام بالنغمة الشعانينية والفرايحية، مع إقامة دورة الـ12 إنجيل في رفع بخور باكر اليوم الأول فقط، إلى جانب الألحان والمردات الخاصة بالعيد. ولا يتضمن العرض الرسمي للطقس إشعال نار حول الصليب أو أمامه باعتباره جزءًا من الليتورجيا القبطية.
ويعني ذلك أن وجود النار في مشهد احتفالي لا يحولها تلقائيًا إلى «طقس قبطي»، حتى إذا وقعت أثناء مناسبة عيد الصليب. فالطقس له ترتيبات محددة، بينما يمكن أن تحيط بالمناسبة أنشطة أو تقاليد شعبية لا تحمل الصفة الليتورجية نفسها.
وتكتسب الواقعة حساسية إضافية بسبب ارتباط الأنبا بيمن المباشر بمنطقة تضم دير الصليب المقدس بنقادة؛ إذ يدرج الموقع الرسمي للكنيسة الدير ضمن أبرز معالم إيبارشية نقادة وقوص، بينما يعرف الموقع الرسمي للإيبارشية الأنبا بيمن باعتباره أسقف نقادة وقوص ورئيس دير رئيس الملائكة ميخائيل.
هل إشعال النار في عيد الصليب تقليد مسيحي قديم؟
النقطة التي أثارتها جورجيت شرقاوي بشأن وجود تقاليد لإشعال النار في مناطق أخرى لها أساس تاريخي موثق، لكنها لا تعني أن التقليد واحد في جميع الكنائس.
فبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس تدرج إشعال النار على قمم الجبال أو في الساحات العامة ضمن «العادات الشعبية» المرتبطة بعيد رفع الصليب، وتربط التقليد بالرواية التي تقول إن إشعال النيران استخدم قديمًا لنقل خبر العثور على الصليب من مكان إلى آخر. والأهم أن المصدر نفسه يصفها باعتبارها عادة شعبية، لا جزءًا من صلوات القداس أو الطقس الليتورجي.
وفي إثيوبيا يظهر استخدام النار بصورة أوضح في احتفال «ميسكل» بذكرى العثور على الصليب، وهو تقليد أدرجته اليونسكو عام 2013 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية. وتوضح اليونسكو أن الاحتفال يتضمن إعداد محرقة كبيرة تعرف باسم «داميرا»، ثم إشعالها في ذروة الاحتفال وسط الصلوات والترانيم والمشاركة الشعبية.
الأنبا بيمن سبق أن حضر احتفال ميسكل في إثيوبيا
هناك تفصيل تاريخي يضيف سياقًا مباشرًا للنقاش الحالي؛ فالأنبا بيمن كان ضمن الوفد الكنسي المرافق للبابا تواضروس الثاني خلال زيارته إلى إثيوبيا في سبتمبر 2015، وهي الزيارة التي تضمنت حضور احتفال شعبي ضخم بعيد الصليب في ميدان ميسكل بأديس أبابا. وكان الأنبا بيمن وقتها منسق العلاقات بين الكنيستين القبطية والإثيوبية.
ولا يعني ذلك أن التقليد الإثيوبي أصبح جزءًا من الطقس القبطي، أو أن أي مشهد للنار في مصر يستند بالضرورة إلى ميسكل. لكنه يوضح أن فكرة اقتران النار باحتفال شعبي بعيد الصليب موجودة بالفعل داخل تراث مسيحي أرثوذكسي معروف، وليست ممارسة بلا سوابق تاريخية كما قد يوحي جانب من الجدل.
ومن هنا تظهر النقطة الأساسية في تعليق جورجيت شرقاوي: الاعتراض على تحويل أي شكل احتفالي حديث إلى طقس ثابت لا يتعارض مع الاعتراف بوجود عادات شعبية قديمة تستخدم النار في الاحتفال بالصليب خارج الليتورجيا القبطية.
بين احترام الرمز وعدم تحويل المشهد إلى طقس
لم تدافع شرقاوي عن تقليد المشهد أو تكراره داخل الاحتفالات القبطية باعتباره النموذج الأفضل، بل رأت أن التركيز ينبغي أن يبقى على معنى الصليب والفداء والفرح الروحي، وأن الإبهار البصري قد يؤدي أحيانًا إلى سوء فهم الرمز أو فتح باب لتقليد ممارسة لم تعتمدها الكنيسة كطقس.
وبذلك ينقسم الجدل إلى مستويين مختلفين: الأول يتعلق بما إذا كان المشهد في ذاته يمثل إهانة للصليب، وهو ما رفضته شرقاوي؛ والثاني يتعلق بمدى ملاءمة استخدام النار بصريًا حول رمز الصليب وإمكانية تحول الابتكار الفردي بالتكرار إلى ممارسة يظن الجمهور خطأ أنها جزء من التقليد الكنسي.
أما المرجع الرسمي للطقس القبطي، فيظل واضحًا في تحديد صلوات وألحان ودورة عيد الصليب دون إدراج إشعال النار بينها، بينما تثبت المصادر الكنسية والتراثية في المقابل أن النار حاضرة في عادات شعبية مسيحية مرتبطة بالعيد في مناطق أخرى. وهذا الفصل بين «الطقس» و«العادة» هو النقطة الأهم لفهم الجدل بعيدًا عن تحويله إلى حكم عقائدي غير موثق.









