سجال السد العالي يعيد فتح الفرق بين التشاور والموافقة المسبقة
علاء مبارك يرد على إثيوبيا بعد مطالبتها مصر بتفسير بناء السد العالي دون موافقتها
رد علاء مبارك على تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا، التي طالب فيها مصر بتفسير بناء السد العالي دون موافقة إثيوبيا، معتبرًا أن استخدام السد العالي للمقارنة مع سد النهضة يتجاهل اتجاه جريان النيل من دول المنبع إلى دول المصب. لكن مراجعة السجل التاريخي تضيف طبقة مهمة إلى الجدل؛ إذ توثق وثائق أمريكية من خمسينيات القرن الماضي اعتراضًا إثيوبيًا بالفعل على غياب التشاور بشأن مشروع أسوان، بينما استخدم الوزير الإثيوبي في تصريحه الجديد تعبير «الموافقة». وهنا يظهر فارق جوهري بين وجود اعتراض تاريخي على غياب التشاور وبين اعتبار موافقة دولة أخرى شرطًا مطلقًا لكل مشروع مائي.
ماذا قالت إثيوبيا عن السد العالي؟
قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي إن بلاده تتمسك بما تصفه بحقها السيادي في تنمية واستخدام مواردها المائية في نهر النيل وفق مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، رافضًا المطالبات بالحصول على موافقة مسبقة من دول المصب قبل تنفيذ مشروعات مائية.
واستدعى الوزير تجربة السد العالي في أسوان داخل هذا الجدل، وقال إن مصر أنشأت المشروع دون موافقة إثيوبيا، مضيفًا أن أديس أبابا اعترضت تاريخيًا على غياب التشاور بشأن المشروع وترتيبات مياه النيل خلال خمسينيات القرن الماضي.
كما ربط المسؤول الإثيوبي بين تلك الخلفية وسد النهضة، معتبرًا أن الأخير يختلف لوجود إعلان المبادئ الموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015. وتضمنت تصريحات الجانب الإثيوبي أيضًا الإشارة إلى تهجير أكثر من 100 ألف نوبي نتيجة مشروع السد العالي باعتباره جزءًا من حجته بشأن الآثار الاجتماعية للمشروع.
كيف رد علاء مبارك؟
وصف علاء مبارك مطالبة دولة من دول المنبع لدولة المصب بتفسير بناء السد العالي دون موافقتها بأنها «شيء في منتهى الغرابة»، وركز رده على الطبيعة الجغرافية لنهر النيل واتجاه المياه من الجنوب إلى الشمال.
ورأى أن استدعاء السد العالي كذريعة للمقارنة مع سد النهضة لا يستقيم من وجهة نظره، لأن مصر تقع في المصب بينما تقع إثيوبيا في المنبع، معتبرًا أن هذا الفارق يغير طبيعة التأثير المحتمل لأي منشأة تقام على مجرى النهر.
كما اتهم علاء مبارك الأصوات التي تستخدم السد العالي في هذه المقارنة بتجاهل طبيعة جريان النهر، وربط الطرح الإثيوبي بمحاولة تبرير ما اعتبره عدم التزام بالاتفاقيات والقواعد المنظمة للأنهار الدولية.
هل اعترضت إثيوبيا تاريخيًا على بناء السد العالي؟
الوثائق التاريخية المتاحة تكشف أن الاعتراض الإثيوبي على ترتيبات السد العالي ليس جديدًا بالكامل. ففي مايو 1956، نقلت السفارة الأمريكية في أديس أبابا أن الإمبراطور هيلا سيلاسي كان مستاءً بشدة من التحرك نحو مساعدة مصر في تطوير مياه النيل دون التشاور مع باقي الدول المشاطئة.
وأوصت السفارة الأمريكية في الوثيقة نفسها بضرورة التشاور مع دول حوض النيل قبل اتخاذ خطوات حاسمة بشأن المشروع، كما أظهرت وثائق أخرى من الفترة ذاتها أن إثيوبيا احتجت على بناء السد دون تشاور مسبق.
لكن هذه الوثائق تثبت وجود خلاف تاريخي حول التشاور وترتيبات استخدام مياه النيل، ولا تكفي وحدها للقول إن هناك قاعدة قانونية عامة كانت تمنح إثيوبيا حقًا مطلقًا في الموافقة أو الرفض على إنشاء السد العالي.
التشاور أم الموافقة.. أين يقع الفرق؟
التمييز بين المصطلحين مهم لفهم الجدل الحالي. فالتشاور والإخطار المسبق يتعلقان بإبلاغ الدول الأخرى ومناقشة الآثار المحتملة للمشروعات العابرة للحدود، بينما «الموافقة المسبقة» بصورتها المطلقة يمكن أن تعني عمليًا منح دولة أخرى سلطة منع المشروع.
واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية، التي جاءت بعد بناء السد العالي بعقود، وضعت مبادئ للاستخدام المنصف والمعقول، ومنع الضرر ذي الشأن، والتعاون وتبادل المعلومات، كما نصت على الإخطار المسبق عندما تكون التدابير المخططة مرشحة لإحداث آثار سلبية كبيرة على دولة أخرى. لكنها لا تضع قاعدة عامة بسيطة تقول إن كل مشروع مائي يحتاج موافقة نهائية من جميع الدول المشاطئة قبل تنفيذه. ومصر وإثيوبيا ليستا ضمن الدول الأطراف في الاتفاقية وفق سجل الأمم المتحدة الحالي، لذلك تظل الإشارة إليها هنا لتوضيح الإطار القانوني الدولي الأوسع لا باعتبارها اتفاقية ملزمة مباشرة للطرفين.
كما أن اتجاه جريان المياه من المنبع إلى المصب عنصر جغرافي أساسي في تقييم الآثار، لكنه لا يلغي وحده فكرة التشاور في القانون الدولي للمجاري المائية؛ إذ يرتبط معيار الإخطار والتشاور بإمكانية حدوث تأثير عابر للحدود، وليس بمجرد موقع الدولة كمنبع أو مصب.
ما علاقة إعلان مبادئ 2015 بالجدل؟
إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015 بين مصر وإثيوبيا والسودان يخص سد النهضة تحديدًا، ويتضمن مبادئ التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، إلى جانب التعاون بشأن الملء الأول والتشغيل وتبادل البيانات والمعلومات.
ومن هنا تستند إثيوبيا إلى الإعلان للقول إن سد النهضة دخل لاحقًا في إطار ثلاثي مكتوب، بينما تتمسك مصر بأن الوثيقة نفسها تستوجب التعاون بشأن قواعد الملء والتشغيل وتجنب الإضرار بدولتي المصب.
ولا يساوي وجود إعلان المبادئ في حد ذاته انتهاء الخلاف؛ فالموقف المصري المعلن لا يزال يتمسك بالحاجة إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بما يحمي الاستخدامات المائية ويمنع الضرر ذي الشأن، مع الإقرار بحق إثيوبيا في التنمية ضمن إطار تعاوني.
ما الذي يكشفه السجال الجديد؟
الجدل الذي فتحه الوزير الإثيوبي ثم رد علاء مبارك عليه لا يتعلق بالسد العالي وحده، بل باستخدام واقعة تاريخية لإسناد المواقف الحالية في أزمة سد النهضة.
فالوثائق تثبت أن إثيوبيا اعترضت تاريخيًا على غياب التشاور بشأن مشروع أسوان، وهو جزء لا ينبغي إسقاطه من الصورة. وفي الوقت نفسه، فإن تحويل هذا الاعتراض إلى القول بوجود حق إثيوبي مطلق في «الموافقة» على إنشاء السد العالي يحتاج إلى سند قانوني أكثر تحديدًا من مجرد وجود احتجاج تاريخي.
وبذلك يصبح الفارق الأساسي بين الروايتين هو أن النقاش التاريخي الموثق دار حول التشاور وحقوق دول الحوض، بينما انتقلت الصياغة الإثيوبية الحالية إلى سؤال «الموافقة»، في محاولة لربط تلك السابقة بالجدل المعاصر بشأن سد النهضة.









