دراسة حديثة تكشف نتائج تستدعي التمييز بين التأثير الفوري والمستمر
المحليات الصناعية وسكر الدم.. هل تؤثر في الأنسولين وبكتيريا الأمعاء؟
المحليات الصناعية وسكر الدم ليست علاقتهما واحدة في جميع الحالات؛ فمعظم بدائل السكر غير المغذية لا تسبب ارتفاعًا مباشرًا ملحوظًا في الجلوكوز، لكن دراسات سريرية رصدت تغيرات في بعض مؤشرات الأنسولين وحساسية الجسم له. وأظهرت تجربة عشوائية نُشرت في يوليو 2026 نتائج مختلفة لبعض المؤشرات بعد تناول السكرين والستيفيا لمدة أسبوعين، دون إثبات تأثير ضار طويل الأمد. وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لمرضى السكري، في ظل إرشادات الجمعية الأمريكية للسكري لعام 2026 التي تسمح باستخدام المحليات غير المغذية باعتدال ولفترات قصيرة بدل المنتجات المحلاة بالسكر، مع استمرار التوصية بالماء باعتباره الخيار الأساسي للمشروبات.
دراسة 2026 ترصد تغيرات في الأنسولين بعد تناول بدائل السكر
نشرت دورية Nutrients العلمية، في 16 يوليو 2026، دراسة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية أجرتها الباحثة آن نيلسون من جامعة لوند السويدية، بهدف مقارنة تأثير السكر العادي وبعض المحليات غير المغذية في تنظيم الجلوكوز والأنسولين.
وشملت التجربة 39 بالغًا من الأصحاء ذوي الوزن الطبيعي، تناولوا مشروبات تحتوي على السكروز أو السكرين أو جليكوسيدات الستيفيول المستخلصة من نبات الستيفيا، لمدة 14 يومًا لكل تدخل، مع فترات فاصلة بين التدخلات.
واستخدم الباحثون كميات يومية بلغت 66 جرامًا من السكروز، أو 220 ملليجرامًا من السكرين، أو 220 ملليجرامًا من جليكوسيدات الستيفيول، مع قياس سكر الدم والأنسولين ومؤشرات التمثيل الغذائي.
وأظهرت النتائج ارتفاع سكر الدم أثناء الصيام مقارنة بالقيم الأساسية بعد تناول السكروز والسكرين، بينما ارتفع الأنسولين أثناء الصيام بعد تناول الستيفيا. كما سجلت التدخلات الثلاثة زيادة في استجابة الأنسولين بعد الطعام وانخفاضًا في بعض مؤشرات الحساسية له.
لكن الباحثة أوضحت أن الدراسة لم تجد فروقًا ذات دلالة إحصائية بين التدخلات في تنظيم الجلوكوز بصورة عامة، وشددت على ضرورة تفسير التغيرات المسجلة بحذر.
ولا تسمح هذه التجربة وحدها باستنتاج أن المحليات الصناعية تسبب مقاومة الأنسولين أو مرض السكري، لأنها شملت عددًا محدودًا من الأصحاء، واستمرت فترات التدخل فيها أسبوعين فقط.
المحليات الصناعية وبكتيريا الأمعاء.. ماذا أثبتت التجارب؟
يمثل الميكروبيوم المعوي، وهو مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الأمعاء، أحد المسارات التي يدرسها الباحثون لفهم التأثيرات المحتملة للمحليات غير المغذية في تنظيم سكر الدم.
وفي تجربة عشوائية نُشرت بمجلة Cell عام 2022، درس الباحثون تأثير أربعة محليات على 120 شخصًا بالغًا من الأصحاء، خلال أسبوعين من الاستخدام.
وشملت المحليات السكرين والسكرالوز والأسبارتام والستيفيا، مع مجموعات للمقارنة. ورصدت الدراسة تغيرات مختلفة في الميكروبيوم لدى المجموعات التي تناولت المحليات، بينما سجلت مجموعتا السكرين والسكرالوز ضعفًا في الاستجابة لاختبار تحمل الجلوكوز مقارنة بالمجموعات الضابطة.
وخلص الباحثون إلى أن تأثير بعض المحليات قد يختلف من شخص إلى آخر، وأن بكتيريا الأمعاء يمكن أن تشارك في تفسير هذه الاختلافات.
وهنا يظهر فرق مهم بين الدراستين؛ فبحث 2022 تناول أربعة محليات وركز على علاقة الميكروبيوم باستجابة الجلوكوز، بينما قارنت دراسة يوليو 2026 السكرين والستيفيا بالسكر العادي، وركزت على مجموعة أوسع من مؤشرات التمثيل الغذائي.
ولا تعني النتائج أن جميع المحليات لها التأثير نفسه، أو أن التغير في تركيب بكتيريا الأمعاء يؤدي بالضرورة إلى مرض مزمن. فما تزال الآثار السريرية طويلة الأمد بحاجة إلى دراسات أكبر وأطول.
ماذا تقول إرشادات 2026 عن المحليات الصناعية لمرضى السكري؟
توضح الجمعية الأمريكية للسكري، في معايير الرعاية الطبية لعام 2026، أن المحليات غير المغذية يمكن استخدامها بدل المنتجات المحلاة بالسكر باعتدال ولفترات قصيرة، بهدف تقليل إجمالي السعرات الحرارية والكربوهيدرات.
وتؤكد الإرشادات أن المحليات لا تبدو ذات تأثير كبير في التحكم بالجلوكوز لدى معظم الأشخاص، لكنها لا تقدم فائدة تلقائية لإنقاص الوزن إذا صاحب استخدامها زيادة في السعرات الحرارية من مصادر أخرى.
كما تمنح الجمعية الأولوية للماء بدل المشروبات الأخرى، مع السماح باستخدام بدائل منخفضة السعرات أو خالية منها لتقليل الاعتماد على المشروبات السكرية.
ومن المهم التمييز بين هذه التوصيات وإرشادات منظمة الصحة العالمية الصادرة في مايو 2023، التي أوصت بعدم الاعتماد على المحليات غير السكرية للتحكم طويل الأمد في الوزن أو الوقاية من الأمراض غير المعدية.
فقد أوضحت منظمة الصحة العالمية صراحة أن هذه التوصية المشروطة لا تشمل الأشخاص المصابين بالفعل بداء السكري، لأن تقييم استخدام المحليات لإدارة المرض كان خارج نطاق الإرشادات.
وبالتالي، لا يصح تفسير توصية منظمة الصحة العالمية باعتبارها حظرًا عامًا للمحليات على مرضى السكري، كما لا تعني توصيات الجمعية الأمريكية أن استخدامها غير المحدود مفيد للصحة.
هل جميع المنتجات الخالية من السكر لا ترفع الجلوكوز؟
توضح إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن معظم المحليات عالية الكثافة، مثل السكرالوز والأسبارتام والسكرين، لا تؤدي عادةً إلى ارتفاع ملحوظ في سكر الدم عند استخدامها وفق أغراضها المعتمدة.
لكن تأثير المادة المحلِّية لا يساوي بالضرورة تأثير المنتج الغذائي الكامل الذي يحتوي عليها.
فقد تضم بعض المنتجات الخالية من السكر نشويات أو دقيقًا أو مكونات أخرى تحتوي على كربوهيدرات، وبالتالي تظل قادرة على التأثير في الجلوكوز رغم عدم إضافة السكر التقليدي.
كما تختلف المحليات عالية الكثافة عن كحولات السكر، مثل السوربيتول والمالتيتول، التي تدخل في تصنيع بعض الحلويات والمنتجات المكتوب عليها أنها خالية من السكر، وقد توفر سعرات حرارية وتختلف آثارها بحسب النوع والكمية.
ويظل فحص إجمالي الكربوهيدرات وحجم الحصة على الملصق الغذائي أكثر فائدة من الاعتماد على عبارة «خالي من السكر» وحدها.
وتوجد حالة صحية تتطلب احتياطًا خاصًا؛ إذ تؤكد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن المصابين بمرض الفينيل كيتون يوريا الوراثي يجب عليهم تجنب الأسبارتام أو تقييد استهلاكه وفق التوجيه الطبي، لاحتوائه على الفينيل ألانين.
المحليات الصناعية بين الفائدة قصيرة الأمد والمخاطر غير المحسومة
توضح الأدلة المتاحة أن استبدال السكر بمحليات غير مغذية قد يساعد على تقليل كمية السكر المضاف والسعرات الحرارية، لكنه لا يضمن تحسين حساسية الأنسولين أو الوقاية من السكري على المدى الطويل.
وتشير نتائج التجارب إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: تأثير المحلّي مباشرة بعد تناوله، وتأثير الاستخدام المتكرر في مؤشرات التمثيل الغذائي، واحتمال ارتباط الاستهلاك طويل الأمد بأمراض مزمنة.
ولا تزال الأدلة المتعلقة بالأمرين الأخيرين غير حاسمة، خصوصًا مع اختلاف أنواع المحليات وجرعاتها والحالة الصحية للمشاركين ومدة الدراسات.
أما مرضى السكري، فيظل اختيار بدائل السكر جزءًا من الخطة الغذائية الفردية، ولا يغني عن تنظيم الكربوهيدرات أو متابعة الجلوكوز أو الالتزام بالعلاج الطبي.









