بعد هجوم كنيسة حمود مطالب بإصلاح التعليم والخطاب الديني
جورجيت شرقاوي تشيد ببيان 256 شخصية أردنية ضد التطرف وتتساءل: أين عقلاء مصر؟
أشادت الكاتبة والحقوقية جورجيت شرقاوي بتحرك 256 شخصية أردنية وقّعت بيانًا يدعو إلى مواجهة جذور التطرف الديني وإصلاح المنظومة التعليمية والثقافية، عقب الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك الأردنية. واعتبرت شرقاوي أن التحرك يمثل نموذجًا للمشاركة المجتمعية في مواجهة الأفكار المتشددة، متسائلة عن دور المثقفين والنخب والمؤسسات المصرية في مراجعة خطاب الكراهية وتعزيز المواطنة. ويأتي تعليقها بالتزامن مع جدل داخل الأردن حول مطالب البيان، بين مؤيدين يرون فيه دعوة للإصلاح الفكري، ومعارضين يعتبرون أن بعض اتهاماته تمس التراث الإسلامي والهوية الدينية.
جورجيت شرقاوي: الأردن تبهرني بمفاجآت جديدة
استهلت جورجيت شرقاوي منشورها بالإشادة بما وصفته بالتحركات المجتمعية الأردنية، وكتبت: «كل يوم.. الأردن تبهرني بمفاجآت».
وربطت شرقاوي بين المشهد الأردني وذكرياتها عن ثورة 30 يونيو 2013 في مصر، مستحضرة ما اعتبرته حالة من الوحدة الوطنية التي جمعت المصريين خلال تلك المرحلة، قبل أن تتراجع، وفق تقييمها، أمام مظاهر الانقسام والاستقطاب.
ورأت أن أهمية البيان الأردني لا تقتصر على إدانة الهجوم على الكنيسة، وإنما تكمن في انتقال شخصيات عامة ومثقفين وأكاديميين إلى مناقشة الأسباب الفكرية والاجتماعية التي قد تساعد على انتشار التطرف.
واعتبرت أن المبادرة تمثل محاولة لصياغة رؤية مجتمعية للإصلاح، بدلًا من انتظار تحرك رسمي أو الاكتفاء بمطالبة السلطات الأمنية بملاحقة مرتكبي الاعتداءات.
ويعبر هذا التقييم عن موقف جورجيت شرقاوي من المبادرة الأردنية، وليس عن اتفاق جميع القوى السياسية والدينية في الأردن على مضمون البيان أو المقترحات التي تضمنها.
ما تفاصيل بيان 256 شخصية أردنية بعد هجوم كنيسة حمود؟
نُشر البيان الأردني يوم الاثنين 2 نوفمبر 2026 تحت عنوان «من أجل وطن تعددي عصي على التطرف والإرهاب»، وحمل توقيعات 256 شخصية من مجالات السياسة والثقافة والتعليم والإعلام والعمل الحقوقي والنقابي.
وضمت قائمة الموقعين وزراء ونوابًا سابقين وأكاديميين وكتابًا ومثقفين وناشطين، من بينهم شخصيات معروفة في الحياة العامة الأردنية.
وجاء البيان بعد الهجوم المسلح الذي وقع يوم 23 أكتوبر 2026 داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك، أثناء مراسم جنازة.
وأسفر الاعتداء عن سقوط سبعة قتلى وإصابة العشرات، فيما أعلنت مديرية الأمن العام الأردنية يوم 26 أكتوبر القبض على ثلاثة أشخاص قالت إنهم منفذو الهجوم، بعد عملية أمنية واشتباك مسلح.
وأكد الموقعون على البيان تقديرهم للإجراءات الأمنية والقضائية، لكنهم اعتبروا أن مواجهة الإرهاب تحتاج أيضًا إلى معالجة فكرية وتربوية وثقافية، بهدف الحد من انتشار الأفكار التي تحرض على كراهية المختلف دينيًا أو سياسيًا.
وتضمنت الوثيقة ستة محاور للإصلاح، شملت مواجهة الخطاب التكفيري، وتوسيع الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية، وإعادة تأهيل المنظومة التعليمية، وإحياء تدريس الفلسفة والمنطق والأخلاق، ومكافحة التحريض والكراهية، وحماية حرية التعبير.
لماذا أثار البيان الأردني خلافًا حول التراث الإسلامي؟
لم يقتصر البيان على طرح مطالب تعليمية وثقافية عامة، بل تضمن انتقادات حادة لما وصفه الموقعون بالمراجع الفكرية التي استندت إليها تيارات متشددة.
وذكر البيان كتب عدد من الشخصيات التاريخية والفكرية، بينها ابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وحسن البنا وسيد قطب، في سياق حديثه عن مصادر يرى الموقعون أنها ساهمت في تشكيل بعض الخطابات الإقصائية.
كما تضمن اتهامات بشأن التأثير التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين في المؤسسات التعليمية والمناهج الأردنية.
وتظل هذه التفسيرات والاتهامات منسوبة إلى أصحاب البيان، ولا تشكل بذاتها إثباتًا لمسؤولية أي كتاب أو تيار عن الهجوم الذي استهدف الكنيسة، وهي مسألة تتطلب أدلة وتحقيقات مستقلة.
وأثارت هذه المضامين اعتراضات من أصوات إسلامية ومحافظة اعتبرت أن تعميم الانتقاد على رموز دينية وتراثية قد يؤدي إلى توسيع الانقسام بدلًا من معالجته.
ورأى منتقدون أن بعض العبارات تخلط بين التراث الإسلامي وتفسيرات الجماعات المتطرفة له، بينما يتمسك مؤيدو البيان بضرورة مراجعة الأفكار والخطابات التي قد تُستخدم لتبرير العنف والتمييز.
وتعكس هذه المواقف وجود اتفاق على إدانة الاعتداء الإرهابي، يقابله خلاف بشأن تفسير أسبابه والطريقة المناسبة لمواجهة التطرف فكريًا وتربويًا.
ماذا قالت المؤسسات الأردنية عن المناهج والتطرف؟
سبق صدور بيان الشخصيات الأردنية نقاش رسمي بشأن دور المناهج التعليمية في مواجهة الأفكار المتشددة، عقب الاعتداء على كنيسة حمود.
وفي 28 أكتوبر 2026، أصدر المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم في الأردن بيانًا أكد فيه أن المناهج المدرسية ترسخ، بحسب تقييمه، قيم المواطنة والمساواة واحترام الأديان والتنوع ونبذ العنف والتعصب.
وشدد المركز على ضرورة أن تستند الانتقادات الموجهة إلى المناهج إلى نصوص محددة من الكتب المدرسية، مع توضيح الصف الدراسي والموضوع والسياق الذي وردت فيه المادة محل الاعتراض.
كما أوضح أن حماية الأجيال من التطرف لا تقع على المدرسة وحدها، وإنما تشمل الأسرة والمجتمع والمؤسسات الثقافية والإعلامية والفضاء الرقمي.
ومن المهم التمييز بين هذا البيان المؤسسي الصادر في 28 أكتوبر والوثيقة التي وقعها المثقفون في 2 نوفمبر، إذ جاء موقف المركز قبل نشر بيان الشخصيات الأردنية، ولا يصح اعتباره ردًا مباشرًا عليه.
جورجيت شرقاوي تفتح ملف المناهج والإنتاج الفني في مصر
انتقلت جورجيت شرقاوي من الإشادة بالتحرك الأردني إلى طرح أسئلة تتعلق بمصر، خصوصًا بشأن دور المؤسسات التعليمية والثقافية في مواجهة الأفكار المتشددة.
وتساءلت عن إمكانية مراجعة المناهج التعليمية للتأكد من ترسيخ قيم الاعتدال والمواطنة وقبول الاختلاف، كما طرحت فكرة تشكيل لجنة رسمية لمواجهة التطرف الفكري.
ودعت إلى مناقشة دور حكومة الدكتور مصطفى مدبولي في دراسة المقترحات المرتبطة بالتعليم والخطاب الديني، مستندة إلى التجربة الأردنية باعتبارها مدخلًا لفتح نقاش أوسع حول الإصلاح المجتمعي.
ولم تقدم شرقاوي في منشورها دراسة تفصيلية للمناهج المصرية أو نصوصًا محددة تستوجب التعديل، ولذلك تبقى مطالبها دعوة للمراجعة والتقييم، وليست دليلًا على وجود مخالفات بعينها داخل المناهج الحالية.
وتطرقت كذلك إلى دور الدراما والسينما في تناول الإرهاب، مشيرة إلى أعمال مصرية من بينها «الاختيار» و«الممر» و«كلبش» و«الحشاشين» و«السرب».
واعتبرت شرقاوي أن هذه الأعمال قدمت معالجة فنية لمخاطر التنظيمات المتطرفة والأفكار التكفيرية، وانتقدت الهجوم الذي تعرضت له بعض الإنتاجات الفنية بسبب مضمونها السياسي أو تناولها للأجهزة والمؤسسات الرسمية.
ويظل تقييم تأثير هذه الأعمال على وعي الجمهور قضية تحتاج إلى دراسات لقياس أثرها، ولا يمكن الجزم بأن إنتاجها وحده يؤدي إلى تراجع التطرف أو تغير الاتجاهات الاجتماعية.
موقف مصري رسمي من خطاب التحريض بعد هجوم كنيسة الكرك
بالتزامن مع النقاش الذي أثارته جورجيت شرقاوي، نشر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف يوم 3 نوفمبر 2026 قراءة تناولت خطاب التحريض المرتبط بالاعتداء على كنيسة الكرك الأردنية.
وركز المرصد على كيفية توظيف الجماعات المتطرفة للاختلاف الديني من أجل تصوير المواطنين باعتبارهم أطرافًا متعادية، وشرح خطورة استخدام نصوص دينية خارج سياقها لتبرير الاعتداء على الآخرين.
وأشار إلى أهمية مواجهة الخطاب الذي يحاول نزع الشرعية عن المواطنة أو تشويه التضامن بين المسلمين والمسيحيين عقب الجرائم الإرهابية.
كما ميّز المرصد بين نشر خطاب يشيد بالعنف وبين وجود أدلة تثبت المسؤولية التنظيمية أو التنفيذية عن جريمة محددة، مؤكدًا ضرورة التعامل مع تلك المسائل بدقة.
ويظهر هذا الموقف وجود عمل فكري مصري مؤسسي في مواجهة التطرف والتحريض، وإن كان مختلفًا في طبيعته عن المطالب التي طرحتها جورجيت شرقاوي بشأن مراجعة المناهج وآليات المشاركة المجتمعية.
ولا يتضمن هذا التحليل الأزهري إعلانًا عن قرار جديد لتعديل المناهج المصرية أو إنشاء لجنة حكومية استجابة للمبادرة الأردنية.
أين العقلاء والنخبة في مصر؟ سؤال جورجيت شرقاوي
اختتمت جورجيت شرقاوي جانبًا من تعليقها بطرح سؤال عن دور النخبة المصرية في إحداث تغيير فكري واجتماعي يرسخ قيم المواطنة والتعددية.
وتساءلت عما إذا كان ممكنًا الوصول إلى صيغة وطنية تجمع بين احترام الهوية الدينية وضمان حقوق المواطنة والتعايش بين المختلفين في العقيدة والفكر.
كما ربطت هذه التساؤلات بمرحلة حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، معربة عن رؤيتها بأن الفرصة المتاحة لمواجهة التطرف ينبغي استثمارها من خلال مؤسسات الدولة والمجتمع.
وتعبر هذه الأفكار عن رأي صاحبة المنشور في أولويات الإصلاح وآلياته، ولا تعني صدور قرار حكومي مصري جديد أو تبني القاهرة رسميًا مقترحات البيان الأردني.
والفارق الأساسي الذي تكشفه المقارنة هو أن المبادرة الأردنية تمثل وثيقة مطالب صادرة عن شخصيات عامة، في حين أن أي مراجعة مصرية للمناهج أو المؤسسات تحتاج إلى إجراءات وقرارات من الجهات المختصة.
ويبقى السؤال الذي أثارته جورجيت شرقاوي متعلقًا بكيفية تحويل رفض التطرف إلى سياسات تعليمية وثقافية ومجتمعية قابلة للتقييم، مع الحفاظ على حرية الاعتقاد وحقوق المواطنين ووحدة المجتمع.









