تراجع عالمي للغذاء وارتفاع محلي للحوم

رغم تراجع أسعار الغذاء عالميًا 1.2%.. هل تنخفض أسعار السلع في مصر؟

أسعار السلع في مصر
أسعار السلع في مصر

سجلت أسعار الغذاء العالمية انخفاضًا بنسبة 1.2% خلال أكتوبر 2026، لكن بيانات الأسعار في مصر أظهرت اتجاهًا مختلفًا لعدد من السلع الأساسية، بعدما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن والزيوت والسكر محليًا خلال الفترة نفسها. وتكشف المقارنة بين تقرير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو»، الصادر في 6 نوفمبر، وبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادرة في 5 نوفمبر، أن التراجع العالمي لم ينعكس في صورة انخفاض عام للأسعار داخل السوق المصرية.

وتتمثل المفارقة الأبرز في انخفاض مؤشر اللحوم عالميًا بنسبة 1.2%، مقابل ارتفاع مجموعة اللحوم والدواجن في مصر بنسبة 3.2%، بينما لم تعلن الجهات المختصة توقعًا محددًا أو موعدًا لانخفاض أسعار السلع الغذائية خلال الفترة المقبلة.

أسعار السلع في مصر خلال أكتوبر 2026.. ماذا حدث فعليًا؟

أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية بنسبة 0.6% خلال أكتوبر مقارنة بسبتمبر، ليصل إلى 296.1 نقطة.

وفي الوقت نفسه، انخفض معدل التضخم السنوي إلى 12% مقابل 12.8% خلال سبتمبر، وهو ما يعني تباطؤ الزيادة السنوية في الأسعار رغم استمرار ارتفاع المستوى العام للأسعار على أساس شهري.

وسجل قسم الطعام والمشروبات زيادة شهرية بلغت 0.8%، مدفوعة بتحركات متفاوتة بين المجموعات الغذائية، وجاءت أبرزها كالتالي:

  • اللحوم والدواجن: ارتفاع بنسبة 3.2%.
  • الألبان والجبن والبيض: ارتفاع بنسبة 2.5%.
  • الحبوب والخبز: ارتفاع بنسبة 1.1%.
  • الزيوت والدهون: ارتفاع بنسبة 0.7%.
  • السكر والأغذية السكرية: ارتفاع بنسبة 0.4%.
  • الخضروات: انخفاض بنسبة 2.6%.
  • الفاكهة: انخفاض بنسبة 2.9%.

وتوضح هذه البيانات أن ارتفاع الأسعار لم يشمل جميع المنتجات، إذ تراجعت مجموعتا الخضروات والفاكهة، بينما استمرت الزيادات في مجموعات غذائية أخرى، خصوصًا اللحوم ومنتجات الألبان.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار قسم الطعام والمشروبات بنسبة 7.5% مقارنة بأكتوبر 2025، وهو مؤشر مختلف عن معدل التضخم العام لإجمالي الجمهورية البالغ 12%.

لماذا ارتفعت أسعار اللحوم في مصر رغم انخفاضها عالميًا؟

تكشف أرقام أكتوبر اختلافًا واضحًا بين حركة مؤشر اللحوم في الأسواق الدولية والأسعار التي يدفعها المستهلك المصري.

فوفقًا لتقرير الفاو، تراجع مؤشر أسعار اللحوم العالمي بنسبة 1.2% مقارنة بسبتمبر، مع انخفاض الأسعار الدولية للحوم الأبقار والأغنام والخنازير، بينما ظلت أسعار الدواجن مستقرة بصورة عامة.

وفي المقابل، سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع أسعار مجموعة اللحوم والدواجن في مصر بنسبة 3.2% خلال أكتوبر، وبنسبة 9.3% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025.

ولا تعني المقارنة أن سعر النوع نفسه من اللحوم انخفض في الخارج وارتفع في مصر بالمقدار المذكور؛ فمؤشر الفاو يقيس تحركات الأسعار الدولية لمجموعة من منتجات اللحوم، بينما يرصد الجهاز المصري أسعار مجموعة اللحوم والدواجن التي يشتريها المستهلك محليًا.

كما تختلف تكلفة المنتج النهائي بحسب مصدر اللحوم، وحجم الإنتاج المحلي، وأسعار الأعلاف، والنقل والتخزين والتوزيع، إلى جانب تكلفة الاستيراد وسعر الصرف بالنسبة إلى المنتجات والمدخلات المستوردة.

وبالتالي، فإن انخفاض مؤشر اللحوم العالمي خلال شهر واحد لا يكفي وحده لإثبات أن أسعار اللحوم في مصر ستنخفض بالنسبة نفسها أو خلال فترة زمنية محددة.

الزيوت والسكر.. لماذا لم يشملهما انخفاض الغذاء العالمي؟

رغم تراجع المؤشر العام للغذاء، تحركت أسعار الزيوت والسكر عالميًا في الاتجاه المعاكس.

فقد ارتفع مؤشر الفاو للزيوت النباتية بنسبة 0.3% خلال أكتوبر، ليبلغ 199.2 نقطة، نتيجة ارتفاع الأسعار الدولية لزيتَي الصويا ودوار الشمس، بما تجاوز أثر تراجع أسعار زيت بذور اللفت.

وفي مصر، ارتفعت مجموعة الزيوت والدهون بنسبة 0.7% على أساس شهري، وبنسبة 6% على أساس سنوي، وفق بيانات جهاز الإحصاء.

أما السكر، فقد سجل مؤشر أسعاره العالمي ارتفاعًا بنسبة 6.6% خلال أكتوبر، ليصل إلى 121.3 نقطة، مواصلًا الصعود للشهر الرابع على التوالي، ومسجلًا أعلى مستوى منذ ديسمبر 2024.

وبحسب الفاو، ارتفع المؤشر العالمي للسكر بنسبة 28.8% مقارنة بأكتوبر 2025، نتيجة اضطرابات حصاد قصب السكر وتصنيعه في البرازيل بسبب الأمطار، إلى جانب المخاوف المرتبطة بإنتاج عدد من الدول الرئيسية.

وفي السوق المصرية، ارتفعت أسعار مجموعة السكر والأغذية السكرية بنسبة 0.4% شهريًا، وبنسبة 1.6% سنويًا.

ويظهر اختلاف نسب الزيادة أن التحركات الدولية لا تنتقل إلى السوق المحلية بصورة متطابقة، كما أن مؤشر السكر العالمي يختلف في مكوناته وطريقة قياسه عن مجموعة السكر والأغذية السكرية المدرجة ضمن أسعار المستهلكين في مصر.

هل يؤدي انخفاض أسعار القمح والحبوب عالميًا إلى تراجع الخبز في مصر؟

يمثل قطاع الحبوب أحد أبرز القطاعات التي سجلت انخفاضًا عالميًا خلال أكتوبر، بعدما تراجع مؤشر الفاو لأسعار الحبوب بنسبة 4.5% مقارنة بسبتمبر، وبنسبة 12.6% على أساس سنوي.

وشمل التراجع الأسعار الدولية للقمح والذرة، مدفوعًا بضعف الطلب على الاستيراد وتحسن توقعات الإنتاج، خصوصًا في الأرجنتين، إلى جانب توقعات تحسن المعروض من الذرة في الدول المصدرة.

لكن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت ارتفاع مجموعة الحبوب والخبز في مصر بنسبة 1.1% خلال الشهر نفسه.

ويعود الاختلاف في طبيعة المؤشرين إلى أن الفاو تتابع الأسعار الدولية للسلع الزراعية المتداولة عالميًا، بينما يرصد المؤشر المصري أسعار منتجات يشتريها المستهلك، وتشمل مراحل تصنيع وتكاليف محلية لا تدخل بالكامل في سعر الحبوب الخام.

ومن الناحية الاقتصادية، قد يساهم استمرار انخفاض أسعار القمح عالميًا في تخفيف تكلفة الاستيراد بالنسبة إلى التعاقدات الجديدة، لكن انعكاس ذلك على أسعار المنتجات النهائية يتوقف على سعر الصرف وتوقيت التوريد وتكلفة التصنيع والمخزون والسياسات المنظمة لتسعير الخبز.

ولا تتضمن بيانات الفاو إعلانًا عن خفض أسعار الخبز في مصر أو تعديل أسعار الخبز المدعم.

هل تنخفض أسعار السلع الغذائية في مصر خلال الفترة المقبلة؟

لا تقدم أرقام أكتوبر دليلًا كافيًا على اقتراب انخفاض شامل لأسعار الغذاء في السوق المصرية، لكنها تكشف اختلاف اتجاهات المنتجات، سواء محليًا أو عالميًا.

ويظل استمرار انخفاض الأسعار الدولية لبعض السلع عاملًا قد يساعد في تخفيف تكاليف الاستيراد مستقبلًا، إلا أن انتقال هذا الأثر يعتمد على عدة متغيرات، من بينها:

  • استمرار التراجع العالمي لفترة تسمح بانعكاسه على تعاقدات الاستيراد.
  • استقرار سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية.
  • حجم المخزون المتاح لدى المستوردين والمنتجين والتجار.
  • تكاليف الطاقة والنقل والتصنيع والتوزيع.
  • حجم المعروض المحلي ومستوى المنافسة داخل الأسواق.

ولا يمكن تحديد موعد لانخفاض الأسعار اعتمادًا على تراجع مؤشر الفاو لشهر واحد، خصوصًا أن بعض السلع الأساسية، وعلى رأسها السكر والزيوت، سجلت ارتفاعات عالمية خلال الفترة نفسها.

لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار رغم تراجع التضخم؟

تظهر بيانات أكتوبر فرقًا مهمًا بين انخفاض معدل التضخم وانخفاض أسعار السلع فعليًا.

فقد تراجع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية من 12.8% في سبتمبر إلى 12% في أكتوبر، لكن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين ارتفع خلال الشهر بنسبة 0.6%.

ويعني ذلك أن الأسعار في المتوسط واصلت الزيادة، ولكن بوتيرة سنوية أقل، وليس أن جميع المنتجات أصبحت أرخص.

كما يفسر تفاوت حركة السلع سبب اختلاف أثر التضخم على الأسر، إذ قد تستفيد أسرة من انخفاض أسعار بعض الخضروات والفاكهة، بينما تواجه زيادة في تكلفة شراء اللحوم والألبان والزيوت.

وتظل النتيجة الأساسية التي تؤكدها بيانات أكتوبر أن انخفاض أسعار الغذاء عالميًا بنسبة 1.2% لا يعني انخفاض أسعار السلع في مصر تلقائيًا، وأن الحكم على تحسن الأسعار للمستهلك يحتاج إلى متابعة أسعار المنتجات نفسها داخل السوق المحلية، وليس الاعتماد على حركة المؤشر العالمي وحده.

تم نسخ الرابط