ذكرى وطنية لا تغيب أبدا

الكنيسة القبطية تحيي اليوم ذكرى عودة رفات شهداء ليبيا المصريين إلى أرض الوطن

ذكرى عودة رفات شهداء
ذكرى عودة رفات شهداء ليبيا المصريين إلى أرض الوطن

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم ذكرى عودة رفات شهداء ليبيا المصريين إلى أرض الوطن، في مناسبة تحمل داخلها مزيجًا من الألم والفخر، وتعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الوقائع التي بقيت حاضرة في وجدان المصريين، ليس فقط باعتبارها حادثًا إرهابيًا مؤلمًا، ولكن كقصة صمود إنساني ووطني ارتبطت بأسر بسيطة دفعت ثمنًا قاسيًا في الغربة.

وتأتي الذكرى لتسلط الضوء من جديد على رحلة طويلة بدأت بالخطف والقلق والانتظار، ثم تحولت إلى مأساة هزت الرأي العام، قبل أن تنتهي بعودة الرفات إلى مصر بعد سنوات من البحث والتحقق، ليجد الشهداء موضعهم الأخير في أرضهم وبين أهلهم.

تفاصيل بداية الأزمة في ليبيا

بدأت القصة عندما تعرض عدد من العمال المصريين الأقباط للاختطاف في مدينة سرت الليبية خلال نهاية ديسمبر 2014 وبداية يناير 2015، في وقت كانت فيه ليبيا تمر باضطرابات أمنية واسعة سمحت للجماعات الإرهابية بالتمدد في بعض المناطق.

وكان معظم المختطفين من قرى مركز سمالوط بمحافظة المنيا، حيث خرجوا للعمل بحثًا عن الرزق، قبل أن يجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع تنظيم إرهابي استهدفهم على أساس هويتهم الدينية والوطنية.

وتحولت أيام الاختطاف إلى فترة قاسية على أسرهم، التي عاشت بين الخوف والرجاء، وسط محاولات رسمية وكنسية لمعرفة مصيرهم والتواصل مع الأطراف الليبية.

تحركات الدولة والكنيسة وقت الحادث

في أعقاب الاختطاف، تحركت الدولة المصرية عبر وزارة الخارجية والجهات المعنية لمتابعة الأزمة، كما بذلت الكنيسة القبطية جهودًا للتواصل والمساندة، خاصة مع أسر المختطفين الذين لجأوا إلى الوقفات والمناشدات لمعرفة أي معلومة عن ذويهم.

والتقى البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، أسر المختطفين، وقدم لهم الدعم المعنوي في لحظة كانت شديدة الصعوبة، بينما وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتشكيل خلية أزمة لمتابعة الموقف والتعامل مع تطورات الحادث.

وكانت تلك المرحلة اختبارًا شديد الحساسية، لأن القضية لم تكن مجرد حادث اختطاف خارج الحدود، بل ملفًا إنسانيًا وأمنيًا يمس المصريين في الخارج ويكشف خطورة الأوضاع في ليبيا آنذاك.

إعلان الاستشهاد ورد الدولة المصرية

في فبراير 2015، أعلن تنظيم داعش الإرهابي إعدام المختطفين، في مشهد صادم أثار غضبًا واسعًا داخل مصر وخارجها، وأعلنت رئاسة الجمهورية الحداد لمدة 7 أيام على أرواح الضحايا.

وأكد الرئيس عبد الفتاح السيسي حينها أن مصر تحتفظ بحق الرد، وأن الجريمة لن تمر دون حساب، قبل أن توجه القوات المسلحة المصرية ضربات جوية ضد معاقل التنظيمات الإرهابية في ليبيا، ردًا على المذبحة وثأرًا لدماء الشهداء.

كما زار الرئيس الكاتدرائية المرقسية لتقديم العزاء للبابا تواضروس الثاني، في رسالة واضحة بأن الحادث أصاب الوطن كله، وليس أسر الضحايا وحدها.

كنيسة باسم الشهداء في مسقط رأسهم

من بين القرارات المهمة التي ارتبطت بالحادث، توجيه الرئيس ببناء كنيسة تحمل اسم الشهداء في قرية العور بمركز سمالوط، وهي القرية التي خرج منها عدد كبير من الضحايا.

وبنيت الكنيسة لاحقًا باسم كاتدرائية شهداء الإيمان والوطن، لتصبح مزارًا روحيًا ووطنيًا يستحضر قصة الشهداء، ويحفظ أسماءهم في ذاكرة الأجيال القادمة.

ولم تكن الكنيسة مجرد مبنى، بل رمزًا لتكريم الضحايا وتثبيت مكانتهم في الوجدان العام، ورسالة بأن دماءهم لم تُنسَ، وأن ذكراهم أصبحت جزءًا من تاريخ الوطن.

رحلة البحث عن الرفات

بعد إعلان الاستشهاد، ظل مكان دفن الجثامين مجهولًا لفترة طويلة بسبب الاضطرابات الأمنية في ليبيا وصعوبة الوصول إلى مناطق سيطرة التنظيمات الإرهابية.

ومع مرور الوقت، تمكنت السلطات الليبية من الوصول إلى معلومات جديدة بعد القبض على أحد المتورطين في تصوير الواقعة، ما ساعد في الكشف عن مكان دفن الرفات بمدينة سرت.

وشارك فريق من النيابة العامة وخبراء الطب الشرعي المصريين في إجراءات التحقق من هوية الرفات، من خلال مطابقة عينات الحمض النووي مع أسر الشهداء، لضمان عودة كل جثمان باسمه إلى وطنه وأهله.

عودة الرفات إلى مصر

في 14 مايو 2018، عادت رفات شهداء ليبيا المصريين إلى أرض الوطن، في مشهد مؤثر استقبلته الكنيسة والدولة بعناية كبيرة.

وكان في استقبال الجثامين بمطار القاهرة البابا تواضروس الثاني وعدد من أعضاء المجمع المقدس، إلى جانب ممثلين عن الدولة، قبل الصلاة عليهم ونقلهم إلى المزار المعد لهم في كنيسة السيدة العذراء بقرية العور في سمالوط.

وجاءت عودة الرفات بعد سنوات من الانتظار لتمنح الأسر قدرًا من السكينة، بعدما أصبح لكل شهيد مكان معروف يزوره أهله ومحبوهم.

دلالة الذكرى اليوم

تحمل ذكرى عودة رفات شهداء ليبيا المصريين معنى يتجاوز حدود المناسبة الكنسية، لأنها تذكر المصريين بقيمة التماسك الوطني في مواجهة الإرهاب.

كما تعيد التأكيد على أن ضحايا الإرهاب ليسوا أرقامًا في الأخبار، بل أشخاص لهم أسر وأحلام وحياة انقطعت بسبب التطرف والعنف.

وتبقى هذه الذكرى شاهدًا على أن الذاكرة الوطنية لا تنفصل عن الذاكرة الإنسانية، وأن تكريم الضحايا يبدأ من حفظ قصتهم ونقلها للأجيال الجديدة.

خلاصة الموضوع

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم ذكرى عودة رفات شهداء ليبيا المصريين إلى أرض الوطن، وهي ذكرى ترتبط بواقعة أليمة بدأت باختطاف عمال مصريين في ليبيا وانتهت باستشهادهم على يد تنظيم داعش الإرهابي.

وبعد سنوات من الانتظار والتحقق، عادت الرفات إلى مصر في 14 مايو 2018، لتستقر في مزار الشهداء بقرية العور في سمالوط، وتبقى قصتهم حاضرة كرمز للإيمان والصمود والوحدة الوطنية في مواجهة الإرهاب.

          
تم نسخ الرابط