توازن جديد بين المالك والمستأجر

مشروع قانون جديد يلغي بند طرد مستأجري الإيجار القديم ويضع قواعد عادلة لحساب القيمة الإيجارية

عاطف مغاوري
عاطف مغاوري

دخل ملف الإيجارات القديمة مرحلة جديدة بعد إعلان النائب عاطف المغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع بمجلس النواب، تقدمه خلال يونيو الجاري بمشروع قانون يستهدف تعديل أحكام قانون الإيجار القديم عبر حذف المادة المرتبطة بانتهاء عقود السكن بعد 7 سنوات وغير السكن بعد 5 سنوات. المتأثرون مباشرة هم ملاك العقارات القديمة والمستأجرون في الوحدات السكنية والتجارية، بينما يتمثل الأثر العملي على القارئ في أن المقترح، إذا أُقر رسميًا، قد يوقف الإخلاء التلقائي بعد انتهاء المدد، مقابل إعادة ضبط القيمة الإيجارية وفق معايير أكثر تفصيلًا، لكنه لا يعد قانونًا نافذًا حتى وقت كتابة التقرير.

المقترح يعيد فتح ملف الإخلاء

يركز مشروع القانون الجديد على واحدة من أكثر النقاط حساسية في قانون الإيجار القديم، وهي النص المرتبط بانتهاء العلاقة الإيجارية بعد مدد محددة. فالقانون القائم وضع إطارًا زمنيًا لإنهاء عقود الوحدات السكنية بعد 7 سنوات، والوحدات المؤجرة للأشخاص الطبيعية لغير غرض السكن بعد 5 سنوات، ما أثار مخاوف لدى قطاع من المستأجرين، خاصة الأسر المقيمة منذ عقود وأصحاب الأنشطة التجارية المرتبطة بمحال قديمة.

المقترح المقدم لا يطرح العودة الكاملة إلى الوضع القديم كما كان، لكنه يحاول نقل النقاش من فكرة الإخلاء التلقائي إلى فكرة إعادة التسعير والتنظيم. بمعنى أن العلاقة بين المالك والمستأجر قد تستمر، لكن على أساس قيمة إيجارية أكثر قربًا من الواقع، وفق ضوابط يحددها التشريع إذا مر بمراحله الدستورية داخل البرلمان.

هل أصبح التعديل مطبقًا الآن؟

حتى وقت كتابة التقرير، لا يمثل مشروع القانون الجديد قرارًا نهائيًا أو تعديلًا نافذًا. المقترح ما زال في مسار تشريعي، ويحتاج إلى دراسة ومناقشة داخل مجلس النواب، ثم التصويت عليه واستكمال الإجراءات الدستورية اللازمة قبل أن يتحول إلى قانون ملزم.

وبالتالي، فإن المراكز القانونية الحالية للملاك والمستأجرين لا تتغير بمجرد الإعلان عن المشروع. التغيير العملي لا يبدأ إلا بعد صدور نص رسمي واضح، وهو ما يجعل التعامل مع الخبر ضروريًا بحذر، خاصة أن الملف يمس السكن ومصادر الرزق وحقوق الملكية في وقت واحد.

ما الذي يستهدفه حذف بند المدد؟

حذف المادة الخاصة بانتهاء العقود بعد 7 سنوات للسكني و5 سنوات لغير السكني يعني، من حيث الفكرة المطروحة، إسقاط الإخلاء المرتبط بمجرد مرور الفترة الانتقالية. وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء حق المالك أو تجميد الإيجارات، بل يعني البحث عن آلية أخرى تحقق التوازن دون أن تكون نهاية المدة وحدها سببًا مباشرًا لخروج المستأجر.

المقترح ينطلق من أن الأزمة لا يمكن حلها عبر طرف واحد فقط. فالمستأجر يحتاج إلى حماية من فقدان المسكن أو المحل بشكل مفاجئ، بينما يحتاج المالك إلى قيمة عادلة لا تظل بعيدة عن تغيرات السوق ومستويات التضخم وتكاليف صيانة العقارات.

كيف يتم حساب القيمة الإيجارية؟

أبرز ما يطرحه المشروع هو إعادة النظر في طريقة حساب الزيادة، بدل التعامل مع جميع الوحدات بنفس المنطق. ومن بين المعايير المطروحة تاريخ إنشاء العقار، وتاريخ تحرير عقد الإيجار، والقيمة الإيجارية الأصلية المثبتة في العقد، إلى جانب طبيعة المنطقة ومستوى العقار.

هذه المعايير قد تساعد في تقليل الفجوة بين وحدات تختلف في الموقع والحالة والقيمة الفعلية. فالوحدة القديمة في منطقة شعبية ليست مثل وحدة أخرى في موقع مرتفع القيمة، كما أن عقدًا محررًا منذ عشرات السنين بقيمة رمزية يحتاج إلى معالجة مختلفة عن عقد أحدث نسبيًا أو بقيمة أعلى.

حقوق الملاك بين الزيادة والإخلاء

الملاك يمثلون طرفًا أساسيًا في المعادلة، وأي تعديل لا يمنحهم عائدًا أكثر عدالة سيعيد الأزمة إلى نقطة البداية. لذلك يتجه المشروع إلى حماية حق الملكية عبر الزيادة المحسوبة، وليس عبر الإخلاء التلقائي وحده.

وتبقى المسألة الأهم هي كيفية صياغة الزيادة نفسها. فإذا جاءت الزيادة غير كافية، سيشعر المالك بأن التعديل لم يعالج الخلل. وإذا جاءت الزيادة حادة أو غير متدرجة، قد يتحول العبء إلى أزمة اجتماعية للمستأجرين. لهذا يحتاج النص النهائي، إذا دخل مرحلة المناقشة، إلى أرقام واضحة وقواعد تطبيق دقيقة تمنع النزاع وتحد من التفسيرات المتضاربة.

ما موقف المستأجرين من المشروع؟

المستأجرون في الوحدات السكنية القديمة سيكونون الأكثر اهتمامًا بالمقترح، لأنه يمس مصير الإقامة بعد انتهاء المدة الانتقالية. كما يهم أصحاب المحال والأنشطة التجارية، لأن العلاقة الإيجارية لا ترتبط فقط بمكان، بل بمصدر دخل وتاريخ نشاط وعملاء وموقع تجاري يصعب تعويضه سريعًا.

لكن حماية المستأجر لا تعني بقاء القيمة القديمة دون مراجعة. المقترح، في جوهره، يحاول الجمع بين الاستقرار وبين الزيادة العادلة، بحيث لا يصبح السكن مهددًا فجأة، ولا تبقى الملكية الخاصة مقيدة بعائد لا يتناسب مع الواقع الاقتصادي الحالي.

دور المحكمة الدستورية في رسم الحدود

أحكام المحكمة الدستورية العليا شكلت خلفية مهمة في ملف قانون الإيجار القديم، لأنها أكدت عبر مبادئ مستقرة أن الامتداد القانوني للعقود الاستثنائية لا يمكن أن يتحول إلى وضع أبدي مغلق أمام التنظيم. وفي الوقت نفسه، لا تنفصل هذه العلاقة عن البعد الاجتماعي المرتبط بالسكن والاستقرار الأسري.

هذا التوازن هو جوهر الأزمة. فالدولة مطالبة بحماية الملكية الخاصة من الجمود الطويل، لكنها مطالبة أيضًا بتجنب صدمة اجتماعية واسعة إذا تم إنهاء العلاقات الإيجارية دفعة واحدة أو دون بدائل كافية. لذلك يظل أي تعديل جديد مرتبطًا بمدى قدرته على الجمع بين العدالة القانونية والاستقرار المجتمعي.

هل يقلل المشروع أعباء السكن البديل؟

من النتائج المتوقعة لفكرة إلغاء الإخلاء التلقائي أن تقل الضغوط المرتبطة بتوفير وحدات بديلة لعدد كبير من المستأجرين. فإذا استمرت العلاقة الإيجارية مع تعديل القيمة بدل إنهائها، قد تتراجع الحاجة إلى نقل واسع للأسر أو توفير بدائل عاجلة على نطاق كبير.

لكن هذا الاحتمال يظل مرتبطًا بما سيقره البرلمان في النهاية. فالتعديل قد يخفف جانبًا من العبء، لكنه لن يلغي الحاجة إلى سياسات إسكان واضحة للفئات الأكثر احتياجًا، خاصة كبار السن ومحدودي الدخل والأسر التي لا تمتلك بديلًا مناسبًا.

لماذا يظل الملف شديد الحساسية؟

قانون الإيجار القديم لا يتعلق بعقد بين طرفين فقط، بل بملف اجتماعي واسع تراكم لعقود. هناك ملاك يرون أن ممتلكاتهم لا تحقق عائدًا عادلًا، وهناك مستأجرون بنوا حياتهم على استقرار طويل داخل وحداتهم، وهناك أنشطة تجارية قد تتضرر إذا فقدت مقارها فجأة.

ولهذا فإن أي تعديل يحتاج إلى لغة قانونية دقيقة، وجدول زمني واضح، ومعايير معلنة لحساب الزيادة، وآلية اعتراض أو مراجعة تمنع الظلم في التطبيق. فالمشكلة ليست في مبدأ التعديل، بل في طريقة التنفيذ ومدى وضوحها لجميع الأطراف.

ما الخطوة التالية داخل البرلمان؟

المرحلة المقبلة تتوقف على تعامل مجلس النواب مع مشروع القانون، سواء بإحالته إلى اللجان المختصة أو مناقشته ضمن مراجعة أوسع لأثر تطبيق قانون الإيجار القديم. وخلال هذه المرحلة، سيكون من المهم حسم ثلاثة ملفات أساسية: مصير الإخلاء بعد انتهاء المدد، طريقة احتساب الزيادة، وحدود الحماية الاجتماعية للمستأجرين الأكثر احتياجًا.

ولا يترتب على مجرد تقديم المشروع وقف العمل بالقواعد القائمة، ما لم يصدر تعديل رسمي. لذلك يجب على الملاك والمستأجرين متابعة القرارات النهائية فقط، وعدم بناء مواقف قانونية أو مالية على مقترحات لم تكتمل إجراءاتها.

خلاصة الموضوع

مشروع القانون الجديد المقدم من النائب عاطف المغاوري يعيد فتح النقاش حول قانون الإيجار القديم من زاوية مختلفة، إذ يستهدف حذف بند انتهاء العقود بعد 7 سنوات للسكني و5 سنوات لغير السكني، مع الاتجاه إلى تنظيم الزيادة الإيجارية وفق معايير أكثر عدالة. وحتى وقت كتابة التقرير، يبقى المشروع مقترحًا تشريعيًا غير نافذ، ولا يغير موقف الملاك أو المستأجرين إلا إذا أقره البرلمان رسميًا واستكمل مساره الدستوري.

 

          
تم نسخ الرابط