الشاشات والنيكوتين والقلق المتأخر تؤخر انتقال الجسم إلى النوم

عادات قبل النوم.. لماذا يبقى الدماغ يقظًا رغم الاستعداد للراحة؟

صعوبة النوم
صعوبة النوم

لا ترتبط صعوبة النوم دائمًا بموعد الذهاب إلى السرير وحده؛ فعدد من عادات قبل النوم قد يُبقي الدماغ والجهاز العصبي في حالة يقظة في الوقت الذي يحتاج فيه الجسم إلى خفض الاستثارة تدريجيًا. وفي تصريحات حديثة، حددت طبيبة الأعصاب ليديا تشيجيكوفا استخدام الأجهزة الإلكترونية، والمحتوى العاطفي المثير، والخلافات الليلية، والتدخين، والاستمرار في التفكير بالعمل، والإفراط في السوائل، والوجبات الدسمة ضمن السلوكيات التي قد تضعف جودة النوم. وتدعم إرشادات طبية ودراسات تجريبية جانبًا كبيرًا من هذه التحذيرات، مع نقطة مهمة: تأثير الهاتف لا يرجع إلى الضوء الأزرق وحده، بل يتداخل معه توقيت الاستخدام وشدة الضوء وطبيعة المحتوى نفسه.

لماذا لا تنتهي مشكلة الهاتف عند إغلاق الشاشة؟

ترتبط الأجهزة الإلكترونية بالنوم عبر أكثر من مسار. فالضوء الصادر عن الشاشات خلال المساء يمكن أن يؤثر في إشارات الميلاتونين وتوقيت النعاس، بينما قد يؤدي المحتوى الذي يرفع الانتباه أو المشاعر إلى إبقاء الدماغ نشطًا حتى بعد ترك الجهاز.

وأظهرت دراسة منشورة في Communications Biology أن زيادة ما يعرف بالتأثير الميلانوبسي للضوء الصادر من الشاشات ارتبطت بزيادة الوقت اللازم للنوم وتراجع تركيز الميلاتونين وتأخر توقيت إفرازه. وتوضح هذه النتيجة أن اختزال المشكلة في عبارة «الضوء الأزرق» وحدها لا يقدم الصورة كاملة؛ فخصائص الضوء والتعرض له قبل النوم عوامل مؤثرة أيضًا.

وتشير تجارب أخرى إلى أن استخدام أجهزة مضيئة في المساء قد يؤخر موعد النوم ويثبط إفراز الميلاتونين مقارنة بالقراءة من مواد مطبوعة، بما يدعم فكرة تقليل التعرض للشاشات خلال الفترة السابقة للنوم، خصوصًا عند وجود صعوبة متكررة في الاستغراق فيه.

المحتوى المثير والعمل والخلافات تبقي الذهن في وضع النشاط

لا تقتصر المشكلة على الضوء. فمشاهدة محتوى شديد الإثارة أو الانفعال، مثل أفلام الرعب والإثارة، قد ترفع مستوى الاستثارة النفسية في وقت يفترض أن يبدأ فيه الجسم مرحلة التهدئة، بحسب تشيجيكوفا. وينطبق الأمر نفسه على الخلافات الحادة أو المناقشات العاطفية قبل النوم.

وتنسجم هذه النقطة مع إرشادات المعهد القومي للقلب والرئة والدم في الولايات المتحدة، التي تشير إلى أن التوتر والانشغال بمشكلات العمل أو العلاقات من العوامل التي قد تزيد احتمالات الأرق أو تفاقمه. لذلك فإن الاستمرار في حل مشكلات مهنية أو إعداد خطط معقدة أثناء الاستعداد للنوم قد يجعل الانتقال من التركيز إلى الراحة أكثر صعوبة.

وتبرز هنا قيمة عملية مختلفة عن مجرد إغلاق الهاتف؛ إذ قد يستمر العقل في حالة يقظة حتى دون شاشة إذا انتقلت أنشطة العمل أو الجدال أو التفكير المكثف إلى الدقائق الأخيرة قبل النوم.

النيكوتين والعشاء المتأخر والسوائل.. عوامل جسدية أيضًا

النيكوتين من المواد المنبهة، ولهذا قد يتعارض التدخين قرب موعد النوم مع محاولة خفض اليقظة. وتوصي إرشادات المعهد القومي للقلب والرئة والدم بتجنب النيكوتين قرب وقت النوم، باعتباره عاملًا يمكن أن يتداخل مع القدرة على النوم بصورة طبيعية.

كما تتفق الإرشادات الطبية مع التحذير من الوجبات الكبيرة في ساعات الليل المتأخرة. فالمعهد ينصح بتجنب الوجبات الثقيلة خلال الساعات القليلة السابقة للنوم، بينما أوصت تشيجيكوفا بأن تكون الوجبة الرئيسية قبل موعد النوم بنحو ثلاث إلى أربع ساعات وأن يكون العشاء أخف قدر الإمكان.

أما الإفراط في السوائل قرب موعد النوم فقد يؤدي إلى الاستيقاظ المتكرر لاستخدام الحمام، وهو ما يقطع استمرارية النوم حتى إذا لم توجد مشكلة في الاستغراق فيه من البداية. وتوصي إرشادات علاج اضطرابات النوم بتقليل كمية السوائل قرب موعد النوم عند حدوث هذه المشكلة.

كم يحتاج الجسم للهدوء قبل النوم؟

لا توجد قاعدة زمنية واحدة تناسب الجميع، لكن الإرشادات المتاحة تقدم نطاقات عملية يمكن البناء عليها. الأكاديمية الأمريكية لطب النوم توصي بالابتعاد عن الضوء الأزرق الصادر عن الأجهزة المحمولة قبل النوم بنحو 30 إلى 60 دقيقة، بينما تذهب تشيجيكوفا في نصائح سابقة إلى تخصيص فترة أطول للابتعاد عن المحتوى الرقمي عند الحاجة إلى تقليل الحمل المعلوماتي قبل النوم.

وبالنسبة للطعام، تتقاطع التوصيات حول ترك عدة ساعات بين الوجبة الثقيلة والنوم، مع تجنب النيكوتين قرب موعد السرير وتقليل السوائل في الفترة الأخيرة من المساء.

ويظل الحفاظ على موعد نوم واستيقاظ منتظم، واستخدام الفترة السابقة للنوم للأنشطة الهادئة، وتقليل الإضاءة القوية، من التدابير التي تكررها الإرشادات الطبية لتحسين انتظام دورة النوم والاستيقاظ.

ولا تعني هذه العادات أن كل حالة أرق سببها الهاتف أو الطعام أو التدخين؛ فاضطرابات النوم قد ترتبط بأسباب صحية أو نفسية أو دوائية مختلفة. وعندما تصبح صعوبة النوم أو الاستيقاظ المتكرر مشكلة مستمرة تؤثر في النشاط أثناء النهار، يصبح التقييم الطبي أكثر أهمية من الاكتفاء بتعديل الروتين الليلي.

تم نسخ الرابط