ارتفاع الأسعار يوسع نشاط التهريب ويضغط على سلاسل الإمداد العالمية

تحركات دولية لمواجهة تجارة الذهب غير المشروعة التي تتجاوز 120 مليار دولار سنويًا

تحركات دولية لمواجهة
تحركات دولية لمواجهة تجارة الذهب غير المشروعة

تجاوزت القيمة السنوية لتدفقات الذهب غير المشروعة عالميًا 120 مليار دولار، وفق تقديرات أعلنها الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي ديفيد تايت، وسط تحذيرات من استخدام المعدن النفيس في غسل الأموال وتمويل النزاعات والالتفاف على العقوبات الدولية.

ودفعت خطورة الظاهرة الولايات المتحدة والإمارات والمملكة المتحدة والمؤسسات المنظمة لسوق السبائك إلى تكثيف التحركات الرقابية والتشريعية، مع التركيز على توثيق منشأ الذهب وتشديد فحص الواردات ومنع تسرب الإنتاج غير القانوني إلى سلاسل التوريد الرسمية بعد صهره وتكريره.

 

حجم تجارة الذهب غير المشروعة عالميًا

أوضح ديفيد تايت أن قيمة التدفقات غير المشروعة المرتبطة بالذهب تجاوزت 120 مليار دولار سنويًا، وأن جانبًا كبيرًا من المخاطر يرتبط بالمناطق التي يعمل فيها التعدين الحرفي والصغير خارج الأطر القانونية والرقابية.

وتشمل الأنشطة غير المشروعة استخراج الذهب دون تراخيص، وتهريبه عبر الحدود، وتقديم بيانات غير صحيحة بشأن بلد المنشأ، إلى جانب استخدام عائداته في غسل الأموال أو تمويل جماعات مسلحة وشبكات إجرامية.

وتزداد قيمة هذه التدفقات مع ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، إذ يمنح صعود الأسعار شبكات التهريب فرصة لتحقيق أرباح أكبر من الكميات نفسها، ويشجع على توسيع عمليات التعدين غير القانوني في المناطق ضعيفة الرقابة.

لماذا يستخدم الذهب في نقل الأموال غير المشروعة؟

يمتلك الذهب خصائص تجعله جذابًا للشبكات التي تسعى إلى نقل الثروات وإخفاء مصادر الأموال، إذ يتمتع بقيمة مرتفعة مقارنة بحجمه، ويمكن نقله أو تخزينه وإعادة بيعه في أسواق متعددة.

وتبرز المشكلة الأساسية عند صهر الذهب وتكريره، لأن السبائك الناتجة تصبح متشابهة من الناحية المادية، ويصعب تحديد المنجم أو الدولة التي جاءت منها دون وجود وثائق دقيقة تتبع المعدن منذ استخراجه.

ويمكن خلط الذهب المستخرج بصورة غير قانونية بكميات قادمة من مصادر مشروعة، ثم إدخاله إلى الأسواق على أنه إنتاج نظامي، ما يعقد مهمة الجمارك والمصافي والمؤسسات المالية.

 

ارتفاع أسعار الذهب يزيد المخاطر

ساهمت المستويات المرتفعة التي بلغتها أسعار الذهب في زيادة جاذبية المعدن باعتباره وسيلة لحفظ القيمة، لكنها رفعت أيضًا الأرباح المحتملة أمام العاملين في التعدين غير القانوني والتهريب.

ويتحول الذهب في عدد من مناطق الصراع إلى مصدر تمويل للجماعات المسلحة، التي تسيطر على المناجم أو تفرض رسومًا على العاملين فيها أو تدير طرق نقل المعدن إلى الأسواق الخارجية.

كما قد تُستخدم تجارة الذهب للالتفاف على العقوبات المفروضة على دول أو أفراد، من خلال تحويل الأموال إلى معدن يمكن نقله وإعادة صهره وبيعه دون الاحتفاظ بهويته الأصلية.

 

الفرق بين التعدين الحرفي والنشاط غير القانوني

لا يعني ارتباط نسبة كبيرة من المخاطر بالتعدين الحرفي أن جميع العاملين في هذا القطاع يمارسون نشاطًا غير مشروع، إذ يوفر التعدين الحرفي والصغير مصادر دخل لملايين الأشخاص في الدول النامية.

ويقدر اتحاد سوق السبائك في لندن أن هذا القطاع يمثل نحو 20% من الذهب المستخرج عالميًا، بينما تأتي نسبة تقل عن 1% من إنتاج المصافي المدرجة على قائمة التسليم الجيد من مصادر التعدين الحرفي والصغير.

ويكشف هذا التفاوت ضعف اندماج القطاع في سلاسل التوريد الرسمية، لكنه لا يثبت أن بقية الإنتاج غير قانوني، فقد يجري تكريره من خلال منشآت غير مدرجة في قائمة لندن أو تداوله في أسواق محلية مشروعة.

وتدعو المؤسسات الدولية إلى إدخال المناجم الصغيرة الملتزمة بالقواعد في السوق الرسمية، بدلًا من استبعادها بصورة تدفع العاملين بها إلى التعامل مع الوسطاء غير النظاميين.

 

تحرك أمريكي لمكافحة تعدين الذهب غير المشروع

تدرس الولايات المتحدة تعزيز مواجهتها لتعدين الذهب غير القانوني في النصف الغربي من الكرة الأرضية، من خلال مشروع قانون يحظى بدعم أعضاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

ويُلزم مشروع قانون الشراكة الأمريكية للذهب والتعدين القانوني وزارة الخارجية بإعداد استراتيجية شاملة لمواجهة التعدين غير المشروع، وتعزيز التعاون مع الحكومات والمؤسسات الأمنية والجهات العاملة في سلاسل الإمداد.

كما يتضمن المشروع التحقيق في أنشطة تعدين الذهب غير القانوني في فنزويلا، ورفع تقارير إلى الكونجرس حول الإجراءات المتخذة لمواجهة الشبكات المرتبطة به.

واجتاز المشروع لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ في يناير 2026، لكنه يحتاج إلى استكمال المسار التشريعي قبل أن يصبح قانونًا نافذًا.

 

الإمارات تشدد الرقابة على قطاع الذهب

كثفت الإمارات إجراءاتها لمكافحة استخدام تجارة الذهب في غسل الأموال وتمويل الإرهاب، في ظل مكانة الدولة باعتبارها أحد أبرز مراكز تجارة وتكرير المعدن عالميًا.

وأعلنت وزارة الاقتصاد والسياحة سياسة اتحادية لتنظيم قطاع الذهب، إلى جانب معايير للتسليم الجيد وتدابير للعناية الواجبة عند استيراد الذهب من المناطق المتأثرة بالنزاعات أو عالية المخاطر.

وتفرض القواعد على الشركات تقييم المخاطر المرتبطة بالموردين، والاحتفاظ بسجلات واضحة، وتدريب العاملين، وإنشاء أنظمة للشفافية ومشاركة المعلومات والرقابة على سلسلة التوريد.

كما تشمل التحركات عمليات تفتيش على تجار الذهب، ومراجعة التزامهم بقواعد مكافحة غسل الأموال والتحقق من مصادر المعدن قبل تداوله أو تكريره.

 

ما دور اتحاد سوق السبائك في لندن؟

دعت روث كرويل، الرئيسة التنفيذية لاتحاد سوق السبائك في لندن، الحكومات ومراكز تجارة الذهب والمصافي إلى تشكيل تحالف قادر على مواجهة التدفقات غير المشروعة بصورة مشتركة.

وأكدت خلال قمة الاستدامة والتوريد المسؤول في يونيو 2026 أن الذهب غير المشروع أصبح تحديًا حرجًا يتطلب التعاون وتبادل البيانات بدلًا من اعتماد كل دولة أو مؤسسة على إجراءات منفصلة.

ويعمل الاتحاد على تطوير مسارات تسمح بدخول الذهب المنتج بصورة مسؤولة من المناجم الحرفية إلى المصافي والأسواق المعترف بها، مع الحفاظ على متطلبات العناية الواجبة ومنع تسرب إنتاج مناطق النزاع.

 

تتبع الذهب من المنجم إلى السوق

تعتمد مواجهة التهريب على إنشاء سجل موثوق لحركة الذهب يبدأ من موقع الاستخراج، ويمر بالتجار ووسائل النقل والمصافي، وينتهي بوصوله إلى الأسواق والمصنعين.

وتشمل الأدوات المقترحة توثيق بلد المنشأ، وإجراء مراجعات مستقلة للمصافي، واستخدام تقنيات رقمية لتسجيل عمليات النقل والتكرير، وتبادل المعلومات بين الجمارك والجهات المالية.

لكن نجاح هذه الإجراءات يواجه تحديات في الدول التي تعاني ضعف المؤسسات أو انتشار الفساد أو سيطرة جماعات مسلحة على مناطق التعدين.

كما أن إعادة صهر الذهب مرات متعددة تجعل الاعتماد على الفحص المادي وحده غير كافٍ، وتزيد أهمية المستندات والبيانات المصاحبة لكل شحنة.

 

هل تؤثر التجارة غير المشروعة على سوق الذهب؟

قد تؤثر تجارة الذهب غير المشروعة في نزاهة السوق وثقة المستثمرين، خاصة إذا دخلت كميات مجهولة المصدر إلى المصافي أو سلاسل تصنيع المجوهرات والسبائك.

وتتحمل الشركات والبنوك مخاطر قانونية وسمعة سلبية عند التعامل مع ذهب مرتبط بالنزاعات أو غسل الأموال، ما يدفع المؤسسات الكبرى إلى تشديد شروط قبول الشحنات ومراجعة الموردين.

ولا يعني حجم التدفقات غير المشروعة وحده حدوث تغير مباشر وفوري في السعر العالمي للذهب، لأن الأسعار تتحرك وفق عوامل أوسع تشمل الفائدة والتضخم والتوترات الجيوسياسية وطلب البنوك المركزية والمستثمرين.

 

تعاون دولي ضروري لمواجهة الظاهرة

يرى مسؤولو القطاع أن الإجراءات المحلية لا تكفي لمواجهة شبكات تعمل عبر عدة دول، إذ قد يُستخرج الذهب في دولة ويُنقل إلى أخرى قبل تكريره وتصديره من مركز تجاري ثالث.

ويتطلب إغلاق هذه المسارات توحيد معايير التحقق من المنشأ، وتشديد العقوبات على تقديم بيانات مزورة، وربط قواعد بيانات الجمارك والمصافي والمؤسسات المالية.

كما تحتاج المواجهة إلى توفير قنوات قانونية لصغار المنتجين، حتى لا يصبح السوق غير الرسمي هو الخيار الوحيد أمام العاملين في المناجم الحرفية.

ومن المنتظر أن تواصل الولايات المتحدة والإمارات والمملكة المتحدة والمؤسسات الدولية تطوير قواعد الاستيراد والتوريد المسؤول، في وقت تبقى فيه القدرة على تتبع الذهب قبل صهره العامل الأهم في الحد من تجارته غير المشروعة.

          
تم نسخ الرابط