القدرة على الزواج بين الحكم والإثم
مبروك عطية يوضح حكم زواج غير القادر ماديًا ومعنويًا ويؤكد صحة العقد
فرّق الدكتور مبروك عطية، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، بين صحة عقد الزواج من الناحية الشرعية وبين إثم الشخص الذي يُقدم عليه وهو غير قادر على مسؤولياته، موضحًا أن الزواج قد يكون واجبًا أو مباحًا أو مكروهًا أو محرمًا بحسب حال الإنسان. وجاءت تصريحاته خلال حواره مع الإعلامي مجدي الجلاد في بودكاست أسئلة حرجة، حيث شدد على أن الحديث عن حرمة بعض الزيجات لا يعني بطلان العقد أو اعتبار العلاقة زنا، بل يتعلق بإقدام غير القادر ماديًا أو معنويًا على الزواج مع علمه بعجزه عن فتح بيت وتحمل تبعاته.
حقيقة تصريح مبروك عطية عن الزواج
أثارت تصريحات الدكتور مبروك عطية حالة واسعة من الجدل، بعدما تحدث عن الحالات التي قد يكون فيها الزواج محرمًا على الشخص غير القادر على تحمل مسؤولياته.
وأوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن العبارة المتداولة بشأن أن معظم زيجات المصريين حرام لا تعني أن عقود الزواج باطلة، ولا تعني أن العلاقة الزوجية محرمة إذا استوفى العقد أركانه وشروطه، لكنها تشير إلى الحكم الشرعي المتعلق بالشخص الذي يدخل الزواج وهو يعلم أنه غير مؤهل للنفقة أو المسؤولية.
وبذلك وضع عطية فارقًا واضحًا بين صحة العقد من جهة، وبين الإثم الواقع على الزوج غير القادر من جهة أخرى.
متى يكون الزواج واجبًا؟
بحسب ما طرحه مبروك عطية، فإن الزواج لا يأخذ حكمًا واحدًا في الشريعة، بل يختلف الحكم باختلاف حال الإنسان وقدرته وحاجته.
فالزواج يكون واجبًا إذا كان الرجل لا يستطيع الصبر عن النساء، وكان في الوقت نفسه قادرًا ماديًا على الزواج والإنفاق، لأن توافر الرغبة مع القدرة يجعل الزواج طريقًا مشروعًا لحفظ النفس وتحمل المسؤولية في إطارها الصحيح.
وأشار إلى أن الشخص القادر ماليًا ومعنويًا، والذي لا يستطيع الابتعاد عن النساء، لا ينبغي له أن يعذب نفسه بالامتناع عن الزواج، لأن الحكم هنا يتجه إلى الوجوب وفق حالته.
متى يصبح الزواج محرمًا؟
أوضح مبروك عطية أن الزواج قد يكون محرمًا إذا أقدم عليه الشخص وهو عاجز ماديًا عن النفقة، أو غير قادر معنويًا على تحمل مسؤوليات البيت، أو لا يملك رغبة حقيقية في النساء، أو اجتمعت هذه الحالات معًا.
والمقصود بالتحريم هنا ليس هدم عقد الزواج إذا تم صحيحًا، وإنما تحميل الشخص إثم قراره إذا كان يعلم أنه غير قادر على الوفاء بحقوق الزوجة والأسرة.
وتبرز أهمية هذا التفصيل لأن الزواج ليس مجرد عقد اجتماعي أو مظهر عائلي، بل مسؤولية مستمرة تشمل النفقة والرعاية والمعاملة والقدرة على بناء بيت مستقر.
صحة العقد لا تمنع وقوع الإثم
شدّد عطية على أن عقد الزواج إذا استوفى شروطه وأركانه فهو صحيح، وأن العشرة الزوجية في هذه الحالة لا تكون زنا، حتى لو كان الزوج آثمًا بسبب إقدامه على الزواج وهو غير قادر.
وأوضح أن الإثم يتعلق بالقرار نفسه، لأن الزوج غير الكفء لتحمل المسؤولية قد يضع زوجته في معاناة مستمرة، ثم تمتد آثار العجز إلى الأبناء إذا جاءوا في بيئة لا تتوافر فيها مقومات الاستقرار.
وتعد هذه النقطة جوهر التصريحات، لأنها تمنع الخلط بين الحكم على العقد والحكم على تصرف الشخص الذي دخل الزواج دون قدرة حقيقية على متطلباته.
انتقاد مقولات تشجع الزواج بلا قدرة
انتقد مبروك عطية بعض العبارات الشعبية التي تتردد لتشجيع الشباب على الزواج دون حساب القدرة المالية، مثل القول إن كل شخص يأتي برزقه، أو أن الزوجة قد تكون سببًا في السعد والرزق.
ورأى أن هذه العبارات قد تدفع بعض الشباب إلى قرارات غير محسوبة، خصوصًا إذا كان الشخص بلا عمل أو بلا دخل ثابت، ثم يعتمد على أهله أو على الديون لتأسيس بيت لا يستطيع إدارته.
وأكد أن قوانين الحياة لا تتغير بالشعارات، وأن الزواج يحتاج إلى قدرة واقعية، وليس مجرد أمنيات أو ضغط اجتماعي أو مجاملات عائلية.
رأي مبروك عطية في الزواج بالتقسيط
تطرق أستاذ الشريعة الإسلامية إلى مسألة شراء مستلزمات الزواج بالأقساط، موضحًا أن التقسيط ليس محرمًا في ذاته إذا كان الشخص قادرًا على السداد، ولا تسبب الأقساط إرهاقًا ماليًا يعطل حياته أو يظلم أسرته.
أما إذا كان الشخص عاطلًا عن العمل أو لا يمتلك مصدر دخل ثابت، ويعتمد على والده في تزويجه والإنفاق عليه بعد الزواج، فاعتبر أن هذا الوضع لا يصلح للزواج، لأنه لا يعبر عن قدرة حقيقية على فتح بيت مستقل وتحمل مسؤولياته.
وبذلك فرّق بين الالتزام المالي المنظم الذي يستطيع صاحبه الوفاء به، وبين الدخول في زواج قائم على العجز والاتكال.
هل موافقة الزوجة ترفع الإثم؟
من النقاط التي أثارت الانتباه في حديث مبروك عطية قوله إن موافقة الزوجة على الزواج من شخص غير قادر لا ترفع الإثم عن الزوج.
وأوضح أن المسؤولية تظل قائمة على من أقدم على الزواج وهو يعلم أنه لا يستطيع الباءة، لأن الحق لا يتوقف فقط على قبول الطرف الآخر، بل يرتبط أيضًا بواجبات شرعية ومعيشية تجاه الزوجة والبيت والأبناء مستقبلًا.
ويعني ذلك أن التراضي وحده لا يكفي إذا كان الزواج سيبدأ بعجز واضح عن النفقة أو إدارة الحياة الزوجية، خاصة إذا تحولت الموافقة إلى معاناة يومية بعد الزواج.
القدرة المطلوبة ليست مالية فقط
أكد مبروك عطية أن القدرة على الزواج لا تقتصر على المال وحده، لكنها تشمل أيضًا الاستعداد المعنوي والنفسي لتحمل مسؤوليات البيت.
فالزواج يحتاج إلى شخص قادر على الإنفاق، وقادر على التعامل مع الزوجة، وقادر على إدارة الخلافات، وتحمل الضغوط، وتأسيس حياة مستقرة لا تقوم على الارتجال أو الهروب من المسؤولية.
وتعطي هذه الرؤية مساحة أوسع لفهم معنى القدرة في الزواج، بحيث لا تختزل في تجهيزات أو حفلات أو مصاريف البداية، وإنما تمتد إلى الاستمرار في تحمل الالتزامات بعد انتهاء مراسم الزواج.
لماذا أثارت التصريحات الجدل؟
يرتبط الجدل حول تصريحات مبروك عطية بحساسية ملف الزواج في المجتمع، خاصة مع ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الضغوط المالية على الشباب والأسر.
فالبعض رأى أن التصريحات تحمل تنبيهًا مهمًا قبل اتخاذ قرار مصيري، بينما اعتبر آخرون أن وصف بعض الزيجات بالحرمة قد يبدو صادمًا إذا لم يُفهم في سياقه الفقهي الكامل.
لكن التوضيح الأساسي في حديثه أن العقد الصحيح يظل صحيحًا، وأن الإشكال ليس في شكل الزواج أو أركانه، بل في إقدام غير القادر على مسؤولية قد تضر بزوجته وأولاده.
رسالة للقبلين على الزواج
تضع تصريحات مبروك عطية المقبلين على الزواج أمام سؤال أساسي: هل تتوافر القدرة الحقيقية على فتح بيت وتحمل التزاماته، أم أن القرار مبني على ضغط اجتماعي أو وعود غير مضمونة؟
والإجابة لا تتعلق فقط بتكلفة الفرح أو الشقة أو الأجهزة، بل تشمل الدخل المستقر، والقدرة على النفقة، والاستعداد المعنوي، وفهم حقوق الزوجة، والوعي بمسؤولية الأبناء مستقبلًا.
لذلك يصبح التخطيط قبل الزواج جزءًا من المسؤولية، وليس علامة على التردد، لأن الزواج الصحيح في صورته الكاملة يحتاج إلى وعي وقدرة واستعداد لا مجرد عقد مكتمل الأركان.
خلاصة تصريحات مبروك عطية
خلاصة ما قاله مبروك عطية أن الزواج قد يكون واجبًا للقادر المحتاج إليه، وقد يكون محرمًا على من يدخل فيه وهو عاجز ماديًا أو معنويًا عن تحمل مسؤولياته.
وفي الوقت نفسه، أوضح أن العقد إذا استوفى شروطه فهو صحيح، وأن العلاقة الزوجية ليست زنا، لكن الإثم يقع على من أقدم على الزواج وهو يعلم أنه غير قادر على النفقة أو فتح بيت أو القيام بحقوق الأسرة.
وبذلك لا تتحدث الفتوى عن إبطال الزيجات، وإنما عن ضرورة فهم الزواج باعتباره مسؤولية شرعية ومعيشية كاملة، لا قرارًا عاطفيًا أو اجتماعيًا منفصلًا عن القدرة.









