المباني الحديثة أكثر حماية والمخاطر تتركز في العقارات القديمة والمعدلة
زلزال أغسطس يعيد اختبار أمان المباني.. كود إلزامي وملايين المخالفات و97 ألف عقار آيل للسقوط
لا يمكن الحكم على مقاومة المباني للزلازل في مصر من قوة الهزة وحدها، لكن زلزال 3 أغسطس 2026 أعاد إلى الواجهة الفارق الكبير بين مبنى صُمم ونُفذ تحت إشراف هندسي وفق الأكواد، وعقار قديم أو مخالف تعرض لتعديلات وأدوار إضافية. وسجلت الجهات الرسمية الهزة بقوة 5.6 درجة، بينما انتهت المتابعة الميدانية إلى أضرار محدودة طالت عددًا من المباني القديمة دون خسائر بشرية في الحصيلة اللاحقة. وفي المقابل، يكشف تعداد 2017 عن 97 ألفًا و535 مبنى صُنفت باعتبارها غير قابلة للترميم ومطلوب هدمها، ما يجعل سلامة المباني القائمة محورًا لا يقل أهمية عن اشتراطات البناء الجديد.
ماذا كشف زلزال أغسطس عن المباني في مصر؟
وقعت الهزة الأرضية فجر الاثنين 3 أغسطس 2026، وسجلتها الشبكة القومية لرصد الزلازل بقوة 5.6 درجة، وكان مركزها في نطاق منطقة السويس شرق القاهرة، وشعر بها سكان عدد كبير من المحافظات.
ورغم اتساع نطاق الشعور بالزلزال، فإن الأضرار التي رصدتها المتابعة الحكومية ظلت محدودة، وتركزت بصورة أساسية في مبانٍ قديمة.
ووفق الحصيلة التي أعلنتها وزارة التنمية المحلية والبيئة في وقت لاحق من اليوم نفسه، تم التعامل مع 7 بلاغات مرتبطة بأضرار في مبانٍ قديمة داخل 4 محافظات، شملت سقوط أجزاء من حوائط وأسقف وشرفات وظهور تصدعات، دون تسجيل خسائر بشرية في هذه الحصيلة.
ولا تعني محدودية الأضرار أن أي زلزال أقوى سيؤدي إلى النتيجة نفسها، لأن تأثير الهزة على المبنى تحدده مجموعة عوامل تشمل المسافة من مركز الزلزال وعمقه وطبيعة التربة ونظام المنشأ وجودة التنفيذ وحالة العقار والتعديلات التي طرأت عليه.
هل تتحمل المباني المصرية زلزالًا أقوى؟
لا توجد إجابة واحدة تنطبق على جميع المباني في مصر.
المهندس طارق النبراوي، نقيب المهندسين السابق، أكد أن المنشآت الجديدة المرخصة يجب أن تلتزم بالأكواد الهندسية المطبقة، وأن المشكلة الأكبر لا ترتبط بوجود الكود من عدمه، وإنما بمدى الالتزام الحقيقي به أثناء التنفيذ والإشراف.
وأوضح أن المدن الجديدة تشهد مستوى أكبر من السيطرة على عملية الإنشاء نتيجة وجود التراخيص والإشراف الهندسي، بينما تظهر التحديات بصورة أوضح في البناء الذي يتم خارج منظومة الترخيص أو الإشراف.
ويعني ذلك أن عمر المبنى وحده لا يكفي لإصدار حكم على سلامته، كما أن حداثة المبنى ليست ضمانًا منفردًا إذا كان التنفيذ غير مطابق للتصميمات أو حدثت به تعديلات إنشائية غير مدروسة.

زلزال 1992 يكشف خطورة جودة البناء
تبرز أهمية جودة المنشآت عند مقارنة هزة أغسطس بزلزال دهشور الذي ضرب مصر في 12 أكتوبر 1992.
وتشير بيانات المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية إلى أن زلزال 1992 بلغت قوته نحو 5.8 درجة، بينما تسجله هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية بنحو 5.9 درجة، أي أن قوته العددية لم تكن بعيدة بصورة ضخمة عن هزة أغسطس الأخيرة.
لكن زلزال 1992 تسبب في أضرار شديدة وخسائر بشرية كبيرة، وسجلت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية أكثر من 500 وفاة وأكثر من 6500 إصابة ونحو 8300 مبنى متضرر أو مدمر.
وتوضح دراسات هندسية لاحقة أن جانبًا مهمًا من الضرر تركز في المباني غير المسلحة أو ضعيفة التنفيذ والمنشآت التي لم تُبن وفق تصميم هندسي مناسب لمقاومة الأحمال الزلزالية.
الكود المصري ومقاومة المباني للزلازل
تطورت منظومة الأكواد المصرية بصورة كبيرة عقب زلزال 1992، وأصبح تصميم المنشآت يأخذ في الاعتبار الأحمال والقوى الزلزالية إلى جانب بقية الأحمال التي قد يتعرض لها المبنى.
ويعرض المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء ضمن منظومة الأكواد المصرية كود حساب الأحمال والقوى في الأعمال الإنشائية وأعمال المباني، إلى جانب كودات واشتراطات مرتبطة بمقاومة المباني والأحمال الديناميكية وتصميم المنشآت الخرسانية.
ولا تقوم فكرة التصميم الزلزالي على جعل المبنى غير قابل للتأثر بأي زلزال مهما بلغت قوته، وإنما على وضع متطلبات هندسية تقلل احتمالات الانهيار وتحمي الأرواح وفق مستوى الخطر الزلزالي المحدد للمنطقة وطبيعة المنشأ.
التربة ومكان العقار يغيران طريقة التصميم
لا تُصمم جميع المباني المصرية على قيمة زلزالية موحدة.
وأوضح الدكتور حسن غطاس، أستاذ الهندسة الإنشائية بجامعة بورسعيد، أن التصميم يراعي المنطقة الزلزالية التي يقع فيها المبنى إلى جانب طبيعة التربة، سواء كانت رملية أو طينية أو صخرية.
وبالتالي قد تختلف المتطلبات الإنشائية بين عقارين حتى إذا كانا متقاربين جغرافيًا، وفق نتائج دراسة التربة والخصائص الهندسية للموقع.
وهذا يفسر لماذا لا تكفي مقارنة رقم قوة الزلزال وحده للحكم على مدى الخطر المتوقع على المباني.
97 ألف مبنى مطلوب هدمها وفق آخر تعداد منشور
من أكثر المؤشرات أهمية في ملف سلامة العقارات البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ضمن نتائج تعداد السكان والإسكان والمنشآت لعام 2017.
وأظهرت البيانات وجود 97 ألفًا و535 مبنى على مستوى الجمهورية ضمن فئة «غير قابل للترميم ومطلوب الهدم»، منها 21 ألفًا و393 مبنى في الحضر و76 ألفًا و142 مبنى في الريف.
ويجب الانتباه إلى أن هذه الأرقام تعود إلى تعداد 2017، ولا يصح تقديمها باعتبارها حصرًا لحالة المباني القائمة في سبتمبر 2026، لكنها تظل آخر رقم قومي منشور في هذا التصنيف يمكن الاستناد إليه لإظهار حجم التحدي.
ملايين مخالفات البناء.. لكن الرقم تاريخي
يكشف ملف مخالفات البناء بدوره عن تحدٍ إضافي، لكن الأرقام المتداولة تحتاج إلى وضعها في إطارها الزمني الصحيح.
فوفق تقرير لوزارة التنمية المحلية عن الفترة من يناير 2000 حتى سبتمبر 2017، بلغ عدد المباني المخالفة نحو مليونين و878 ألفًا و808 مبانٍ، وصدرت أكثر من 2.6 مليون حالة أو قرار إزالة مرتبطة بالمخالفات خلال الفترة محل الحصر.
وتنوعت المخالفات بين البناء بدون ترخيص وإضافة أدوار بالمخالفة وعدم الالتزام بشروط الترخيص والتعدي على خطوط التنظيم.
ولا يمثل هذا الرقم عدد المخالفات القائمة حاليًا في 2026، لأنه حصر تاريخي ينتهي في 2017، لكنه يوضح حجم الإرث العمراني الذي تتعامل معه الدولة في ملف البناء غير المنضبط.

هل كل مبنى مخالف معرض للانهيار في الزلزال؟
لا.
وجود مخالفة قانونية لا يعني تلقائيًا أن المبنى غير آمن إنشائيًا، لأن المخالفات تتنوع في طبيعتها، كما أن تحديد الحالة الإنشائية يحتاج إلى فحص هندسي متخصص.
وفي المقابل، قد تتحول بعض المخالفات إلى خطر فعلي إذا شملت إضافة أدوار أو تغيير عناصر إنشائية أو زيادة الأحمال دون دراسة قدرة الأساسات والأعمدة وبقية عناصر المبنى على تحملها.
ولهذا يفرق القانون بين تقنين المخالفة من الناحية الإجرائية وبين إثبات السلامة الإنشائية.
التصالح لا يسمح بتقنين مبنى يخل بالسلامة الإنشائية
ينص قانون التصالح في بعض مخالفات البناء رقم 187 لسنة 2023 على أن التصالح يجوز في المخالفات التي لا تخل بالسلامة الإنشائية، ويحظر صراحة التصالح في الأعمال المخلة بالسلامة الإنشائية للبناء.
كما يشترط ضمن إجراءات الفحص تقديم تقرير هندسي عن السلامة الإنشائية للمبنى المخالف وفق الحالات والضوابط المحددة بالقانون.
وبذلك فإن الحصول على وضع قانوني لمخالفة لا يفترض أن يكون بديلًا عن التحقق الهندسي من قدرة المبنى على تحمل الأحمال.
ما وضع العقارات التي أضيفت إليها أدوار؟
إضافة طابق إلى عقار قائم لا تعني بالضرورة أن المبنى أصبح معرضًا للانهيار، لكنها ترفع الحاجة إلى مراجعة قدرته الإنشائية.
وأوضح الدكتور حسن غطاس أن الحكم يحتاج إلى دراسة أمان إنشائي تعيد تقييم المبنى والأحمال الواقعة عليه وفق الكود.
فإذا أثبت الفحص أن الأساسات والأعمدة والمنظومة الإنشائية قادرة على استيعاب الحمل الإضافي، يمكن التعامل مع الحالة وفق الإجراءات القانونية والهندسية، أما إذا أظهر الفحص عدم قدرة المبنى على التحمل فإن استمرار الأحمال الإضافية يمثل خطرًا يجب التعامل معه.
من المسؤول عن فحص المباني القديمة؟
يحدد قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 إطار التعامل مع المباني والمنشآت القائمة التي تثار مخاوف بشأن سلامتها.
وتنص المادة 90 على أن الجهة الإدارية المختصة بشؤون التخطيط والتنظيم تتولى من خلال لجان هندسية معاينة وفحص المباني، وتحديد الإجراء المطلوب للمحافظة على الأرواح والأموال.
وقد يتراوح القرار بين الصيانة أو الترميم أو التدعيم، وصولًا إلى الهدم الجزئي أو الكلي عندما تستدعي الحالة ذلك.
وهو ما يجعل متابعة العقارات القديمة وتنفيذ قرارات اللجان جزءًا أساسيًا من منظومة مواجهة أخطار الزلازل، وليس تصميم المباني الجديدة وحده.
هل العودة لقانون البناء 119 ألغت اشتراطات السلامة؟
لا تعني التيسيرات التي شهدها ملف تراخيص البناء إلغاء الالتزام بالأكواد الهندسية.
ففي سبتمبر 2024 أُلغيت الاشتراطات التخطيطية والبنائية التي كانت مطبقة منذ 2021، وعادت الإجراءات إلى العمل وفق قانون البناء رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية.
وأظهرت بيانات رسمية لاحقة استمرار العمل بهذا النظام في إصدار تراخيص البناء بالمدن والقرى، مع الاتجاه إلى حوكمة ومتابعة التراخيص إلكترونيًا.
وبالتالي فإن تبسيط إجراءات الترخيص لا يلغي متطلبات التصميم والسلامة الإنشائية أو مسؤولية المهندس عن التصميم والتنفيذ وفق الأكواد السارية.
الكود نفسه يخضع للتطوير
لا تتوقف الأكواد الهندسية عند نسخة واحدة ثابتة، إذ يعمل المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء على تحديثها لمواكبة التطورات الفنية والهندسية.
وفي مارس 2026 أكد رئيس المركز الدكتور محمد مسعود أن العمل جارٍ على تحديث جديد للكود المصري لتصميم وتنفيذ المنشآت الخرسانية، بعد صدور تحديث سابق، بما يعكس استمرار مراجعة المعايير المستخدمة في قطاع البناء.
وتشمل منظومة السلامة أكثر من كود واحد، إذ يتكامل تصميم المنشأ الخرساني مع كود الأحمال ودراسات التربة والأساسات وبقية الاشتراطات المؤثرة في أداء المبنى.
أين تتركز الحلقة الأضعف؟
البيانات والتقييمات الهندسية لا تشير إلى أن كل المباني المصرية تواجه مستوى الخطر نفسه.
المباني الحديثة التي جرى تصميمها وترخيصها وتنفيذها بصورة صحيحة وفق الأكواد تخضع لمتطلبات إنشائية أكثر تطورًا من كثير من المباني القديمة التي سبقت منظومة الأكواد الحالية.
أما المخاطر الأكبر فتتركز في العقارات شديدة القدم، والمنشآت التي تعاني تدهورًا إنشائيًا، والمباني غير الخاضعة لإشراف هندسي، والعقارات التي تمت إضافة طوابق أو أحمال إليها دون دراسة.
ومن هنا فإن السؤال بعد هزة أغسطس ليس فقط: هل الكود المصري قادر على تصميم مبنى مقاوم للزلازل؟ وإنما أيضًا: ما حالة ملايين المباني القائمة بالفعل، وهل تُفحص العقارات الخطرة وتنفذ قرارات التدعيم أو الإزالة في الوقت المناسب؟
ماذا تعني هزة أغسطس للمواطنين؟
الهزة التي بلغت قوتها 5.6 درجة لم تقدم اختبارًا نهائيًا لقدرة كل المباني المصرية على تحمل زلزال أقوى، ولا يمكن استخدامها لإصدار ضمان عام بأن العقارات الموجودة آمنة أمام أي هزة مستقبلية.
لكنها أظهرت في الوقت نفسه أن الأضرار التي رصدتها المتابعة الرسمية كانت محدودة ومتركزة بصورة أساسية في بعض المباني القديمة، في مقابل عدم تسجيل انهيارات واسعة في المنشآت الحديثة والبنية التحتية.
ويبقى العامل الحاسم في مقاومة المباني للزلازل هو الجمع بين التصميم السليم والتنفيذ المطابق للكود، والإشراف الهندسي، ومراجعة العقارات القديمة، وعدم إضافة أحمال أو تعديلات إنشائية دون دراسة متخصصة.









