مصر تطرح رؤيتها للتعاون الاقتصادي وتدعم التكامل الأفريقي
الرئيس السيسي يحدد أولويات مصر في بريكس: شراكات وتنمية وربط قاري والسودان خط أحمر
حدد الرئيس عبد الفتاح السيسي ملامح تحرك مصر داخل تجمع بريكس، خلال مشاركته اليوم السبت في القمة الثامنة عشرة بالعاصمة الهندية نيودلهي، واضعًا الشراكات العملية والتنمية والتجارة والاستثمار في مقدمة الأولويات، مع إعلان تطلع القاهرة إلى تولي رئاسة التجمع في المستقبل القريب. وبالتوازي مع أعمال القمة، حمل لقاء الرئيس السيسي بنظيره الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا رسائل تتعلق بتوسيع العلاقات الاقتصادية وربط شمال القارة بجنوبها، إلى جانب موقف مصري واضح تجاه أزمات أفريقيا، وفي مقدمتها السودان، مع التشديد على دعم أمنه وسيادته واستقراره ووحدته.
ماذا تريد مصر من تجمع بريكس؟
ينظر الرئيس السيسي إلى بريكس باعتباره مساحة يمكن من خلالها الانتقال بالتعاون بين الدول الأعضاء من تبادل الرؤى إلى مشروعات وأدوات تنفيذية تواجه الضغوط الاقتصادية والتنموية التي تتزامن مع أزمات عالمية تؤثر في الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
وخلال كلمته في القمة، اعتبر الرئيس أن تجمع بريكس يمتلك أهمية خاصة لكونه يضم دولًا رئيسية في الجنوب العالمي، بما يمنحه فرصة للقيام بدور أكبر في دعم التعاون بين دول الجنوب ومواجهة التحديات المشتركة.
وأعرب عن تقدير مصر لجهود الرئاسة الهندية للتجمع وما قامت به لتحويل أولوياتها إلى أنشطة ومشروعات عملية، مؤكدًا أن القاهرة ترى في بريكس فرصة واعدة لبناء شراكات قابلة للتنفيذ والمساهمة في تطوير منظومة اقتصادية دولية أكثر توازنًا وقدرة على الاستجابة لتطلعات الدول والشعوب.
وتركز الرؤية المصرية كذلك على الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر في دعم حركة التجارة والاستثمار والربط بين أفريقيا وأوروبا وآسيا، مع مواصلة دعم المشروعات المشتركة بين أعضاء التجمع وتوسيع مجالات الشراكة.
رئاسة مصر لبريكس ضمن التحركات المقبلة
أحد أبرز ما طرحه الرئيس السيسي خلال قمة نيودلهي كان تطلع مصر إلى تولي رئاسة تجمع بريكس في المستقبل القريب، مع تأكيد استمرار القاهرة في العمل مع الدول الأعضاء لتطوير التعاون وتحويل الإمكانات المتاحة إلى شراكات ومشروعات تنموية ملموسة.
كما أبدى الرئيس تطلعه إلى الرئاسة الصينية المقبلة للتجمع، للبناء على ما تحقق خلال الرئاسة الهندية والاستمرار في تطوير أجندة بريكس وتعزيز الشراكات بين أعضائه.
وتشارك مصر في قمة بريكس للعام الثالث على التوالي منذ انضمامها رسميًا إلى عضوية التجمع في يناير 2024، فيما تستضيف نيودلهي القمة الحالية يومي 12 و13 سبتمبر 2026 تحت شعار «بناء الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة».
الربط بين شمال أفريقيا وجنوبها على طاولة السيسي ورامافوزا
وامتدت تحركات الرئيس السيسي على هامش القمة إلى الملف الأفريقي، حيث بحث مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا تطوير العلاقات بين البلدين، مع التطلع إلى الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.
وتشمل التحركات المطروحة ترفيع اللجنة المشتركة بين مصر وجنوب أفريقيا إلى مستوى اللجنة العليا، لتعمل كإطار أوسع لتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارة والاستثمارات المشتركة بما يتناسب مع إمكانات البلدين ودورهما داخل القارة.
كما ركز اللقاء على مشروعات الربط القاري وإنشاء ممرات تجارية أكثر كفاءة تربط شمال أفريقيا بجنوبها، بهدف تسهيل حركة التجارة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين الدول الأفريقية.
وتتقاطع هذه الرؤية مع التعاون القائم بين القاهرة وبريتوريا داخل عدد من الأطر القارية والدولية، من بينها الاتحاد الأفريقي ووكالة النيباد واتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية وتجمع بريكس.
واتفق الجانبان كذلك على أهمية تكثيف الجهود لدعم الأمن والاستقرار وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، مع تعزيز تنسيق المواقف الأفريقية والعمل المشترك في المحافل الدولية.

السودان في صدارة رسائل مصر الأفريقية
حظي الوضع في السودان بموقع بارز ضمن المباحثات الأفريقية، إذ جدد الرئيس السيسي موقف مصر الداعم لاستقرار وسيادة الدول الأفريقية، مؤكدًا بصورة خاصة أن أمن السودان وسيادته واستقراره ووحدته تمثل خطًا أحمر بالنسبة لمصر.
ويأتي هذا الموقف في إطار التأكيد المصري المستمر على الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها ومنع المساس بسيادتها، وهو موقف سبق أن أكدته القاهرة رسميًا في التعامل مع تطورات الأزمة السودانية.
وتناول لقاء الرئيسين كذلك مسؤولية مصر وجنوب أفريقيا في دفع العمل الأفريقي المشترك، في وقت تواجه فيه القارة مجموعة من النزاعات والأزمات التي تتطلب حلولًا سياسية وتنسيقًا أكبر بين الدول الأفريقية.
مقترحات اقتصادية وتمويلية داخل بريكس
من جانبه، رأى المستشار حسين أبو العطا، رئيس حزب المصريين وعضو مجلس الشيوخ، أن الرسائل التي قدمتها مصر خلال قمة بريكس تعكس توجهًا نحو تعزيز دور القاهرة في مناقشة إصلاح النظام الاقتصادي والمالي العالمي ومواجهة المشكلات التي تتحمل الدول النامية جزءًا كبيرًا من تداعياتها.
وأشار أبو العطا، في قراءته لكلمة الرئيس، إلى ملفات من بينها أزمة الديون واضطرابات سلاسل الإمداد وضيق الحيز المالي المتاح للدول النامية، معتبرًا أن الربط بين الأمن والاستقرار والتنمية يمثل أحد المحاور الرئيسية في الرؤية المصرية.
كما لفت إلى أهمية دعم دور بنك التنمية الجديد وتطوير أدوات تمويل ميسرة ومبتكرة للدول النامية، إلى جانب التعامل بصورة مترابطة مع قضايا أمن الغذاء والمياه والطاقة وإتاحة التمويل المناخي اللازم لتحقيق انتقال أكثر عدالة نحو الاقتصاد الأخضر.
وتضمنت رؤيته كذلك أهمية الاستفادة من موقع مصر كمركز للتجارة والخدمات اللوجستية ومواصلة العمل على إنشاء مركز إقليمي للحبوب والخدمات المرتبطة بها، بما يعزز دور مصر في الربط بين القارات ودعم الأمن الغذائي.
ولا تمثل هذه النقاط جميعها تصريحات مباشرة للرئيس السيسي خلال الجزء المعلن من كلمته، وإنما جاءت ضمن قراءة رئيس حزب المصريين للرسائل الاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالمشاركة المصرية في القمة.
وبين الرغبة في توسيع المشروعات المشتركة داخل بريكس، والتحرك نحو رئاسة التجمع مستقبلًا، وتعزيز الربط التجاري بين دول أفريقيا، تضع القاهرة عدة مسارات متوازية لتحويل عضويتها في بريكس إلى تعاون اقتصادي وتنموي، بالتزامن مع الحفاظ على حضورها في الملفات السياسية والأمنية الأفريقية.









