شهادة ناجٍ تكشف تسلسل الهجوم من أول مسيرة حتى وصول الإنقاذ الروسي
بعد عودته لمصر.. فارس يروي هجوم 6 مسيرات ونجاة 8 بحارة ووفاة القبطان
قدّم البحار فارس محمد السيد عطية، بعد عودته إلى مصر، شهادة مباشرة تكشف تسلسل الساعات التي سبقت نجاة طاقم السفينة M/V Noran بعد تعرضها للقصف جنوب غرب روسيا، من رصد أول مسيرة في المساء وحتى وصول قوات الإنقاذ في الثامنة والنصف صباحًا. وبحسب روايته، استُهدفت السفينة بنحو 6 مسيرات، وفقد الطاقم الزوارق وتعطلت قدرات القيادة من الأعلى قبل تشغيل المحركات وتوجيه السفينة يدويًا. وفي المقابل، يؤكد بيان وزارة الخارجية وفاة القبطان السعيد عبد العزيز سلامة وعودة 8 بحارة مصريين، دون أن ينسب رسميًا مسؤولية القصف إلى جهة بعينها.
من أول مسيرة إلى غرفة القيادة
كان فارس، البالغ من العمر 20 عامًا، يخوض أول رحلة عمل بحرية له بصفة متدرب بعد دراسته في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، قبل أن تتحول الرحلة إلى تجربة استثنائية خلال وجود السفينة في البحر الأسود.
ويروي أنه أنهى ورديته في غرفة المحركات وصعد باتجاه غرفة القيادة، قبل أن يلاحظ وجود مسيرة في محيط السفينة. وعندها تحرك لإبلاغ زملائه الموجودين أسفل السفينة، حيث كان صوت الطائرات أقل وضوحًا داخل غرفة المحركات.
وبحسب شهادته، كان القبطان السعيد عبد العزيز سلامة قد أنهى ورديته واتجه للراحة، قبل أن يتم إيقاظه بعد ظهور المسيرة. وبدلًا من الاحتماء مع الطاقم، صعد القبطان إلى غرفة القيادة في محاولة للتعامل مع الموقف وإبعاد السفينة عن نطاق الخطر.
يقول فارس إنه حاول الصعود إليه رغم مطالبات القبطان للطاقم بالاحتماء، إلا أن غرفة القيادة تعرضت للقصف قبل أن يتمكن من الوصول إليه، ثم حاول أفراد الطاقم التعامل مع الحريق الذي اندلع في الجزء العلوي من السفينة.
وتتقاطع هذه الرواية مع المعلومات الرسمية في نقطة وفاة القبطان على متن M/V Noran، لكن وزارة الخارجية اكتفت في بيانها بوصف ما وقع بأنه «حادث قصف» قرب أحد الموانئ جنوب غرب روسيا، دون تحديد الجهة المسؤولة عنه.

6 مسيرات و10 طفايات ومحاولة للابتعاد بالسفينة
تكشف شهادة البحار فارس أرقامًا جديدة عن كيفية تعامل الطاقم مع الهجوم؛ إذ يقول إن عدد المسيرات التي استهدفت السفينة وصل إلى نحو 6، بينما استخدم البحارة قرابة 10 طفايات في محاولات متتالية للسيطرة على النيران.
ومع استمرار القصف، خرجت قدرة التحكم من غرفة القيادة عن الخدمة، وفق روايته، ما دفع أفراد الطاقم إلى النزول إلى غرفة المحركات وتشغيل الماكينات وتوجيه السفينة يدويًا نحو أقرب ميناء روسي لمحاولة الخروج من نطاق الاستهداف.
وتوضح شهادته أن المسيرات لم تصل في موجة واحدة؛ فبعد الضربات الأولى عادت دفعة أخرى أثناء محاولة تحريك السفينة، ليصل العدد الإجمالي، بحسب تقديره، إلى 6 مسيرات. وتؤكد شهادة أخرى منشورة لفارس التفاصيل نفسها بشأن تشغيل المحركات وتوجيه السفينة يدويًا بعد استهداف غرفة القيادة والجانب الأيمن.
وفي هذه النقطة يجب الفصل بين الرواية المباشرة للناجي وبين البيان الرسمي؛ فالعدد «6 مسيرات» وارد في شهادة فارس، بينما لم يحدد بيان الخارجية المصرية عدد الطائرات المستخدمة في القصف.
من فقدان الزوارق إلى الاحتماء داخل السفينة
أدى الحريق، بحسب رواية فارس، إلى فقدان الزوارق الملحقة بالسفينة، ما قلص خيارات الإخلاء المتاحة أمام البحارة.
وفي ظل استمرار الخطر، تنقل أفراد الطاقم بين غرفة المحركات وعنبر الفحم وأجزاء أخرى أقل تعرضًا للقصف، مع تجهيز عوامات كخيار أخير إذا امتدت النيران إلى كامل السفينة واضطروا للنزول إلى البحر.
وتوقفت هجمات المسيرات، وفق الشهادة، قرابة الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، إلا أن قوات الإنقاذ الروسية لم تصل إلا في الثامنة والنصف صباحًا.
وهنا يكشف التسلسل الزمني فارقًا مهمًا: المدة من رصد أول مسيرة في السادسة والنصف مساء وحتى وصول الإنقاذ في الثامنة والنصف صباحًا تبلغ نحو 14 ساعة، لكن القصف نفسه لم يستمر 14 ساعة متصلة، إذ يقول فارس إن استهداف المسيرات توقف قرابة الواحدة والنصف صباحًا.
كما تمتد رواية فارس من مساء 12 سبتمبر إلى صباح اليوم التالي، بينما يؤرخ بيان وزارة الخارجية حادث القصف رسميًا في 13 سبتمبر 2026. لذلك تظل رواية الساعات الدقيقة منسوبة إلى شاهد العيان، في حين يبقى 13 سبتمبر هو التاريخ المثبت في البيان الرسمي المصري.
ماذا حدث للقبطان بعد توقف القصف؟
قال فارس إنه حاول مع زملائه الوصول إلى القبطان بعد الضربة التي أصابت غرفة القيادة، وإنهم وجدوه قد فارق الحياة، لكن استمرار اقتراب المسيرات وصعوبة نقله من المنطقة المتضررة حالا دون إخراجه من السفينة.
وتحدث كذلك عن محاولة إنقاذ أوراق البحارة وجوازات السفر والشهادات قبل وصول النيران إليها، بالتزامن مع استمرار جهود إطفاء الحريق وتأمين أفراد الطاقم.
أما في المسار الرسمي، فلم تعلن وزارة الخارجية حتى أحدث بيان متاح نجاح عملية انتشال الجثمان أو نقله إلى مصر، وإنما أكدت أن السفارة المصرية في موسكو تواصل العمل على انتشاله ونقله فور استقرار الأوضاع الأمنية في المنطقة التي توجد بها السفينة.
وبذلك تختلف المرحلة الحالية بين ملفين: ملف البحارة الناجين انتهى بعودة 8 مصريين إلى أرض الوطن، بينما يظل ملف جثمان القبطان مفتوحًا ولم يُعلن رسميًا اكتمال إجراءات نقله حتى وقت إعداد التقرير.
كيف عاد البحارة المصريون إلى مصر؟
بعد وصول قوات الإنقاذ الروسية، نُقل أفراد الطاقم إلى مكان آمن، وأجريت إفادات بشأن ملابسات الحادث، بحسب رواية فارس، قبل أن يقضوا عدة أيام في أحد الفنادق.
وقال البحار إن الشركة المالكة وفرت للطاقم ملابس وطعامًا ومبالغ مالية، وسددت مستحقاتهم، ثم رتبت تذاكر العودة بالتنسيق مع الجهات المصرية، قبل نقل البحارة إلى منازلهم عقب وصولهم.
وتؤكد وزارة الخارجية أن السفارة المصرية في موسكو نجحت في تيسير عودة 8 بحارة مصريين إلى أرض الوطن، كما وجه وزير الخارجية بدر عبد العاطي باستمرار التواصل مع أسرة القبطان وتقديم الدعم القنصلي اللازم.
وتضيف شهادة فارس بذلك طبقة لم تكن في البيان الرسمي؛ فهي لا تكتفي بنتيجة عودة البحارة ووفاة القبطان، وإنما توثق من داخل السفينة كيف انتقل الطاقم من محاولة إطفاء الحريق إلى تشغيل السفينة يدويًا، ثم الاحتماء بعد فقدان الزوارق وانتظار الإنقاذ حتى صباح اليوم التالي.









