المفاوضات الرسمية متوقفة بينما يبقى التحرك السياسي والقانوني مفتوحًا

زكي وسويلم عن أزمة النيل.. حل سياسي مع تمسك مصر بحقوقها المائية والقانونية

أزمة النيل بين المسار
أزمة النيل بين المسار السياسي وحقوق مصر القانونية

تضع تصريحات حسام زكي وهاني سويلم مساء الأحد 20 سبتمبر 2026 أزمة النيل أمام مسارين متوازيين لا يلغي أحدهما الآخر؛ فزكي، الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، يرى أن التخلي الكامل عن المسار السياسي ليس الخيار الأقل كلفة، بينما يؤكد وزير الموارد المائية والري تمسك مصر بحقوقها المائية وما يتيحه القانون الدولي من إجراءات. والنقطة الفاصلة أن الحديث عن استمرار الحلول السياسية لا يعني استئناف المفاوضات الثلاثية بصورتها السابقة، إذ يؤكد الموقف المصري الرسمي أن ذلك المسار انتهى في ديسمبر 2023 بعد 13 عامًا دون اتفاق ملزم، مع استمرار التحرك الدبلوماسي والقانوني ومراقبة تشغيل السد.

وقال حسام زكي إن مصر دخلت المفاوضات مع إثيوبيا بنوايا طيبة، وفق تقييمه، لكنه اعتبر أن الجانب الإثيوبي لم يتعامل بالمثل، ورغم ذلك رأى أن المسار السياسي يظل أكثر أمانًا وأقل كلفة من الانتقال إلى تصعيد حاد.

وأكد زكي أن إدارة أزمة النيل لا ينبغي أن تكون فنية فقط، وإنما تحتاج إلى رؤية سياسية تتعامل مع أبعادها المختلفة، مشيرًا إلى أن من حق مصر التوقف عن مفاوضات لا تحقق نتيجة، لكنه فرّق بين توقف جولة تفاوضية والتخلي بالكامل عن الأدوات السياسية.

ويمثل هذا الطرح رأيًا سياسيًا للسفير حسام زكي بصفته الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، وليس إعلانًا عن تغيير رسمي في موقف الحكومة المصرية أو قرار جديد بإعادة المفاوضات مع إثيوبيا.

ما الفرق بين المسار السياسي والمفاوضات الرسمية؟

تظهر أهمية هذا التفريق عند مقارنة حديث زكي بالموقف المنشور لوزارة الخارجية المصرية.

فالقاهرة تعتبر أن المسار التفاوضي الذي استمر لأكثر من 13 عامًا بشأن قواعد ملء وتشغيل السد وصل إلى نهايته في ديسمبر 2023 دون اتفاق قانوني ملزم، وتقول إن استمرار المفاوضات بالشكل السابق لم يعد يحقق الغرض المطلوب.

وفي الوقت نفسه، لا يعني توقف ذلك المسار توقف الأدوات السياسية والدبلوماسية بالكامل؛ إذ واصلت مصر طرح ملف الأمن المائي في اتصالاتها الإقليمية والدولية، والتنسيق مع السودان، والتحرك داخل الأطر الأفريقية والعربية والدولية، إلى جانب إعلان احتفاظها بحقوقها التي تكفلها المواثيق الدولية إذا تعرض أمنها المائي للضرر.

وبالتالي فإن عبارة «المسار السياسي» في حديث زكي أوسع من جولات التفاوض الثلاثية السابقة؛ فهي يمكن أن تشمل الحوار والتحركات الدبلوماسية والتنسيق الإقليمي والأدوات القانونية، بينما يبقى استئناف مفاوضات رسمية جديدة مسألة تحتاج إلى ترتيبات وشروط وقرار لم يعلنه الجانب المصري في تصريحات زكي.

كما اعتبر زكي أن الخيارات الأكثر حدة كان يمكن التفكير فيها بصورة مختلفة خلال مراحل سابقة من الأزمة، لكن الظروف تغيرت، ولذلك يفضل في تقييمه استمرار التعامل السياسي بدلًا من الانتقال إلى تصعيد مباشر.

موقف سويلم.. اتفاق ملزم ورفض الإجراءات الأحادية

في الجانب الحكومي، استخدم وزير الموارد المائية والري هاني سويلم صياغة أكثر تحديدًا من الناحية القانونية، فوصف سد النهضة بأنه «غير شرعي» من وجهة النظر المصرية نتيجة طريقة إنشائه وملئه وتشغيله بصورة أحادية، مؤكدًا أن اكتمال السد أو مرور الوقت لا يعني قبول القاهرة بالأمر الواقع.

وشدد سويلم على استمرار حاجة الدول الثلاث إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد التعامل مع السد، معتبرًا أن إعلان المبادئ الموقع عام 2015 كان خريطة طريق للتعاون والوصول إلى اتفاق، وليس الاتفاق النهائي المنظم للملء والتشغيل.

ويأتي ذلك متسقًا مع الموقف المنشور لوزارة الخارجية، الذي يرفض الإجراءات الأحادية على المجاري المائية المشتركة ويتمسك بمبادئ التعاون والتشاور والإخطار المسبق وعدم التسبب في ضرر ذي شأن.

سد النهضة

وقال سويلم إن مصر تحتفظ بما يتيحه لها القانون الدولي من إجراءات لحماية أمنها المائي وحقوق ومصالح شعبها، من دون إعلان إجراء تنفيذي محدد أو جدول زمني لاستخدام خيار بعينه. لذلك فإن عبارة «كل الإجراءات» لا تعني أن قرارًا جديدًا بالتصعيد صدر بالفعل، وإنما تصف نطاق الحقوق التي تقول القاهرة إنها تحتفظ بها قانونيًا.

كما حذر الوزير من مخاطر غياب التنسيق في تشغيل سد ضخم على نهر دولي مشترك، معتبرًا أن التغير المفاجئ في التصرفات المائية قد يفرض تحديات على منشآت المياه في دول المصب، وهي من النقاط التي تستند إليها القاهرة في مطالبتها باتفاق واضح لتبادل البيانات وتنظيم التشغيل.

وقبل أربعة أيام من هذه التصريحات، أكدت مصر والسودان في لقاء رسمي أن أمنهما المائي لا يقبل المساس، مع التشديد في الوقت نفسه على أن حماية هذا الأمن لا تتعارض مع تطلعات دول حوض النيل إلى التنمية، بشرط التعاون والتشاور وتبادل المعلومات وعدم الإضرار بمصالح الآخرين.

التنمية وحقوق المياه.. أين تقع نقطة الخلاف؟

إحدى النقاط التي ركز عليها سويلم تتمثل في رفض تصوير الموقف المصري باعتباره معارضة لبناء السدود أو لمشروعات التنمية في دول حوض النيل.

وتقول الحكومة المصرية إن الخلاف يتعلق بطريقة تنفيذ المشروعات الواقعة على المجاري المائية المشتركة ومدى الالتزام بالإخطار والتشاور ودراسة الآثار وتبادل المعلومات، وليس بحق الدول الأفريقية في توليد الكهرباء أو تنفيذ مشروعات تنموية.

وتستند القاهرة في هذا الطرح إلى مشروعات تعاون تنفذها أو تدعمها في دول الحوض، تشمل آبار المياه ومحطات المياه الجوفية والخزانات ومراكز التنبؤ بالفيضانات وبرامج بناء القدرات، إلى جانب إطلاق آلية تمويل بقيمة 100 مليون دولار للمشروعات التنموية ذات الأولوية في دول حوض النيل.

كما شاركت مصر في مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا عبر تحالف من شركتين مصريتين، وهو المشروع الذي استُخدم رسميًا كمثال على دعم القاهرة لمشروعات الطاقة والبنية الأساسية الأفريقية عندما تتم في إطار تعاوني.

وفي المقابل، تطرح إثيوبيا رؤية مختلفة للخلاف، وتؤكد في الخطاب الصادر عنها حق دول المنبع في الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل، وتقدم سد النهضة باعتباره مشروعًا لإنتاج الكهرباء والتنمية والتكامل الإقليمي، وترفض توصيف سياساتها باعتبارها حرمانًا لمصر من المياه.

وتعكس هذه المواقف استمرار الخلاف ليس فقط حول تشغيل السد، ولكن أيضًا حول تفسير الحقوق والالتزامات المرتبطة بنهر دولي مشترك وكيفية تطبيق مبادئ الاستخدام المنصف وعدم الإضرار والتعاون بين دول المنبع والمصب.

أما داخل مصر، فيظل الاعتماد الكبير على النيل عنصرًا أساسيًا في توصيف الملف باعتباره مرتبطًا بالأمن القومي؛ وتشير وزارة الخارجية إلى أن مصر تعتمد بصورة شبه مطلقة على النهر في مواردها المائية المتجددة، وهو ما يفسر تمسكها بأن إدارة المشروعات الكبرى على النهر لا يمكن فصلها عن قواعد القانون الدولي والتنسيق بين الدول المتشاطئة.

وبذلك تكشف تصريحات زكي وسويلم عن مستويين مختلفين في التعامل مع أزمة النيل: الأول رؤية سياسية يقدمها مسؤول عربي سابق ترى أن إبقاء أدوات السياسة والحوار أقل كلفة من التصعيد، والثاني موقف حكومي مصري يؤكد أن انتهاء المفاوضات السابقة لا يسقط الحقوق القانونية ولا ينهي الحاجة إلى اتفاق ملزم.

ولا توجد في أحدث التصريحات المعلنة إشارة إلى بدء جولة تفاوض ثلاثية جديدة، كما لم تعلن القاهرة إجراءً تصعيديًا محددًا. المؤكد هو استمرار التحرك السياسي والقانوني، ورفض الإجراءات الأحادية، ومراقبة تشغيل السد، مع إبقاء ملف حماية الأمن المائي ضمن الأدوات التي تقول الدولة إن القانون الدولي يتيحها لها.

تم نسخ الرابط